حمزة الورتتاني في "بضع ثواني"...حين تظل صدمات الطفولة حاضرة في حياة الكبار
تطرح مسرحية "بضع ثواني"، من تأليف وإخراج حمزة الورتتاني ودراماتورجيا محرز غالي، مسألة الاعتداءات الجنسية على الأطفال والعنف الأسري وتداعياتهما النفسية الممتدة في حياة الضحايا، من خلال شخصية تعيش انقساما نفسيا حادا، تتداخل في داخلها أدوار الضحية والجلاد، وذلك ضمن عرض احتضنه فضاء التياترو بالعاصمة، مساء اليوم الثلاثاء، في إطار المسابقة الرسمية للمهرجان الوطني للمسرح التونسي "مواسم الإبداع".
ويغوص هذا العمل، الذي يمتد على 60 دقيقة ومن إنتاج شركة "حنبعل للإنتاج" سنة 2026، في عوالم شخصية مثقلة بصدمات الطفولة، لم تستطع تجاوز ماضيها، لتعيد إنتاج العنف الذي تعرضت له في شكل ممارسات إجرامية تستهدف نساء أخريات.
وتنطلق المسرحية بمشهد صادم لامرأتين مختطفتين ترتديان زي مضيفتي طيران، وهما تتعرضان للتعذيب على يد رجل، قبل أن تتكشف تدريجيا خلفيات هذه الحكاية داخل فضاء ركحي مقتصد في عناصره، لا يتجاوز كرسيين وستارا، فيما تسهم الموسيقى الحادة وهيمنة اللون الأحمر، الذي يطغى على ملابس المضيفتين ويمتد إلى بعض مكونات الفضاء، في تكثيف أجواء التوتر والتهديد.
ويؤدي محرز الغربي، إلى جانب رباب محمد وسارة التليلي، أدوار هذا العمل الذي يتمحور حول شخصية "مهيب"، الرجل الذي تتكشف ملامح اضطرابه النفسي تدريجياً من خلال أربع شخصيات يتقمصها الممثل نفسه. وهي ليست شخصيات مستقلة في البناء الدرامي، بقدر ما تمثل حالات نفسية ووجوهاً متعددة لشخصية واحدة، تتنقل بين "مهيب" الخاطف، و"تاتا السيدة" والدته، و"باديس" الفنان الذي يختبر قدرات الفتاتين في الرقص، فضلاً عن مهيب الطفل.
ومن خلال هذا التعدد في الشخصيات، تعود المسرحية إلى ماضي مهيب، حيث تعرض في طفولته لاعتداء جنسي من قبل والده، في بيئة أسرية اتسمت بالعنف، وكان شاهداً فيها على ما تتعرض له والدته من اعتداءات. وتبرز علاقته بأمه باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم مأساته، إذ ظلت جراحه مرتبطة بعدم تصديقها له عندما حاول إخبارها بما تعرض له، وهو ما عمّق إحساسه بالعزلة وتركه وحيداً في مواجهة صدمته.
كما تستعيد المسرحية علاقة مهيب بالرقص، الذي كان شغوفا به في طفولته، قبل أن يتحول إلى ذكرى مثقلة بالألم، إثر اكتشاف والده ممارسته لهذا الفن، وما ارتبط بذلك من اعتداءات. وهكذا يصبح الرقص، الذي كان يمثل مساحة للتعبير عن الذات، جزءا من ذاكرة موجعة ساهمت في تشكيل اضطرابه النفسي.
ومن خلال هذا المسار، تكشف الأحداث عن الكيفية التي يمكن أن يتحول بها الضحية إلى جلاد، حين يعجز عن تجاوز الصدمات التي عاشها، فيعيد إنتاج العنف الذي تعرض له في طفولته. فقد قتل مهيب والده بأداة حادة، قبل أن يتحول إلى خاطف للنساء ومعذب لهن، في سلوك إجرامي يبدو امتدادا لعنف لم يجد طريقه إلى المعالجة والتجاوز، حتى بات يصف نفسه بـ”الوحش”.
وتتجلى خطورة هذا المسار في الإشارات التي تتبادلها الفتاتان المختطفتان، إيناس وعائدة، بشأن مصير نساء سبق أن تعرضن للتعذيب على يد خاطفهما، إذ تلمح إحداهما إلى احتمال أن تلقيا المصير نفسه الذي انتهت إليه نساء أخريات، في عبارة تختزل حجم الرعب الذي يحيط بهما: "يصيرلنا كيما النساء اللي لبرا".
وبالتوازي مع الكشف عن ماضي مهيب وتعدد وجوهه النفسية، تتابع المسرحية محاولات إيناس وعائدة التعامل مع محنتهما، كل وفق استراتيجيتها الخاصة، بين الصراخ والاستنجاد ومحاولات الهرب، وبين مسايرة المختطف ومجاراة رغباته أملاً في كسب الوقت وخلق فرصة للنجاة.
ولا تظل العلاقة بين الفتاتين ثابتة أمام وطأة الخطر، إذ تنتقل من التضامن ومحاولة إنقاذ إحداهما للأخرى إلى تغليب غريزة النجاة الفردية. ويتجلى ذلك في سلوك إيناس التي تحاول في البداية استرضاء المعتدي وتقديم فروض الطاعة له، بل والتشفي من صديقتها باعتبار أن الفضاء مراقب بالكاميرات، فيما تنتقل عائدة بدورها من مساندة رفيقتها إلى البحث عن مخرج ينقذها من المصير الذي يتهددها.
ومن خلال هذه المسارات المتقاطعة، تفتح مسرحية “بضع ثواني” باباً للتفكير في الامتداد النفسي للعنف، وفي قدرة تجارب الطفولة القاسية على التأثير في تشكيل الشخصية والعلاقات الإنسانية لاحقاً. كما تبرز خطورة الصمت وعدم التصديق عندما يحاول الضحية الإفصاح عما تعرض له، باعتبارهما عاملين قد يضاعفان من وطأة الصدمة ويحرمانه من الدعم الذي يحتاج إليه لمواجهة آثارها.
خ س
ويغوص هذا العمل، الذي يمتد على 60 دقيقة ومن إنتاج شركة "حنبعل للإنتاج" سنة 2026، في عوالم شخصية مثقلة بصدمات الطفولة، لم تستطع تجاوز ماضيها، لتعيد إنتاج العنف الذي تعرضت له في شكل ممارسات إجرامية تستهدف نساء أخريات.
وتنطلق المسرحية بمشهد صادم لامرأتين مختطفتين ترتديان زي مضيفتي طيران، وهما تتعرضان للتعذيب على يد رجل، قبل أن تتكشف تدريجيا خلفيات هذه الحكاية داخل فضاء ركحي مقتصد في عناصره، لا يتجاوز كرسيين وستارا، فيما تسهم الموسيقى الحادة وهيمنة اللون الأحمر، الذي يطغى على ملابس المضيفتين ويمتد إلى بعض مكونات الفضاء، في تكثيف أجواء التوتر والتهديد.
ويؤدي محرز الغربي، إلى جانب رباب محمد وسارة التليلي، أدوار هذا العمل الذي يتمحور حول شخصية "مهيب"، الرجل الذي تتكشف ملامح اضطرابه النفسي تدريجياً من خلال أربع شخصيات يتقمصها الممثل نفسه. وهي ليست شخصيات مستقلة في البناء الدرامي، بقدر ما تمثل حالات نفسية ووجوهاً متعددة لشخصية واحدة، تتنقل بين "مهيب" الخاطف، و"تاتا السيدة" والدته، و"باديس" الفنان الذي يختبر قدرات الفتاتين في الرقص، فضلاً عن مهيب الطفل.
ومن خلال هذا التعدد في الشخصيات، تعود المسرحية إلى ماضي مهيب، حيث تعرض في طفولته لاعتداء جنسي من قبل والده، في بيئة أسرية اتسمت بالعنف، وكان شاهداً فيها على ما تتعرض له والدته من اعتداءات. وتبرز علاقته بأمه باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم مأساته، إذ ظلت جراحه مرتبطة بعدم تصديقها له عندما حاول إخبارها بما تعرض له، وهو ما عمّق إحساسه بالعزلة وتركه وحيداً في مواجهة صدمته.
كما تستعيد المسرحية علاقة مهيب بالرقص، الذي كان شغوفا به في طفولته، قبل أن يتحول إلى ذكرى مثقلة بالألم، إثر اكتشاف والده ممارسته لهذا الفن، وما ارتبط بذلك من اعتداءات. وهكذا يصبح الرقص، الذي كان يمثل مساحة للتعبير عن الذات، جزءا من ذاكرة موجعة ساهمت في تشكيل اضطرابه النفسي.
ومن خلال هذا المسار، تكشف الأحداث عن الكيفية التي يمكن أن يتحول بها الضحية إلى جلاد، حين يعجز عن تجاوز الصدمات التي عاشها، فيعيد إنتاج العنف الذي تعرض له في طفولته. فقد قتل مهيب والده بأداة حادة، قبل أن يتحول إلى خاطف للنساء ومعذب لهن، في سلوك إجرامي يبدو امتدادا لعنف لم يجد طريقه إلى المعالجة والتجاوز، حتى بات يصف نفسه بـ”الوحش”.
وتتجلى خطورة هذا المسار في الإشارات التي تتبادلها الفتاتان المختطفتان، إيناس وعائدة، بشأن مصير نساء سبق أن تعرضن للتعذيب على يد خاطفهما، إذ تلمح إحداهما إلى احتمال أن تلقيا المصير نفسه الذي انتهت إليه نساء أخريات، في عبارة تختزل حجم الرعب الذي يحيط بهما: "يصيرلنا كيما النساء اللي لبرا".
وبالتوازي مع الكشف عن ماضي مهيب وتعدد وجوهه النفسية، تتابع المسرحية محاولات إيناس وعائدة التعامل مع محنتهما، كل وفق استراتيجيتها الخاصة، بين الصراخ والاستنجاد ومحاولات الهرب، وبين مسايرة المختطف ومجاراة رغباته أملاً في كسب الوقت وخلق فرصة للنجاة.
ولا تظل العلاقة بين الفتاتين ثابتة أمام وطأة الخطر، إذ تنتقل من التضامن ومحاولة إنقاذ إحداهما للأخرى إلى تغليب غريزة النجاة الفردية. ويتجلى ذلك في سلوك إيناس التي تحاول في البداية استرضاء المعتدي وتقديم فروض الطاعة له، بل والتشفي من صديقتها باعتبار أن الفضاء مراقب بالكاميرات، فيما تنتقل عائدة بدورها من مساندة رفيقتها إلى البحث عن مخرج ينقذها من المصير الذي يتهددها.
ومن خلال هذه المسارات المتقاطعة، تفتح مسرحية “بضع ثواني” باباً للتفكير في الامتداد النفسي للعنف، وفي قدرة تجارب الطفولة القاسية على التأثير في تشكيل الشخصية والعلاقات الإنسانية لاحقاً. كما تبرز خطورة الصمت وعدم التصديق عندما يحاول الضحية الإفصاح عما تعرض له، باعتبارهما عاملين قد يضاعفان من وطأة الصدمة ويحرمانه من الدعم الذي يحتاج إليه لمواجهة آثارها.
خ س









Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 339002