مهرجان "مواسم الإبداع": المشاركون في "أغورا المواسم" يدعون إلى وضع إطار قانوني ودعم مستدام للفضاءات المسرحية الخاصة
أجمع المشاركون في النسخة الثانية من "أغورا المواسم" التي انتظمت يوك 6 نوفمبر 2026 ضمن فعاليات الدورة الرابعة للمهرجان الوطني للمسرح التونسي "مواسم الإبداع"، على أهمية إرساء إطار قانوني واضح ينظم نشاط الفضاءات المسرحية الخاصة، وتطوير آليات الدعم العمومي بما يستجيب لحاجاتها الفعلية ويضمن استمراريتها، مع المحافظة على خصوصية مشاريعها الفنية واستقلاليتها، وفق ما جاء في بلاغ على صفحة المهرجان.
وتناول اللقاء، الذي أدار جلساته عبد الحليم المسعودي ونسقته سحر الرياحي، واقع الفضاءات المسرحية الخاصة في تونس، ودوافع تأسيسها، والتحديات التي تواجهها على مستوى التمويل والتسيير والبنية التحتية، فضلا عن علاقتها بالمؤسسات العمومية والفنانين والجمهور، وسبل تطوير دورها في المشهد المسرحي.

توفيق الجبالي: نشأة الفضاءات الخاصة ارتبطت بغياب فضاءات تحتضن التجارب المستقلة
أوضح الفنان والمخرج المسرحي توفيق الجبالي، صاحب فضاء "التياترو"، أن نشأة الفضاءات المسرحية الخاصة ارتبطت تاريخيا بغياب مؤسسات وفضاءات قادرة على احتضان الفرق والمجموعات المستقلة، وهو ما دفع عددا من المسرحيين إلى البحث عن فضاءات خاصة تتيح لهم العمل والإنتاج بحرية.وأشار إلى أن الاستقلالية تمنح هذه الفضاءات هامشا أوسع من الحرية الفنية، لكنها تضع على عاتق أصحابها أعباء التسيير والصيانة والأجور ومختلف المصاريف التشغيلية. وتحدث في هذا السياق عن تجربة "التياترو" التي اعتمدت أساسا على الموارد الذاتية، وعن مفهوم "الاحتراف التطوعي" الذي رافق مسيرتها.
كما لفت إلى كثرة الشركات المسرحية في تونس، مقدرا عددها بأكثر من 300 شركة، في ظل ما وصفه بفراغ تشريعي وغموض في وضعها القانوني والجبائي، معتبرا أن منظومة الدعم الحالية تحتاج إلى مزيد من الوضوح والملاءمة مع طبيعة نشاط هذه الهياكل.
نور الدين الورغي: الفضاء المسرحي الخاص مشروع فني يحتاج إلى سند مؤسساتي
من جهته، بيّن نور الدين الورغي، صاحب "مسرح الأرض"، أن تأسيس فضاء خاص كان يرمي إلى ضمان استمرارية تجربته المسرحية وتوفير مكان قار للعمل، بعيدا عن التقلبات الإدارية وما قد تفرضه من صعوبات على الفرق المستقلة.واستعرض الصعوبات التي واجهته في البحث عن فضاء ملائم في جندوبة والكاف وعنابة، قبل أن يستقر في رادس، حيث افتتح "مسرح الأرض" سنة 2005، بعد أشغال ترميم تواصلت نحو سنة ونصف.
وشدد على أن الفضاء المسرحي الخاص لا ينبغي أن يُعامل باعتباره دار ثقافة متعددة الأنشطة، بل يتعين تقييمه انطلاقا من مشروعه الفني وتخصصه وطبيعة أعماله. كما أكد أن التجارب المستقلة تحتاج إلى سند مؤسساتي يضمن استمراريتها، مشيرا إلى أن تهيئة فضائه تمت بمجهود ذاتي ودون دعم كاف.
جمال العروي: هوية الفضاء تحددها خصوصية مشروعه الفني ونشاطه المنتظم
وتحدث جمال العروي، صاحب فضاء "الفتح الثقافي لزهر الفنون"، عن تجربة تمتد نحو 24 سنة، تخصصت في مسرح الطفل وفنون العرائس والمسرح الغنائي.وأشار إلى أن إغلاق عدد من الفرق المسرحية القارة وتفكيكها دفع مسرحيين إلى تأسيس شركات وفضاءات خاصة، دون أن تواكب هذه التحولات تطورات مماثلة على مستوى الأطر القانونية وآليات الدعم.
وأكد أن هوية الفضاء المسرحي لا تتحدد بمجرد امتلاكه قاعة للعروض، بل ترتبط أساسا بوجود مشروع فني واضح وتجهيزات تقنية ملائمة ونشاط منتظم وقدرة على استقطاب الجمهور. وحذر في هذا السياق من تضخم عدد الفضاءات دون مراعاة خصوصية كل تجربة ومجال اشتغالها.
محمد بركاتي: تنويع الموارد والأنشطة يساهم في ضمان استمرارية الفضاء المسرحي
واستعرض محمد بركاتي تجربته في تأسيس فضاء للتكوين المسرحي، انطلاقا من إدارته قاعة سينما "الماجستيك" ببنزرت، حيث اكتشف الحاجة إلى التكوين المسرحي. وذكر أن الورشات التي أطلقها في سبتمبر 2018 بمشاركة أربعة أشخاص، ارتفع عدد المشاركين فيها إلى 75 في نهاية السنة، من الأطفال والشباب والكبار.وأوضح أن المشروع تطور لاحقا ليشمل قاعة للعروض والتمارين وفضاء للعمل المشترك وركحا خارجيا وورشة للديكور، مشيرا إلى أنه لم يتمكن من الحصول على قرض بنكي، واعتمد في تأسيس الفضاء على مساهمات وقروض شخصية من عدد من أبناء بنزرت، من بينهم أولياء تلامذة وأصحاب مؤسسات فندقية.
وأكد أن استمرارية الفضاء تستوجب تنويع مصادر الدخل، من خلال ورشات التكوين والإنتاج المسرحي المحترف والإقامات الفنية والمشاريع ذات الأثر الاجتماعي والبيئي، إلى جانب تنظيم الفعاليات، شرط أن تظل هذه الأنشطة مرتبطة بالمشروع الفني ولا تؤدي إلى فقدان هويته.
غازي الزغباني: المشروع الفني أساس الفضاء وتنوع الأنشطة يساعد على التوازن المالي
من جانبه، تحدث غازي الزغباني، صاحب فضاء "لارتيستو" (L'Artisto)، عن مسار التجربة التي انطلقت بتأسيس شركة إنتاج سنة 2003، قبل افتتاح الفضاء سنة 2010.وأوضح أن الشركة احتضنتها في بداياتها فضاءات أخرى، من بينها "التياترو"، قبل أن تبرز الحاجة إلى عنوان فني خاص يوفر لها حرية الإبداع والاستقلالية. وشدد على أن قيمة الفضاء لا تقاس بعدد الكراسي أو مساحة قاعة العرض، وإنما بوضوح مشروعه الفني وقدرته على الإنتاج.
وبيّن أن "لارتيستو" يجمع بين المسرح والسينما والإنتاج والورشات، وأن تنوع أنشطته ساعده على تحقيق قدر من التوازن المالي ومواصلة العمل، خاصة خلال فترة جائحة كوفيد-19، حيث ساهم الإنتاج السينمائي في دعم استمرارية المشروع.
واعتبر أن آليات التمويل والدعم ينبغي أن تنطلق من طبيعة المشروع الفني وأهدافه، لا من مقاييس موحدة لا تراعي اختلاف تجارب الفضاءات وخصوصياتها.
مقداد الصالحي: العمل الجماعي والمساندة الذاتية ساهما في استمرار فضاء مينيرفا
أما مقداد الصالحي، مدير فضاء "مينيرفا" بسبيطلة من ولاية القصرين، فقد استعرض مسار تجربته التي انطلقت سنة 2001 من خلال دورة تكوينية دعمتها وزارة الشؤون الثقافية بهدف تكوين فرقة مسرحية بلدية.وتحدث عن الصعوبات التي واجهته، خاصة على مستوى البنية التحتية وغياب ممثلين محترفين ومحدودية الإمكانيات، مشيرا إلى أن الميزانية الأولية للمشروع لم تتجاوز نحو 3000 دينار لتغطية تكاليف الإنتاج والديكور والخياطة.
وأوضح أن التجربة اعتمدت في مراحلها الأولى على الجهود الذاتية والعمل الجماعي ومساندة العائلة والممثلين المحليين، قبل أن تتمكن من تقديم عروض في عدد من الجهات. كما ساهم دعم وزارة الشؤون الثقافية وبعض المؤسسات والسفارات والمساهمين في مساعدة المشروع على الاستمرار والتطور.
وفي ختام النقاش، برزت جملة من التوصيات الرامية إلى تحسين ظروف عمل الفضاءات المسرحية الخاصة، من بينها وضع إطار قانوني ينظم نشاطها ويحدد وضعها القانوني والجبائي، وإحداث صندوق أو برنامج دعم يأخذ بعين الاعتبار خصوصية مشاريعها الفنية وحاجاتها.
وشملت التوصيات كذلك تطوير الدعم العمومي ليشمل، إلى جانب الإنتاج، مصاريف التسيير والصيانة والتجهيز والبنية التحتية، والانتقال من المنح الظرفية إلى آليات تعاقد ثقافي واضحة، تقوم على معايير شفافة تراعي طبيعة كل مشروع وأهدافه.
كما دعا المشاركون إلى تعزيز حقوق الفنانين، بما في ذلك الأجور والتغطية الاجتماعية، وتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتقاسم الموارد والإمكانيات، فضلا عن ربط الفضاءات المسرحية بمؤسسات التكوين الجامعي والعمل على تنمية الجمهور، مع المحافظة على الهوية الفنية لكل فضاء واستقلالية خياراته الإبداعية.




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 339201