Bookmark article
Publié le Vendredi 11 Septembre 2026 - 07:02
قراءة: 4 د, 19 ث
على الساحل الغربي لليمن، حيث تلتقي جغرافيا البحر الأحمر بتاريخ طويل من التجارة، تقف مدينة المخا اليوم عند نقطة استراتيجية تتجاوز حجمها الاقتصادي والسكاني، بعدما تحولت من ميناء اشتهر عالميا بتجارة البن إلى إحدى النقاط المهمة في معادلة الصراع على البحر الأحمر وباب المندب.
تقع المخا في محافظة تعز، على بعد نحو 100 كيلومتر غرب مدينة تعز ونحو 75 كيلومترا شمال مضيق باب المندب، وهو موقع منحها تاريخيا أهمية تجارية، قبل أن يمنحها في العقود الأخيرة أهمية عسكرية وأمنية متزايدة.
من ميناء البن إلى اسم عالمي
ارتبط اسم المخا بالقهوة في مختلف أنحاء العالم، رغم أن المدينة لم تكن مركز زراعة البن الرئيسي، بل كانت ميناء لتجميع وتصدير البن المنتج في المرتفعات اليمنية. وكان البن يصل إليها عبر الطرق البرية قبل شحنه إلى الأسواق الخارجية، لتصبح تسمية «Mocha» مرتبطة عالميا بالقهوة.
وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، بلغت تجارة البن عبر المخا مستويات كبيرة، وتحولت المدينة إلى مركز تجاري دولي استقطب تجارا من الهند وشرق إفريقيا وفارس والدولة العثمانية وأوروبا، إلى جانب جالية يهودية شاركت في النشاط التجاري.
وانعكس هذا الازدهار على عمران المدينة، التي عرفت بالأسوار والأبواب والقلاع والأسواق والمنازل التجارية والمساجد، ومن أبرز معالمها مسجد الشاذلي المرتبط بالذاكرة المحلية وتاريخ القهوة في اليمن. كما أدرجت اليونسكو المخا ضمن القائمة الإرشادية المؤقتة للتراث العالمي.
التراجع وتحول المدينة إلى مركز ساحلي محدود
بدأت المخا تفقد تدريجيا مكانتها التجارية منذ القرن التاسع عشر لصالح موانئ منافسة، خصوصا عدن والحديدة، بالتزامن مع تغير طرق التجارة وتطور السفن والموانئ. كما أدى افتتاح قناة السويس عام 1869 إلى إعادة رسم خريطة الملاحة بين أوروبا وآسيا.
وزادت المنافسة التي واجهها البن اليمني من مناطق إنتاج جديدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية من تراجع أهمية المخا، في حين ساهمت الحروب والصراعات في تدمير أجزاء من المدينة وتسريع تراجعها الاقتصادي والعمراني.
أما اقتصاد المخا اليوم، فلم يعد قائما على تجارة البن، بل يعتمد بدرجة أكبر على الصيد والأنشطة البحرية والتجارة والخدمات والنقل وبعض الأنشطة الزراعية المحدودة، فيما ظل الميناء يحتفظ بقيمة استراتيجية واقتصادية رغم تأثير الحرب وعدم الاستقرار في نشاطه.
المخا.. أهمية استراتيجية تتجاوز حجمها
تكمن أهمية المخا الحالية أساسا في موقعها بالقرب من مضيق باب المندب، الذي يمثل ممرا رئيسيا لحركة التجارة البحرية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس والأسواق الأوروبية.
ولهذا فإن السيطرة على الساحل القريب من المخا لا ترتبط بالسيطرة على مدينة يمنية فحسب، وإنما تمنح الطرف المسيطر موقعا مؤثرا في واحدة من أهم المناطق البحرية في العالم، خاصة في ظل ما شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة من اضطرابات وهجمات أثرت في حركة الملاحة.
الحرب تعيد المخا إلى واجهة الأحداث
منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، أصبح الساحل الغربي أحد أبرز مسارح العمليات العسكرية. وفي عام 2017، تمكنت القوات المناهضة للحوثيين من السيطرة على مدينة المخا بعد معارك مع الحوثيين، لتتحول المدينة لاحقا إلى مركز عسكري مهم للقوات المناهضة لهم.
كما ارتبطت المخا بالقوات التي يقودها العميد طارق محمد عبدالله صالح، الذي أصبح عضوا في مجلس القيادة الرئاسي اليمني عام 2022، وهو ما عزز أهمية المدينة سياسيا وعسكريا على الساحل الغربي.
وكان للدور الإماراتي حضور بارز في إعادة تشكيل المشهد العسكري بالساحل الغربي، إذ دعمت الإمارات، التي شاركت في التحالف العسكري الذي تدخل في اليمن عام 2015، قوات محلية مناهضة للحوثيين، وأصبحت المخا إحدى النقاط المرتبطة بهذا النفوذ العسكري والسياسي.
تطورات سبتمبر 2026
وتأتي المخا حاليا في قلب تطورات عسكرية جديدة. فقد أفادت تقارير خلال سبتمبر 2026 بأن الحوثيين تقدموا في الساحل الغربي وتمكنوا، وفق التقارير المتداولة، من السيطرة على مدينة المخا ومينائها ومناطق محيطة بها.
وفي حال استقرت هذه السيطرة ميدانيا، فإنها تمثل تحولا مهما في ميزان القوى على الساحل الغربي، بالنظر إلى أن المخا كانت خلال السنوات السابقة من أهم مراكز القوات المناهضة للحوثيين. كما أن السيطرة على المدينة والميناء تمنح الحوثيين موقعا أكثر قربا من باب المندب.
لكن الوضع الميداني في اليمن يبقى شديد السيولة، وبالتالي فإن خريطة السيطرة في سبتمبر 2026 تظل قابلة للتغير ولا يمكن اعتبارها وضعا نهائيا.
سكان يواجهون تداعيات الحرب
لم تقتصر تداعيات الحرب على الجانب العسكري، إذ أثرت بصورة مباشرة في سكان المخا من خلال النزوح وتدمير البنية التحتية وتراجع فرص العمل والخدمات الأساسية. وتبرز المياه والكهرباء والصحة والتعليم بين أبرز التحديات التي تواجه المدينة والمناطق المحيطة بها.
كما يمثل نقص المياه تحديا مزمنا بفعل المناخ الساحلي الجاف وقلة الأمطار، ما يجعل تطوير مصادر مستدامة، من بينها تحلية مياه البحر وتحسين شبكات التوزيع ومعالجة مياه الصرف، جزءا مهما من أي مشروع مستقبلي لإعادة بناء المدينة.
سياحة مؤجلة وإرث تاريخي مهدد
تمتلك المخا مقومات سياحية تجمع بين البحر الأحمر والتاريخ التجاري العالمي وتجارة البن والمدينة القديمة والمساجد والقلاع والأسوار والثقافة البحرية والقرب من باب المندب.
غير أن الحرب والدمار والألغام وانعدام الاستقرار الأمني حالت دون تحويل هذه الإمكانات إلى قطاع سياحي حقيقي، كما أن إعادة تأهيل المدينة ستتطلب، إلى جانب إعادة بناء البنية التحتية، حماية ما تبقى من تراثها التاريخي.
وهكذا تختصر قصة المخا تحولات مدينة صنعتها التجارة البحرية، ثم فقدت مكانتها مع تغير طرق التجارة، قبل أن تستعيد أهميتها في القرن الحادي والعشرين بفعل موقعها العسكري والاستراتيجي.
فالموقع نفسه الذي جعل المخا يوما مركزا عالميا لتجارة البن، جعلها اليوم نقطة مهمة في الصراع الإقليمي حول البحر الأحمر وباب المندب، لتقف المدينة أمام مستقبل يرتبط ليس فقط بموازين القوى العسكرية، وإنما أيضا بإمكانية استعادة دورها الاقتصادي والتجاري وترميم إرثها التاريخي.
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 335934