JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

من ذاكرة البحر إلى فضاء الفن...رؤوف قارة يؤسس لمتحف تشكيلي بقليبية

<img src=https://www.babnet.net/images/4b/6ae22de95d5e30.01892162_jpnklmfqegioh.jpg>


يعمل الفنان التشكيلي رؤوف قارة على بعث متحف للفن التشكيلي في قلب المدينة العتيقة بقليبية، يطمح من خلاله إلى توثيق تجربته الفنية ومراحل تطورها، وحفظ أعمال عائلته التي توارثت شغف الفن والإبداع عبر أجيال، إلى جانب التعريف بتجارب فنانين آخرين أسهموا في إثراء المشهد التشكيلي المحلي.


وأعلن رؤوف قارة عن هذا المشروع في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء "وات"، اليوم الأربعاء، إثر تكريمه ضمن فعاليات الدورة الخامسة من المعرض الوطني للكتاب التونسي، باعتباره أحد أعلام المشهد الثقافي بولاية نابل.


وأوضح الفنان أن المشروع يندرج في إطار سعيه إلى حفظ الذاكرة التشكيلية المحلية وتوثيق الأعمال الفنية وربطها بسياقاتها التاريخية والثقافية، بما يتيح للأجيال القادمة التعرف على تجارب إبداعية أسهمت في إثراء المشهد التشكيلي بمدينة قليبية.
وبيّن أن نسبة تقدم الأشغال بالمشروع تتراوح بين 60 و70 بالمائة، غير أن استكمالها يظل رهين توفر الموارد المالية والتجهيزات الضرورية، مشيرا إلى أنه تواصل مع وزارة الشؤون الثقافية لطلب الدعم، ولا يزال في انتظار الرد.



ويُقام المتحف في منزل تقليدي بالمدينة العتيقة بقليبية ورثه الفنان عن عائلته، وشرع منذ فترة في تهيئته وتحويله إلى فضاء لحفظ الذاكرة الفنية والتعريف بخصوصيات التراث المحلي ومصادر الإلهام التي تستمد من البحر والطبيعة.
ويأمل رؤوف قارة أن يتحول هذا المنزل إلى فضاء حي للفن الحديث، يلتقي فيه التراث بالتجارب المعاصرة، ويكون مفتوحا أمام الفنانين والزوار والمهتمين بالفن التشكيلي.
البحر.. مصدر للمواد والأشكال والأفكار
وفي حديثه عن إسهام الفن التشكيلي في حفظ الذاكرة والتراث المحلي، انطلاقا من تجربته الفنية التي ركزت أساسا على الخصوصيات الثقافية والطبيعية لمدينة قليبية، قال رؤوف قارة إنه لا يتعامل مع الذاكرة باعتبارها مخزونا ثابتا أو تصورا جاهزا، بل باعتبارها تجربة متراكمة تتشكل باستمرار من خلال الممارسة والاكتشاف.
وقال، في هذا السياق، "عندما أتحدث عن الذاكرة، أشعر بأنني لا أملك ذاكرة بالمعنى التقليدي للكلمة"، موضحا أن أعماله تتشكل من تجارب متعددة ومتراكمة، وأنه لا يشتغل وفق خطة جامدة أو تصورات مسبقة، بل يترك المجال مفتوحا للاكتشاف والتجريب.
ويشتغل قارة على مواد وتقنيات متنوعة، من الرسم الزيتي والألوان المائية إلى الخزف والنحت والفسيفساء، غير أن التراث يظل القاسم المشترك بينها، ولا سيما ما يسميه “تراثنا الأصيل” وما تختزنه الأشياء القديمة من آثار للتاريخ والحياة.
وقد لقبه الفنان سامي بن عامر، خلال ندوة تكريمه، بـ"فنان البحر"، وهو وصف يجد صداه في أعماله التي تستحضر البحر ليس فقط باعتباره موضوعا بصريا، وإنما أيضا مصدرا لمواد وأشكال وأفكار فنية.
ويجمع قارة في أعمال الفسيفساء قطعا صغيرة من الخزف والسيراميك القديم، يعثر على بعضها بين الأعشاب البحرية وعلى الشاطئ، وهي قطع تبدو في ظاهرها فاقدة لقيمتها، قبل أن يعيد تركيبها وتوظيفها ضمن تشكيلات فنية جديدة.
أما في مجال النحت، فينطلق من الأحافير، مستلهما من الأشكال التي صنعتها الطبيعة عبر الزمن، ومحوّلا آثارها إلى عناصر ضمن رؤية تشكيلية خاصة.
وأوضح أن هذه القطع تتعرض، بفعل الرياح والأمطار وسائر العوامل الطبيعية، إلى تغيرات في أشكالها الأصلية، وقد تبدو أحيانا “مشوهة”، غير أن دور الفنان، في تقديره، يكمن في النظر إليها بعين مختلفة واكتشاف ما يمكن أن تتحول إليه من أعمال إبداعية.
فالقطعة التي تبدو عادية أو فاقدة لقيمتها في نظر الآخرين قد تصبح منطلقا لعمل فني جديد، لأن المسألة، وفق رؤوف قارة، تتعلق بكيفية النظر إلى الأشياء والقدرة على إعادة تشكيلها، وهو ما يلخصه بقوله: “البحر بالنسبة لي ليس مجرد موضوع للرسم، بل مصدر غني للمواد والأشكال والأفكار”.

قليبية.. فضاء مفتوح للإلهام

وبخصوص تمسكه بالخصوصيات الثقافية والطبيعية لقليبية مصدرا للإلهام، بيّن الفنان، الذي تجاوزت تجربته الفنية نصف قرن، أن الفنان يحتاج باستمرار إلى البحث عن مصادر جديدة للإلهام، وقد يجدها في الريح أو المطر أو البحر، أو حتى في أبسط الأشياء المحيطة به.
ويرى أن الأهم هو امتلاك الفنان القدرة على التقاط ما تختزنه هذه العناصر من إمكانيات تشكيلية، ثم إعادة صياغتها من خلال مخيلته ورؤيته الخاصة، بما يجعل البيئة المحيطة به جزءا من مساره الإبداعي.
 

الفن التشكيلي.. شغف عائلي ممتد عبر الأجيال

ولا ينفصل مشروع المتحف عن التجربة الفنية لعائلة قارة وصمود، وهما من العائلات المعروفة في الوطن القبلي وفي تونس باهتمامها بالفن والإبداع، وبانتقال المهارات والممارسات الفنية بين أفرادها عبر الأجيال.
وفي حديثه عن هذا الجانب، استحضر رؤوف قارة تجربة والده محمود قارة، الذي خاض تجربته في الفن الحديث في سن التاسعة والتسعين، بعد مسار في الصناعات التقليدية والحرفية، ولا سيما الرسم على الخشب، وهي من الحرف التي اشتهرت بها مدينة قليبية وأدرجت ضمن الجرد الوطني للتراث الثقافي غير المادي في تونس.
وأوضح أنه عندما عبّر والده عن رغبته في مواصلة الرسم، وفر له الأوراق والأدوات اللازمة، ليستأنف تجربته الفنية، التي واصلها إلى أن بلغ الثالثة بعد المائة من عمره، وأنجز خلالها أكثر من سبعمائة لوحة.
ويرى رؤوف قارة أن التأمل في أعمال والده يكشف عن مستوى فني لافت ولمسة خاصة، بما يعكس تجربة متراكمة وقدرة على التعبير التشكيلي، معتبرا أن هذه التجربة تمثل إحدى الشواهد على تجذر الفن التشكيلي داخل العائلة.
وأشار إلى أن الاهتمام بالفن والإبداع حاضر لدى عدد كبير من أفراد عائلة قارة، مقدرا عدد أفرادها الذين يمارسون أنشطة فنية مختلفة بما بين 50 و60 شخصا، وهو ما دفعه إلى التفكير في تنظيم معرض في قليبية يجمع أعمال أفراد العائلة تحت عنوان “أعمال عائلة قارة”.
ويهدف هذا المعرض، وفق الفنان، إلى التعريف بهذه التجربة الجماعية وإبراز تنوعها وامتدادها عبر الأجيال، بما يجعل الفن جزءا من الذاكرة العائلية والجماعية لمدينة قليبية.
ومن خلال مشروع المتحف والمعرض المرتقب، يسعى رؤوف قارة إلى تحويل هذا الإرث الفني من تجربة عائلية وفردية إلى ذاكرة مفتوحة على الجمهور، تجمع بين خصوصية المكان وتنوع التجارب الفنية، وتمنح قليبية فضاء جديدا يلتقي فيه الفن بالتراث والذاكرة.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 338629

babnet