JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

جميل الحجري: «إذا شرقت غرقت»... الأمطار القادمة قد تكون عنيفة والاحتياط واجب

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a9fb3df563d36.88463675_hqijpmoneklfg.jpg>


أكد الأستاذ الجامعي والباحث في علم المناخ بجامعة منوبة، جميل الحجري، خلال مداخلته في برنامج «Expresso» على إذاعة أكسبراس، أن الحرارة الاستثنائية التي شهدتها تونس خلال صيف 2026 ليست ظاهرة مفاجئة بالنسبة إلى المختصين، مشيراً إلى أنه سبق أن حذّر منذ سنوات من دخول المنطقة في مرحلة تتسم بتزايد الحالات المناخية المتطرفة.


وأوضح الحجري أن تفسير الوضع المناخي الحالي يتطلب النظر إلى مجموعة من العوامل الديناميكية الكبرى، وليس اختزال الأمر في سبب واحد. ومن بين هذه العوامل، وفق شرحه، التأرجحات الجوية في شمال الأطلسي وما تشهده الطبقات العليا من تباطؤ في حركة الموجات الجوية، وهو ما ساهم في إطالة تأثير الكتل الحارة، بالتزامن مع امتداد التأثيرات الصحراوية وارتفاع درجات الحرارة. كما أشار إلى اضطرابات طرأت على تيار الخليج، معتبراً أن هذه العناصر مجتمعة تدخل في تفسير التطورات المناخية التي تشهدها المنطقة.


لماذا بقيت الحرارة مرتفعة رغم دخول الخريف؟

وبخصوص الوضع الجوي الحالي، بيّن الباحث أن تونس تخضع لتأثيرات جنوبية شرقية قادمة من الصحراء، في وقت يتمركز فيه على مستوى الطبقات العليا نمط جوي يؤدي إلى استقرار الهواء وارتفاع درجات الحرارة.




وأوضح أن دراسة الوضع الجوي لا يمكن أن تقتصر على ما يحدث على سطح الأرض، باعتبار أن الغلاف الجوي منظومة متكاملة تتفاعل فيها الطبقات المختلفة. وأشار إلى أن خرائط الضغط في الطبقات العليا، ولا سيما مستوى 500 ميليبار، تساعد المختصين على فهم حركة الكتل الهوائية وتأثيراتها على الطقس.

وأضاف أن الوضع الحالي يتميز باستقرار جوي ودرجات حرارة مرتفعة، حيث تتجاوز درجات الحرارة 30 درجة مئوية في أغلب مناطق تونس، في سياق حراري يشمل أيضاً جزءاً واسعاً من حوض البحر المتوسط.

من موجة الحر إلى أمطار غزيرة.. ماذا سيحدث؟

وفي ما يتعلق بالتوقعات التي تتحدث عن تغير سريع في الأجواء واحتمال تسجيل أمطار غزيرة، شرح الحجري أن المنظومة الجوية ستبدأ، انطلاقاً من يوم الخميس، في التحرك شرقاً، مع تغير في وضعية التيارات والكتل الهوائية.

وبحسب تفسيره، فإن الهواء البارد القادم من المناطق الشمالية والعروض العليا سيتفاعل مع الهواء الدافئ والرطب الموجود فوق البحر المتوسط. ويكتسب البحر أهمية خاصة في هذه العملية، باعتباره خزّاناً للطاقة، حيث تؤدي درجات الحرارة المرتفعة خلال الصيف إلى زيادة التبخر وارتفاع كمية الرطوبة في المجال البحري.

وعندما يصل الهواء البارد ويتفاعل مع الهواء الدافئ المشبع بالرطوبة، يمكن أن تتشكل ظروف ملائمة لتطور منخفضات جوية وسحب تراكمية قادرة على إنتاج زخات قوية خلال فترة زمنية قصيرة.

«إذا شرقت غرقت».. لماذا قد تكون الأمطار عنيفة؟

واستشهد الباحث بالمقولة الشعبية التونسية «إذا شرقت غرقت» لتفسير خصوصية بعض الوضعيات الجوية في تونس، موضحاً أن الأمطار الناتجة عن هذا النوع من المنظومات يمكن أن تكون غزيرة وعنيفة، خصوصاً عندما تتوفر كميات كبيرة من الطاقة والرطوبة.

وأشار إلى أن السحب المتوقعة ليست بالضرورة سحباً طبقية، وإنما سحب تراكمية ذات سماكة كبيرة، وهو ما قد يؤدي إلى هطول كميات مهمة من الأمطار في وقت قصير، بما يرفع مخاطر السيول والفيضانات في بعض المناطق.

كما لفت إلى أهمية العامل الجغرافي والتضاريس في تحديد كميات الأمطار، موضحاً أن المناطق المرتفعة في الوسط الغربي والشمال الغربي والجنوب الغربي يمكن أن تشهد تأثيرات أقوى نتيجة طبيعة التضاريس التي تساعد على صعود الهواء.

وحذّر كذلك من احتمال تسجيل البَرَد في بعض المناطق، وهو ما قد يمثل خطراً خصوصاً على الزراعات، مذكّراً بالأضرار التي يمكن أن تلحقها هذه الظاهرة بالمحاصيل.

هل نحن أمام تغير مناخي أم مجرد تقلبات جوية؟

وشدد جميل الحجري على ضرورة التمييز بين التقلبات الطبيعية للطقس وبين التغير المناخي، موضحاً أن ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف أمر طبيعي، لكن دراسة المناخ تقوم على رصد الاتجاهات طويلة المدى وليس حادثة جوية منفردة.

وأشار إلى أن الدراسات المناخية تعتمد على فترات مرجعية تمتد إلى 30 سنة، وأن مقارنة المعطيات عبر فترات طويلة هي التي تسمح بتحديد المنحى المناخي والتغيرات التي تطرأ عليه.

وقال إن التغير المناخي لم يعد، في نظره، مجرد موضوع بيئي، بل أصبح عاملاً أمنياً ووطنياً، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمياه والهجرة والتحركات الاجتماعية والمخاطر التي يمكن أن تنتج عن ندرة الموارد أو الكوارث الطبيعية.

«المناخ لم يعد ظاهرة بيئية فقط»

وفي هذا السياق، دعا الحجري إلى توسيع دائرة المسؤولية عن الملف المناخي وعدم حصره في وزارة البيئة، معتبراً أن تداعيات المناخ أصبحت مرتبطة أيضاً بالأمن والمياه والدفاع وحماية السكان.

وبصفته رئيس قسم الأمن المائي بالمركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، أكد أن الأمن المائي أصبح من الملفات الاستراتيجية، داعياً إلى التعامل مع الموارد المائية باعتبارها مورداً حيوياً يجب تأمينه وحمايته.

وأشار إلى أنه سبق له منذ 2018 المشاركة في أعمال وندوات علمية حذّرت من الاختلالات المائية وقدمت مقترحات وحلولاً عاجلة وآجلة، لكنه عبّر عن أسفه لما اعتبره وجود فجوة كبيرة بين البحث العلمي والقرار السياسي، مؤكداً أن عدداً من الدراسات لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

انتقادات للبنية التحتية ومنظومة مواجهة الكوارث

وتطرق الباحث إلى مخاطر الفيضانات، مستشهداً بوضعيات محلية في تاكلسة ومناطق أخرى، وبمشاكل مرتبطة بالبنية التحتية والقناطر والمجاري المائية، معتبراً أن بعض المنشآت لم تصمد أمام تأثير المياه.

وانتقد ما وصفه بالتعامل المتأخر مع الكوارث، مؤكداً أن المطلوب ليس انتظار وقوع الكارثة ثم التحرك، وإنما اعتماد سياسة استباقية تقوم على تقييم المخاطر المحتملة والاستعداد لها قبل حدوثها.

ودعا إلى إعادة التفكير في طريقة عمل لجان الكوارث، بحيث تضم مختصين في المناخ والهيدرولوجيا والهيدروجيولوجيا والجيومورفولوجيا وغيرها من الاختصاصات، حتى تكون القرارات مبنية على دراسات علمية تحدد المخاطر والحلول الممكنة قبل وقوع الخسائر.

الخميس.. أمطار عنيفة والاحتياط واجب

وبخصوص الوضعية الجوية المنتظرة تحديداً، قال الحجري إن الأمطار يوم الخميس قد تكون عنيفة، موضحاً أن المقصود هو زخات قوية تنزل في فترة قصيرة، بما لا يمنح الأرض بالضرورة الوقت الكافي لامتصاص المياه، وهو ما يمكن أن يرفع مخاطر تجمع المياه والسيول.

وأشار إلى أن المناطق الأكثر عرضة للتأثيرات القوية، وفق الخرائط التي تابعها، تشمل الوسط الغربي والمرتفعات والشمال الغربي والوسط الغربي وبعض المناطق القارية، مع إمكانية تأثر مناطق أخرى بحسب تطور المنظومة.

كما أوضح أن خليجي تونس والحمامات يمكن أن تكون لهما أهمية في تطور المنخفضات الجوية، باعتبار أن المياه الدافئة والرطوبة توفران طاقة إضافية للمنظومة الجوية.

لا داعي للهلع.. لكن الاستعداد ضروري

وفي ما يتعلق بما يروج من توقعات دقيقة حول يوم 10 سبتمبر وما إذا كانت تونس ستشهد حدثاً جوياً استثنائياً، دعا الباحث إلى الحذر من التوقعات التي تقدم تفاصيل حاسمة قبل توفر المعطيات العلمية الكافية.

وأوضح أن دقة التوقعات الجوية تكون محدودة زمنياً، خصوصاً في منطقة مثل تونس التي تقع في مجال تتلاقى فيه كتل هوائية مختلفة، ما يجعل حدة التصادم ومسار المنظومة وسرعة تحركها عناصر يصعب تحديدها بدقة قبل فترة قصيرة من حدوثها.

ووصف الوضعية الحالية بأنها تشبه ما سماه «الطقس المجنون»، بمعنى صعوبة تحديد كل تفاصيل ما سيحدث مسبقاً، لكنه شدد على أن الحل ليس الخوف وإنما الاستعداد والاحتياط.

دعوة إلى احترام مجاري المياه

ووجه الحجري رسالة واضحة إلى المواطنين والسلطات، داعياً إلى عدم البناء داخل مجاري الأودية والمناطق المعرضة للفيضانات، مشيراً إلى أن الأجيال السابقة كانت تراعي ما وصفه بـ«حرمة الواد» عند اختيار مواقع البناء.

واعتبر أن ردم مجاري المياه أو البناء فيها لا يلغي مسار المياه، لأن الوادي، وفق تعبيره، «يدافع عن الماء»، ما يجعل تجاهل المسارات الطبيعية للمياه عاملاً يمكن أن يحول الأمطار الغزيرة إلى خطر على السكان والمنشآت.

كما دعا السلطات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المناطق والمنشآت التي يعرف المسؤولون مسبقاً أنها معرضة للغمر، مؤكداً أن الاحتياط ليس خوفاً، بل ضرورة.

الخميس مساءً والجمعة.. الترقب مستمر

وفي ختام الحوار، أوضح الباحث أن المنظومة الجوية ستبدأ مساء الخميس في التحرك نحو الشرق، وأن تأثيراتها قد تصل خلال ليلة الخميس وتمتد إلى يوم الجمعة.

لكنه شدد على أن المسار الدقيق للمنظومة وسرعة انتقالها لم يكونا ثابتين بشكل كافٍ وقت إجراء الحوار، مع وجود اختلاف بين النماذج الجوية، ولذلك دعا إلى عدم الاستسلام للهلع، وفي الوقت نفسه إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة، خصوصاً في المناطق المعروفة بقابليتها للفيضانات أو الموجودة قرب المجاري المائية.

وختم جميل الحجري بالتأكيد على أن الظواهر الجوية القوية ليست جديدة على تونس، وأن المطلوب هو تغيير طريقة التعامل معها من رد الفعل بعد وقوع الكارثة إلى الاستباق والاستعداد وتقليص المخاطر قبل حدوثها، مستشهداً بخبرة الأجيال السابقة في التكيف مع الطبيعة، ومشدداً على أن حماية الناس والمنشآت يجب أن تكون أولوية.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 335757

babnet