JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

تونس تحت حصار البلاستيك: كلفة بيئية متصاعدة وحلول ممكنة

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a854ead7b5023.50608012_hfkjinpgqoeml.jpg>


د. عماد الحسين (*)

في الوقت الذي تتجه فيه دول عديدة حول العالم، وخاصة في أوروبا، إلى الحد من استعمال الأكياس البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد أو حظرها تدريجيًا، يبدو المشهد في تونس مختلفًا تمامًا. فقد أصبحت الأكياس البلاستيكية حاضرة في كل مكان في الأسواق والمحلات التجارية، وعلى قارعة الطرقات، وفي الحقول والشواطئ والأودية، بل إن المواطن التونسي يكاد لا يقتني أي غرض دون أن يعود إلى منزله محمّلًا بعدة أكياس بلاستيكية، وكأن هذا المنتج أصبح جزءًا لا يتجزأ من نمط الاستهلاك اليومي.


غير أن ما يبدو حلًا عمليًا وسهل المنال يخفي وراءه أزمة بيئية متنامية تتطلب نقاشًا وطنيًا جادًا، خاصة في ظل تزايد المؤشرات التي تدل على اتساع دائرة التلوث البلاستيكي وانعكاساته على البيئة والصحة والاقتصاد.




خطر يمتد لقرون

تكمن خصوصية البلاستيك في أنه مادة صُممت لتدوم. فالكيس البلاستيكي الذي يُستخدم لبضع دقائق قد يحتاج إلى عشرات أو حتى مئات السنين ليتحلل. والأخطر من ذلك أنه لا يختفي بالكامل، بل يتحول إلى جزيئات دقيقة تُعرف بـ"اللدائن المجهرية" أو "الميكروبلاستيك"، التي تتسرب إلى التربة والمياه والهواء، وتجد طريقها في النهاية إلى السلسلة الغذائية.

وقد أصبحت هذه الجزيئات الدقيقة محل اهتمام متزايد لدى الباحثين في العالم بعد اكتشافها في البحار والأنهار ومياه الشرب والمنتجات الغذائية، بل وحتى داخل أجسام البشر، وهو ما يجعل قضية البلاستيك تتجاوز مجرد نظافة المدن أو جمال المناظر الطبيعية، لتصبح قضية ترتبط بالصحة العامة والتنمية المستدامة.

ثمن خفي لكيس مجاني

يعتقد كثير من المستهلكين أن الأكياس البلاستيكية مجانية أو منخفضة الكلفة، لكن الواقع مختلف تمامًا. فالمجتمع يدفع ثمنها بطرق غير مباشرة، من خلال تكاليف تنظيف الشوارع والفضاءات العامة، وصيانة شبكات تصريف المياه، ومعالجة النفايات، وإزالة التلوث من الشواطئ والمناطق الطبيعية.

كما تتحمل البلديات أعباء متزايدة لجمع هذه المخلفات والتخلص منها، في وقت تعاني فيه أصلًا من محدودية الموارد والإمكانات. وعندما تضاف إلى ذلك الخسائر البيئية والصحية طويلة المدى، يصبح واضحًا أن الكلفة الحقيقية للبلاستيك أكبر بكثير مما تبدو عليه للوهلة الأولى.

حين تصبح الطبيعة مكبًا مفتوحًا

الوقائع لا تحتاج إلى تزيين؛ فتونس تستهلك سنويًا 4.2 مليار كيس بلاستيكي، بمعدل يقارب 400 كيس للفرد، وتنتج نحو 250 ألف طن من النفايات البلاستيكية المنزلية. ومن الساحل التونسي، يتسرب سنويًا نحو 8,500 طن من البلاستيك إلى البحر، بما يمثل ما بين 60% و75% من إجمالي نفايات الشواطئ، وفقًا لتقرير الصندوق العالمي للطبيعة (WWF).

ويكفي القيام بجولة قصيرة في عدد من المناطق الحضرية أو الريفية لملاحظة حجم الظاهرة. فالأكياس البلاستيكية تتطاير مع الرياح لتعلق بأغصان الأشجار والأسوار، وتتجمع في الأودية ومجاري المياه، وتغزو الأراضي الفلاحية والشواطئ.

ولا يقتصر الأمر على تشويه المشهد البيئي، بل يمتد إلى الإضرار بالتنوع البيولوجي. فالعديد من الحيوانات البرية والماشية تبتلع هذه المخلفات مع بقايا الطعام، مما يؤدي أحيانًا إلى نفوقها، كما تواجه السلاحف البحرية والطيور والأسماك مخاطر متزايدة نتيجة اختناقها أو ابتلاعها للمواد البلاستيكية.

وفي بلد يرتبط اقتصاده بقطاعات حيوية مثل الفلاحة والسياحة والصيد البحري، فإن تدهور البيئة الطبيعية لا يمثل مجرد خسارة جمالية، بل ينعكس أيضًا على النشاط الاقتصادي وجودة الحياة.

لماذا تتفاقم الظاهرة رغم وجود إطار قانوني؟

رغم صدور الأمر الحكومي عدد 32 لسنة 2020، الذي ضبط أصناف الأكياس البلاستيكية التي يُمنع إنتاجها وتوريدها وتوزيعها ومسكها بالسوق الداخلية، ظل انتشار بعض الأكياس البلاستيكية قائمًا.

ويشير ذلك إلى أن المشكلة لا ترتبط بغياب النص القانوني فقط، وإنما أيضًا بمدى فعالية تطبيقه والرقابة على احترامه، وبمدى توافر البدائل المناسبة وقدرتها على المنافسة من حيث السعر والاستعمال.

ويضاف إلى ذلك تمسّك شريحة واسعة من المستهلكين بهذا المنتج، لكونه منخفض الكلفة وسهل الاستخدام، فضلًا عن التحديات التي تواجه المصنعين في الانتقال إلى بدائل أكثر استدامة دون أعباء اقتصادية إضافية.

وفي جوان 2026، دخل مقترح القانون عدد 33/2026 المتعلق بالحد من الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد وتنظيم استعمال البدائل المستدامة، المسار البرلماني بعد إحالته من مكتب مجلس نواب الشعب إلى لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة.

ويقترح النص مقاربة تدريجية تقوم على منع الأكياس البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد وتعويضها ببدائل قابلة لإعادة الاستعمال أو للتحلل البيولوجي، مع إخضاع هذه البدائل لمعايير تقنية وشهادات مطابقة ورقابة مخبرية، وإقرار عقوبات في حال المخالفة. كما يتضمن إجراءات لمرافقة الصناعيين في التحول نحو إنتاج البدائل المستدامة، بما في ذلك برنامج وطني لإعادة الإدماج وإمكانات للمنح والقروض الميسرة والامتيازات الجبائية.

وقد أثيرت داخل اللجنة، في المقابل، تساؤلات حول كلفة التحول الصناعي، وتأثيره في مواطن الشغل، ومدى كفاية فترة الانتقال المقترحة المحددة في 12 شهرًا.

منع الاستهلاك أم تغيير النموذج؟

لا يكفي النظر إلى الأزمة من زاوية سلوك المستهلك وحده. فكل كيس يصل إلى يد المواطن هو في الأصل نتيجة لسلسلة تبدأ بالإنتاج أو الاستيراد، ثم التوزيع، ثم الاستهلاك، وتنتهي بجمع النفايات أو تسربها إلى البيئة. ولذلك فإن الحد من التلوث يتطلب النظر إلى كامل دورة حياة المنتج.

كما أن الادعاء بأن تشديد القيود البيئية في البلدان الصناعية يدفع بالضرورة إلى انتقال صناعة الأكياس وتجهيزاتها إلى بلدان الجنوب يحتاج إلى أدلة خاصة بكل حالة. والأفضل، في غياب بيانات موثوقة عن تونس، أن يُنظر إلى هذا الاحتمال باعتباره موضوعًا يستحق البحث، لا حقيقة ثابتة يمكن البناء عليها.

فالرهان الحقيقي يتعلق بالنموذج الصناعي والاستهلاكي الذي ترغب تونس في اعتماده: هل نستمر في إنتاج واستهلاك منتجات منخفضة الكلفة عند الشراء، لكنها تفرض كلفة مرتفعة عند جمعها ومعالجتها؟ أم ننتقل تدريجيًا إلى نموذج يعطي الأولوية للحد من الاستهلاك غير الضروري وإعادة الاستخدام ثم التدوير؟

دروس من التجارب العربية: الحل لا يقتصر على المنع

يمكن لتونس أن تستفيد من تجارب عربية اتخذت مسارات مختلفة للحد من الأكياس البلاستيكية. فقد أقر المغرب منذ 2016 قانون "زيرو ميكا"، الذي حظر تصنيع واستيراد وتسويق واستخدام الأكياس البلاستيكية، وحقق نتائج ملموسة رغم استمرار جزء من الإنتاج غير القانوني والتهريب.

أما الإمارات فاختارت نهجًا تدريجيًا بدأ في أبوظبي سنة 2022 ثم توسع على المستوى الاتحادي، وسجّل تراجعًا تجاوز 90% في استخدام الأكياس في بعض المناطق. كما اعتمدت الأردن والسعودية وعُمان والبحرين إجراءات تراوحت بين الحظر والقيود والرسوم، مع تفاوت النتائج بحسب صرامة التطبيق وتوافر البدائل.

وتؤكد هذه التجارب أن الحد من التلوث البالستيكي لا يتحقق بالمنع وحده، كما لا تكفي حملات التوعية بمعزل عن غيرها، بل يتطلب سياسة متكاملة تجمع بين تشريع واضح وقابل للإنفاذ، ورقابة فعالة، وحوافز اقتصادية تشجع المنتجين والمستهلكين على التحول، وتوفير بدائل عملية وميسورة، إلى جانب ترسيخ السلوك البيئي عبر التعليم والإعلام.

وفي هذا السياق، يمكن لتونس أيضًا إحياء بعض بدائلها التقليدية، مثل القفة والسلال المصنوعة من السعف والحلفاء، التي كانت جزءًا من الحياة اليومية قبل أن تحل محلها الأكياس البلاستيكية؛ بما يجعل مكافحة التلوث فرصة ليس فقط لحماية البيئة، بل أيضًا لدعم الصناعات التقليدية والاقتصاد المحلي.

الفرز من المصدر وتطوير صناعة إعادة التدوير

لكن حتى مع نجاح الجهود الرامية إلى تقليص استهلاك الأكياس، ستبقى تونس مطالبة بإيجاد حلول لنحو 250 ألف طن من النفايات البلاستيكية المنزلية التي تنتج سنويًا، من بينها نحو 50 ألف طن من القوارير البلاستيكية، التي يُجمع ويُعاد تدوير نحو 50% منها، أي ما يعادل 25 ألف طن. بينما ينتهي المطاف بـ225 ألف طن من النفايات البلاستيكية المتبقية في المصبات العشوائية والشواطئ والمناطق الطبيعية. وهنا يبرز الفرز من المصدر كإحدى الأدوات المهمة لتحسين إدارة النفايات.

لكن مطالبة المواطن بالفرز لا تكفي وحدها. فلا بد من إنشاء سلسلة جمع ونقل ومعالجة تحافظ على الفصل الذي قام به المواطن، وإلا تحول الفرز إلى جهد فردي محدود الأثر. ويمكن بعد ذلك للمنشآت المختصة والقطاع الخاص تولي عمليات الفرز الإضافي والمعالجة وإعادة التدوير، بما يسمح بإعادة إدخال جزء من المواد في الدورة الاقتصادية.

ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول إعادة التدوير إلى ذريعة للإبقاء على نمط الاستهلاك نفسه. فمن منظور إدارة النفايات، فإن أفضل كيس هو الكيس الذي لم يُنتج أصلًا، لأنه أفضل من كيس يحتاج بعد استعماله إلى الجمع والنقل والفرز والمعالجة. لذلك يجب أن يكون ترتيب الأولويات واضحًا: التقليل من الاستهلاك غير الضروري أولًا، ثم إعادة الاستخدام، ثم استرجاع المواد وإعادة تدويرها، وأخيرًا التخلص الآمن من المتبقي.

ويمكن لهذا التحول أن يخلق فرصًا اقتصادية في مجالات الجمع والفرز والمعالجة والصناعات التحويلية، لكنه يتطلب استثمارات وتنظيمًا واضحًا وأسواقًا قادرة على استيعاب المواد المعاد تدويرها.

وهنا يأتي دور الدولة في تنظيم وتطوير صناعة إعادة التدوير، وتطبيق مبدأ المسؤولية الممتدة للمنتج (EPR)، بإلزام المنتج بالمشاركة في تمويل جمع المواد التي يطرحها في السوق ومعالجتها وإعادة تدويرها بعد الاستهلاك، وتحفيز الاستثمار في الاقتصاد الدائري، وتشجيع استخدام مواد قابلة لإعادة التدوير أو، حيث يكون ذلك مناسبًا ومثبتًا بيئيًا، مواد قابلة للتحلل.

ولا يقل الجانب الاقتصادي أهمية عن الجانب البيئي. فإذا كان البديل أكثر كلفة من الكيس البالستيكي، فإن سياسة التحول ستظل تواجه مقاومة. لذلك يمكن استخدام الحوافز والرسوم والشراء العمومي والتشجيع على الابتكار المحلي لجعل البدائل أكثر تنافسية، بدلًا من الاكتفاء بفرض قيود لا ترافقها حلول عملية.

مسؤولية جماعية وسياسة عامة

إن مواجهة التلوث البالستيكي ليست مسؤولية الدولة وحدها ولا المواطن وحده. إنها مسؤولية مشتركة تشمل المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمستهلكين.

لكن المسؤولية المشتركة لا تعني توزيع اللوم بالتساوي؛ فالدولة تملك أدوات التشريع والرقابة، والمنتج يملك أدوات التصميم والإنتاج، والموزع يتحكم في جزء من العرض، والمستهلك يقرر في النهاية ما يشتري ويعيد استخدامه أو يتخلص منه.

لذلك فإن نجاح السياسة التونسية لن يُقاس بعدد القوانين التي تصدر، وإنما بمدى قدرتها على تغيير ما يحدث فعليًا في السوق: عدد أقل من الأكياس غير الضرورية، وبدائل أكثر قابلية لإعادة الاستخدام، وجمع أفضل للنفايات، وفرز فعلي يصل إلى منشآت المعالجة وإعادة التدوير.

قد يبدو الكيس البالستيكي الذي نحمله اليوم بلا ثمن، لكنه في الواقع يمثل فاتورة مؤجلة ستدفعها البيئة والاقتصاد وصحة الأجيال القادمة.

والسؤال لم يعد ما إذا كانت تونس قادرة على الحد من هذا التلوث، بل ما إذا كانت مستعدة للانتقال من سياسة المنع على الورق إلى سياسة متكاملة تغيّر طريقة إنتاج الأكياس واستهلاكها وجمعها ومعالجتها وإعادة تدويرها.
(*) د. عماد الحسين،
أستاذ المواد والتقنيات بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 334701

babnet