الحوكمة البلدية في تونس: بين صعود مطالب المواطنين ونزول القرار من المركز
مختار العماري
E4T
مفارقة وفجوة بين اللامركزية وعدم التركيز الإداري
من أسفل إلى أعلى أم من أعلى إلى أسفل؟
قد تبدو المسألة للوهلة الأولى نظرية تتعلق بالقانون الإداري، لكنها في الواقع ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن. فالمواطن في ميدون أو حي التضامن أو برج الخضراء لا يطلب سوى إجابة واضحة عن أسئلة بسيطة: من سيصلح الطريق؟ من سيجمع الفضلات؟ من سيتدخل لفتح قنوات تصريف المياه عند نزول الأمطار؟ والأهم، بمن يجب أن أتصل؟
يفترض أن تكون الإجابة المؤسساتية واضحة: الجهة الأقرب إلى المواطن، والتي تملك الصلاحيات والوسائل اللازمة للتدخل.
وهذا يرتبط بمبدأ التفريع أو التبعية (Subsidiarity)، الذي يقوم على فكرة إسناد القرار إلى المستوى الأقرب إلى المواطن متى كان قادراً على تنفيذ المهمة بكفاءة.
غير أن المرسوم عدد 4 المؤرخ في 30 سبتمبر 2026 والمتعلق بالمجالس البلدية يفتح قراءة أخرى للعلاقة بين البلدية والإدارة الترابية والدولة. فالنص، المتكون من 140 فصلاً موزعة على تسعة أبواب، يلغي مجلة الجماعات المحلية لسنة 2018 ويعيد رسم هذه العلاقات.
وبينما يؤكد المرسوم الشخصية القانونية للبلديات واستقلاليتها الإدارية والمالية، فإنه يضع عملها في إطار وحدة الدولة وينظم العلاقات بينها وبين السلطات الترابية والإدارة المركزية بصورة أكثر إحكاماً.
وهنا تحديداً تظهر المفارقة.
ففي المقابل، يقوم الخطاب الرئاسي بشأن التنمية على فكرة أن التنمية يجب أن تنطلق من المواطن ومن الجهات ومن الحاجيات التي يتم التعبير عنها محلياً. وفي الاتصالات المتعلقة بمخطط التنمية 2026-2030، قُدمت الاستشارة الترابية باعتبارها مساراً مختلفاً عن الطريقة التقليدية التي كانت تصاغ فيها المشاريع داخل المكاتب المركزية قبل إرسالها إلى الجهات.
الشعب يريد، لكن الدولة تقرر
المنطق المعلن يبدو إذن تصاعدياً بوضوح: الشعب يتحدث، والجهة تقترح، والمركز يجمع ويُركّب.
وقد تم تقديم آلاف الاجتماعات المحلية والجهوية واجتماعات الأقاليم باعتبارها وسيلة لرفع الأولويات التي يحددها المواطنون من القاعدة نحو الأعلى.
المبدأ يبدو واضحاً: الانطلاق من الأسفل بدلاً من النزول دائماً من الأعلى.
لكن هنا تظهر المسألة المؤسساتية: ففي الوقت الذي تصعد فيه مطالب المواطنين عبر الاستشارة الترابية، يعيد النظام البلدي الجديد التأكيد على وحدة الدولة وعلى ترابط البلديات والسلطات الترابية والإدارة المركزية.
وهكذا يمكن أن يبدو المسار على النحو التالي: يصعد المواطن إلى الدولة ليقول ما يريد، ثم تنزل الدولة إلى المجال الترابي لتؤطر كيفية تنفيذ ما يريده المواطن.
وهنا تكمن الفجوة، وهنا تبرز المفارقة.
ولفهم هذا التوتر من دون الغوص في تفاصيل القانون الإداري، تكفي كلمتان: اللامركزية وعدم التركيز الإداري.
مبدأ التفريع في مواجهة عدم التركيز الإداري
عدم التركيز الإداري يعني أساساً إرسال أذرع الدولة إلى المجال الترابي: يبقى المركز قائماً، لكن أعوانه ومصالحه وقراراته تقترب جغرافياً من المواطن.
أما اللامركزية، فتقوم على منح الهيئات المحلية صلاحيات فعلية تمكّنها من اتخاذ القرارات والتصرف في جزء من شؤونها باستقلالية.
وبعبارة أبسط: في الحالة الأولى نقرّب السلطة من المواطن، وفي الثانية نقرّب الدولة من المواطن.
والفرق بين الأمرين ليس شكلياً.
فالبلدية التي تستطيع أن تقرر وتموّل وتتحرك بسرعة هي مؤسسة لامركزية فعالة. أما الإدارة المحلية التي يتعين عليها انتظار ترخيص أو تحكيم أو تمويل من المركز لاتخاذ جزء مهم من قراراتها، فإنها تصبح أقرب إلى ذراع ترابية للدولة.
والخطر هنا واضح: أن ننزل الإدارة إلى الجهات من دون أن ننزل معها ما يكفي من السلطة والموارد.
اختصاصات واضحة في مقابل مخاطر إعادة المركزية
يفتح المرسوم الجديد الباب أمام قراءة تتعلق بإمكان إعادة المركزية الفعلية، لكنه يتضمن في المقابل عناصر يمكن النظر إليها من زاوية تنظيم المسؤوليات.
فالنص يوضح مجالات من العمل البلدي تمس الحياة اليومية مباشرة، من بينها التنظيم المحلي والميزانية والتهيئة والنظافة والبيئة والمساحات الخضراء والتجهيزات الاجتماعية ودور الحضانة ورياض الأطفال والمقابر وغيرها من الخدمات البلدية.
كما أن تونس ليست في حاجة إلى مئات الوحدات المحلية التي تعمل بمعزل عن بعضها البعض، إذ إن بعض البنى التحتية والخدمات تتطلب التنسيق، كما أن بعض المشاريع تحتاج إلى إمكانات تفوق قدرة بلدية واحدة.
ومن المبادئ الأساسية في أي نظام للامركزية أن يكون الاختصاص مصحوباً بالموارد اللازمة لممارسته.
فإذا أُسندت إلى بلدية مهمة جديدة، فيجب أن تحصل على الوسائل المالية والإدارية الضرورية لتنفيذها.
وإلا فإن ما يتم نقله إليها ليس اختصاصاً فعلياً، وإنما شكوى جديدة.
ثلاثة مخاطر أساسية
الخطر الأول: إعادة المركزية الفعلية
قد تتمتع البلدية بالشخصية القانونية وبالاستقلالية الإدارية والمالية على الورق، بينما تبقى في الممارسة شديدة الاعتماد على المركز.
وهنا يكمن الفرق بين الاستقلالية القانونية والاستقلالية الفعلية.
الخطر الثاني: التبعية المالية
تحتاج البلديات إلى موارد ذاتية، لكنها تحتاج أيضاً إلى تحويلات من الدولة. وهذا أمر طبيعي، خصوصاً أن الفوارق بين البلديات تجعل من الصعب توفير المستوى نفسه من الخدمات في جميع المناطق دون آليات للتضامن المالي.
لكن هذه التحويلات تحتاج إلى أن تكون متوقعة وشفافة ومستقرة بما يكفي لتمكين البلديات من التخطيط والعمل.
وإلا فقد تتحول الإدارة البلدية إلى إدارة متخصصة في انتظار الاعتمادات.
الخطر الثالث: تمييع المسؤولية
يحتاج المواطن إلى معرفة الجهة التي تتخذ القرار والمسؤول الذي يمكن مساءلته.
فإذا قال رئيس البلدية إن المسؤولية لدى الوالي، وقال الوالي إن القرار لدى الوزارة، وأحالت الوزارة الأمر إلى الميزانية، ثم أحيلت الميزانية إلى الظروف الاقتصادية، يصبح الجميع مسؤولاً، وبالتالي لا أحد مسؤول فعلياً.
الخطاب في مواجهة المنهج
هنا تحديداً تظهر المسافة بين الخطاب السياسي والمنهج المؤسساتي.
فالرئيس قيس سعيّد يقدم منهج التنمية باعتباره عملية تصعد فيها المطالب الشعبية نحو القمة: المواطن يعبر عن حاجاته، والجهة تجمعها، ثم يحول المركز هذه المطالب إلى برنامج وطني.
إنه منطق من أسفل إلى أعلى (Bottom-up).
لكن إذا صعدت المطالب إلى المركز، ثم عادت القرارات إلى الجهات عبر سلسلة إدارية تظل فيها للمركز درجة كبيرة من التأثير، فإن المسار المؤسساتي يمكن أن يبدو شبيهاً بلعبة اليويو: الشعب يصعد، والملف يصعد، والمشروع يصعد، ثم تنزل الإدارة.
وأحياناً ينزل الملف أيضاً.
وقد يكون الأمر مضحكاً في النقاش النظري، إلى أن يجد المواطن نفسه ينتظر طريقاً أو مدرسة أو إنارة عمومية أو شاحنة لجمع الفضلات.
المواطن لا يريد دولة أقل... بل دولة تعمل
السؤال الأساسي ليس بالضرورة ما إذا كانت الدولة يجب أن تكون قوية أو ضعيفة.
فالمواطن التونسي لا يطلب بالضرورة دولة أقل.
إنه يريد قبل كل شيء دولة تعمل.
يريد مدرسة ومستشفى وطريقاً ونقلاً وماءً وإنارة وأمناً وإدارة لا تطلب منه عشر إمضاءات للحصول على ما يفترض أن يتطلب إمضاءً واحداً.
لذلك يصبح السؤال الحقيقي أكثر بساطة:
من يفعل ماذا؟ وبأي أموال؟ وتحت أي رقابة؟ وبأي التزام بتحقيق النتائج؟
وهذه الأسئلة هي التي تحدد عملياً مدى نجاح أي نظام للحوكمة المحلية.
ماذا تقول التجارب المقارنة؟
يمكن أن تكون التجارب الدولية مفيدة في فهم هذه المسألة.
فالتقليد الأنغلوساكسوني يشدد خصوصاً على مبدأ التفريع والمسؤولية المحلية، انطلاقاً من فكرة أن الحاجات ذات الطابع المحلي يمكن أن تكون أكثر نجاعة عندما يكون القرار قريباً من المواطن.
أما التقليد الألماني فقد طور تصوراً قوياً للإدارة الذاتية البلدية، مع المحافظة في الوقت نفسه على آليات للتنسيق والتضامن بين مختلف مستويات الحكم.
وفي فرنسا، يجتمع مساران: اللامركزية وعدم التركيز الإداري؛ فللجماعات المحلية اختصاصاتها، بينما تحتفظ الدولة بممثليها ومصالحها الترابية.
ولا تقول أي من هذه النماذج إن كل شيء يجب أن يقرر محلياً، كما لا تقول إن كل شيء يجب أن يصعد إلى المركز.
المسألة الأساسية تتعلق بمدى التلاؤم بين الاختصاص والقرب والقدرة الإدارية والتمويل والرقابة والمسؤولية.
الدولة القوية والبلدية القادرة
لذلك لا تحتاج تونس بالضرورة إلى الاختيار بين تونس العاصمة والبلدية.
يمكن أن تكون الدولة قوية في وضع القواعد الكبرى، وضمان المساواة بين الجهات، وتمويل التضامن، وفي الوقت نفسه تترك هامشاً كافياً من الاستقلالية للبلديات لمعالجة المشكلات التي لا تحتاج إلى الصعود بها إلى المركز.
عندما يكون المستوى المحلي قادراً على التحرك بكفاءة، فليتحرك.
وعندما تنقصه الأموال، تنقل الدولة إليه الموارد.
وعندما تنقصه الخبرة، ترافقه الدولة.
وعندما تستطيع عدة بلديات أن تفعل معاً ما لا تستطيع أي واحدة منها فعله بمفردها، تتقاسم الموارد والوسائل.
وعندما يعمل المستوى المحلي بشكل سيئ، تراقبه الدولة.
لكن الرقابة ليست اتخاذ القرار بدلاً منه.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي نظام جديد للحوكمة المحلية.
المواطن هو الاختبار النهائي
مواطن ميدون لن يسأل: «السيد الوالي، هل أنتم تعملون في إطار عدم التركيز الإداري أم اللامركزية غير المتناظرة؟»
ومواطن حي التضامن لن يطلب أطروحة في الحوكمة متعددة المستويات.
ومواطن برج الخضراء لن يخرج كتاب القانون الإداري من جيبه.
سيقول ببساطة:
«سيدي، متى ستصلحون الطريق؟»
وسيكون محقاً.
لذلك لن يُحكم على المرسوم الجديد من خلال هندسته القانونية فقط، وإنما من خلال الكيلومتر الأخير.
في ميدون، سيكون الاختبار هو نظافة الشوارع.
وفي حي التضامن، ستكون حالة البنية التحتية وجودة الخدمات.
وفي برج الخضراء، ستكون قدرة الإدارة على الاستجابة لحاجيات منطقة بعيدة.
ففي نهاية المطاف، المواطن لا يستهلك اللامركزية؛ المواطن يستهلك الخدمات العمومية.
ولا تزال الإصلاحات قادرة على النجاح حتى في سياق من ضيق المالية العمومية ومحدودية القدرات الإدارية. لكن ذلك يتطلب تحديداً واضحاً لكل مستوى من مستويات الحكم: اختصاص واضح، وموارد مقابلة، ومسؤولية قابلة للتحديد، وآليات رقابة ومساءلة واضحة.
لأن المفارقة تظل قائمة: الخطاب يعد بأن يصعد الشعب إلى الدولة ليحدد لها أولوياته، بينما يبدو أن النظام الجديد ينظم، بدرجة أكبر، نزول الدولة إلى الشعب لتؤطر كيفية تنفيذ تلك الأولويات.
والفرق بين الاثنين لن تحسمه الخطابات، بل الممارسة.
وهنا تحديداً تكمن مسألة انسجام أو عدم انسجام منطق قرطاج، وهنا يمكن أن يتحول النقاش حول الحوكمة إلى اختبار عملي بسيط جداً: هل سيشعر المواطن بأن صوته الذي صعد من القاعدة عاد إليه في شكل خدمة عمومية ملموسة؟
وربما تكون هذه هي الكلمة الأخيرة للمواطن، ليس في نقاش نظري حول اللامركزية وعدم التركيز، وإنما في شارعه، وأمام بلديته، وفي مواجهة مرفقه العمومي.
لأن المواطن يستطيع أن ينتظر كثيراً من الإصلاحات المؤسساتية، لكنه في النهاية يريد شيئاً واضحاً: طريقاً تُصلح، وفضلات تُرفع، وماءً يصل، وإدارة تستجيب.
E4T
مفارقة وفجوة بين اللامركزية وعدم التركيز الإداري
من أسفل إلى أعلى أم من أعلى إلى أسفل؟قد تبدو المسألة للوهلة الأولى نظرية تتعلق بالقانون الإداري، لكنها في الواقع ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن. فالمواطن في ميدون أو حي التضامن أو برج الخضراء لا يطلب سوى إجابة واضحة عن أسئلة بسيطة: من سيصلح الطريق؟ من سيجمع الفضلات؟ من سيتدخل لفتح قنوات تصريف المياه عند نزول الأمطار؟ والأهم، بمن يجب أن أتصل؟
يفترض أن تكون الإجابة المؤسساتية واضحة: الجهة الأقرب إلى المواطن، والتي تملك الصلاحيات والوسائل اللازمة للتدخل.
وهذا يرتبط بمبدأ التفريع أو التبعية (Subsidiarity)، الذي يقوم على فكرة إسناد القرار إلى المستوى الأقرب إلى المواطن متى كان قادراً على تنفيذ المهمة بكفاءة.
غير أن المرسوم عدد 4 المؤرخ في 30 سبتمبر 2026 والمتعلق بالمجالس البلدية يفتح قراءة أخرى للعلاقة بين البلدية والإدارة الترابية والدولة. فالنص، المتكون من 140 فصلاً موزعة على تسعة أبواب، يلغي مجلة الجماعات المحلية لسنة 2018 ويعيد رسم هذه العلاقات.
وبينما يؤكد المرسوم الشخصية القانونية للبلديات واستقلاليتها الإدارية والمالية، فإنه يضع عملها في إطار وحدة الدولة وينظم العلاقات بينها وبين السلطات الترابية والإدارة المركزية بصورة أكثر إحكاماً.
وهنا تحديداً تظهر المفارقة.
ففي المقابل، يقوم الخطاب الرئاسي بشأن التنمية على فكرة أن التنمية يجب أن تنطلق من المواطن ومن الجهات ومن الحاجيات التي يتم التعبير عنها محلياً. وفي الاتصالات المتعلقة بمخطط التنمية 2026-2030، قُدمت الاستشارة الترابية باعتبارها مساراً مختلفاً عن الطريقة التقليدية التي كانت تصاغ فيها المشاريع داخل المكاتب المركزية قبل إرسالها إلى الجهات.
الشعب يريد، لكن الدولة تقرر
المنطق المعلن يبدو إذن تصاعدياً بوضوح: الشعب يتحدث، والجهة تقترح، والمركز يجمع ويُركّب.وقد تم تقديم آلاف الاجتماعات المحلية والجهوية واجتماعات الأقاليم باعتبارها وسيلة لرفع الأولويات التي يحددها المواطنون من القاعدة نحو الأعلى.
المبدأ يبدو واضحاً: الانطلاق من الأسفل بدلاً من النزول دائماً من الأعلى.
لكن هنا تظهر المسألة المؤسساتية: ففي الوقت الذي تصعد فيه مطالب المواطنين عبر الاستشارة الترابية، يعيد النظام البلدي الجديد التأكيد على وحدة الدولة وعلى ترابط البلديات والسلطات الترابية والإدارة المركزية.
وهكذا يمكن أن يبدو المسار على النحو التالي: يصعد المواطن إلى الدولة ليقول ما يريد، ثم تنزل الدولة إلى المجال الترابي لتؤطر كيفية تنفيذ ما يريده المواطن.
وهنا تكمن الفجوة، وهنا تبرز المفارقة.
ولفهم هذا التوتر من دون الغوص في تفاصيل القانون الإداري، تكفي كلمتان: اللامركزية وعدم التركيز الإداري.
مبدأ التفريع في مواجهة عدم التركيز الإداري
عدم التركيز الإداري يعني أساساً إرسال أذرع الدولة إلى المجال الترابي: يبقى المركز قائماً، لكن أعوانه ومصالحه وقراراته تقترب جغرافياً من المواطن.أما اللامركزية، فتقوم على منح الهيئات المحلية صلاحيات فعلية تمكّنها من اتخاذ القرارات والتصرف في جزء من شؤونها باستقلالية.
وبعبارة أبسط: في الحالة الأولى نقرّب السلطة من المواطن، وفي الثانية نقرّب الدولة من المواطن.
والفرق بين الأمرين ليس شكلياً.
فالبلدية التي تستطيع أن تقرر وتموّل وتتحرك بسرعة هي مؤسسة لامركزية فعالة. أما الإدارة المحلية التي يتعين عليها انتظار ترخيص أو تحكيم أو تمويل من المركز لاتخاذ جزء مهم من قراراتها، فإنها تصبح أقرب إلى ذراع ترابية للدولة.
والخطر هنا واضح: أن ننزل الإدارة إلى الجهات من دون أن ننزل معها ما يكفي من السلطة والموارد.
اختصاصات واضحة في مقابل مخاطر إعادة المركزية
يفتح المرسوم الجديد الباب أمام قراءة تتعلق بإمكان إعادة المركزية الفعلية، لكنه يتضمن في المقابل عناصر يمكن النظر إليها من زاوية تنظيم المسؤوليات.فالنص يوضح مجالات من العمل البلدي تمس الحياة اليومية مباشرة، من بينها التنظيم المحلي والميزانية والتهيئة والنظافة والبيئة والمساحات الخضراء والتجهيزات الاجتماعية ودور الحضانة ورياض الأطفال والمقابر وغيرها من الخدمات البلدية.
كما أن تونس ليست في حاجة إلى مئات الوحدات المحلية التي تعمل بمعزل عن بعضها البعض، إذ إن بعض البنى التحتية والخدمات تتطلب التنسيق، كما أن بعض المشاريع تحتاج إلى إمكانات تفوق قدرة بلدية واحدة.
ومن المبادئ الأساسية في أي نظام للامركزية أن يكون الاختصاص مصحوباً بالموارد اللازمة لممارسته.
فإذا أُسندت إلى بلدية مهمة جديدة، فيجب أن تحصل على الوسائل المالية والإدارية الضرورية لتنفيذها.
وإلا فإن ما يتم نقله إليها ليس اختصاصاً فعلياً، وإنما شكوى جديدة.
ثلاثة مخاطر أساسية
الخطر الأول: إعادة المركزية الفعلية
قد تتمتع البلدية بالشخصية القانونية وبالاستقلالية الإدارية والمالية على الورق، بينما تبقى في الممارسة شديدة الاعتماد على المركز.وهنا يكمن الفرق بين الاستقلالية القانونية والاستقلالية الفعلية.
الخطر الثاني: التبعية المالية
تحتاج البلديات إلى موارد ذاتية، لكنها تحتاج أيضاً إلى تحويلات من الدولة. وهذا أمر طبيعي، خصوصاً أن الفوارق بين البلديات تجعل من الصعب توفير المستوى نفسه من الخدمات في جميع المناطق دون آليات للتضامن المالي.لكن هذه التحويلات تحتاج إلى أن تكون متوقعة وشفافة ومستقرة بما يكفي لتمكين البلديات من التخطيط والعمل.
وإلا فقد تتحول الإدارة البلدية إلى إدارة متخصصة في انتظار الاعتمادات.
الخطر الثالث: تمييع المسؤولية
يحتاج المواطن إلى معرفة الجهة التي تتخذ القرار والمسؤول الذي يمكن مساءلته.فإذا قال رئيس البلدية إن المسؤولية لدى الوالي، وقال الوالي إن القرار لدى الوزارة، وأحالت الوزارة الأمر إلى الميزانية، ثم أحيلت الميزانية إلى الظروف الاقتصادية، يصبح الجميع مسؤولاً، وبالتالي لا أحد مسؤول فعلياً.
الخطاب في مواجهة المنهج
هنا تحديداً تظهر المسافة بين الخطاب السياسي والمنهج المؤسساتي.فالرئيس قيس سعيّد يقدم منهج التنمية باعتباره عملية تصعد فيها المطالب الشعبية نحو القمة: المواطن يعبر عن حاجاته، والجهة تجمعها، ثم يحول المركز هذه المطالب إلى برنامج وطني.
إنه منطق من أسفل إلى أعلى (Bottom-up).
لكن إذا صعدت المطالب إلى المركز، ثم عادت القرارات إلى الجهات عبر سلسلة إدارية تظل فيها للمركز درجة كبيرة من التأثير، فإن المسار المؤسساتي يمكن أن يبدو شبيهاً بلعبة اليويو: الشعب يصعد، والملف يصعد، والمشروع يصعد، ثم تنزل الإدارة.
وأحياناً ينزل الملف أيضاً.
وقد يكون الأمر مضحكاً في النقاش النظري، إلى أن يجد المواطن نفسه ينتظر طريقاً أو مدرسة أو إنارة عمومية أو شاحنة لجمع الفضلات.
المواطن لا يريد دولة أقل... بل دولة تعمل
السؤال الأساسي ليس بالضرورة ما إذا كانت الدولة يجب أن تكون قوية أو ضعيفة.فالمواطن التونسي لا يطلب بالضرورة دولة أقل.
إنه يريد قبل كل شيء دولة تعمل.
يريد مدرسة ومستشفى وطريقاً ونقلاً وماءً وإنارة وأمناً وإدارة لا تطلب منه عشر إمضاءات للحصول على ما يفترض أن يتطلب إمضاءً واحداً.
لذلك يصبح السؤال الحقيقي أكثر بساطة:
من يفعل ماذا؟ وبأي أموال؟ وتحت أي رقابة؟ وبأي التزام بتحقيق النتائج؟
وهذه الأسئلة هي التي تحدد عملياً مدى نجاح أي نظام للحوكمة المحلية.
ماذا تقول التجارب المقارنة؟
يمكن أن تكون التجارب الدولية مفيدة في فهم هذه المسألة.فالتقليد الأنغلوساكسوني يشدد خصوصاً على مبدأ التفريع والمسؤولية المحلية، انطلاقاً من فكرة أن الحاجات ذات الطابع المحلي يمكن أن تكون أكثر نجاعة عندما يكون القرار قريباً من المواطن.
أما التقليد الألماني فقد طور تصوراً قوياً للإدارة الذاتية البلدية، مع المحافظة في الوقت نفسه على آليات للتنسيق والتضامن بين مختلف مستويات الحكم.
وفي فرنسا، يجتمع مساران: اللامركزية وعدم التركيز الإداري؛ فللجماعات المحلية اختصاصاتها، بينما تحتفظ الدولة بممثليها ومصالحها الترابية.
ولا تقول أي من هذه النماذج إن كل شيء يجب أن يقرر محلياً، كما لا تقول إن كل شيء يجب أن يصعد إلى المركز.
المسألة الأساسية تتعلق بمدى التلاؤم بين الاختصاص والقرب والقدرة الإدارية والتمويل والرقابة والمسؤولية.
الدولة القوية والبلدية القادرة
لذلك لا تحتاج تونس بالضرورة إلى الاختيار بين تونس العاصمة والبلدية.يمكن أن تكون الدولة قوية في وضع القواعد الكبرى، وضمان المساواة بين الجهات، وتمويل التضامن، وفي الوقت نفسه تترك هامشاً كافياً من الاستقلالية للبلديات لمعالجة المشكلات التي لا تحتاج إلى الصعود بها إلى المركز.
عندما يكون المستوى المحلي قادراً على التحرك بكفاءة، فليتحرك.
وعندما تنقصه الأموال، تنقل الدولة إليه الموارد.
وعندما تنقصه الخبرة، ترافقه الدولة.
وعندما تستطيع عدة بلديات أن تفعل معاً ما لا تستطيع أي واحدة منها فعله بمفردها، تتقاسم الموارد والوسائل.
وعندما يعمل المستوى المحلي بشكل سيئ، تراقبه الدولة.
لكن الرقابة ليست اتخاذ القرار بدلاً منه.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي نظام جديد للحوكمة المحلية.
المواطن هو الاختبار النهائي
مواطن ميدون لن يسأل: «السيد الوالي، هل أنتم تعملون في إطار عدم التركيز الإداري أم اللامركزية غير المتناظرة؟»ومواطن حي التضامن لن يطلب أطروحة في الحوكمة متعددة المستويات.
ومواطن برج الخضراء لن يخرج كتاب القانون الإداري من جيبه.
سيقول ببساطة:
«سيدي، متى ستصلحون الطريق؟»
وسيكون محقاً.
لذلك لن يُحكم على المرسوم الجديد من خلال هندسته القانونية فقط، وإنما من خلال الكيلومتر الأخير.
في ميدون، سيكون الاختبار هو نظافة الشوارع.
وفي حي التضامن، ستكون حالة البنية التحتية وجودة الخدمات.
وفي برج الخضراء، ستكون قدرة الإدارة على الاستجابة لحاجيات منطقة بعيدة.
ففي نهاية المطاف، المواطن لا يستهلك اللامركزية؛ المواطن يستهلك الخدمات العمومية.
ولا تزال الإصلاحات قادرة على النجاح حتى في سياق من ضيق المالية العمومية ومحدودية القدرات الإدارية. لكن ذلك يتطلب تحديداً واضحاً لكل مستوى من مستويات الحكم: اختصاص واضح، وموارد مقابلة، ومسؤولية قابلة للتحديد، وآليات رقابة ومساءلة واضحة.
لأن المفارقة تظل قائمة: الخطاب يعد بأن يصعد الشعب إلى الدولة ليحدد لها أولوياته، بينما يبدو أن النظام الجديد ينظم، بدرجة أكبر، نزول الدولة إلى الشعب لتؤطر كيفية تنفيذ تلك الأولويات.
والفرق بين الاثنين لن تحسمه الخطابات، بل الممارسة.
وهنا تحديداً تكمن مسألة انسجام أو عدم انسجام منطق قرطاج، وهنا يمكن أن يتحول النقاش حول الحوكمة إلى اختبار عملي بسيط جداً: هل سيشعر المواطن بأن صوته الذي صعد من القاعدة عاد إليه في شكل خدمة عمومية ملموسة؟
وربما تكون هذه هي الكلمة الأخيرة للمواطن، ليس في نقاش نظري حول اللامركزية وعدم التركيز، وإنما في شارعه، وأمام بلديته، وفي مواجهة مرفقه العمومي.
لأن المواطن يستطيع أن ينتظر كثيراً من الإصلاحات المؤسساتية، لكنه في النهاية يريد شيئاً واضحاً: طريقاً تُصلح، وفضلات تُرفع، وماءً يصل، وإدارة تستجيب.




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 337190