مشروع قانون المالية 2027: استقرار الضغط الجبائي لا يعكس أنّ العبء الجبائي يتوزّع بعدالة (معز السوسي)
حوار: محرز الماجري اعتبر أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، معز السوسي، أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتضمن إجراءات اجتماعية وتخفيفات جبائية موجّهة إلى بعض الفئات والمؤسسات، لكنه لا يمثل تخفيضا عاما للعبء الجبائي، خاصة في ظل مقترحات تتعلق بالترفيع في بعض المعاليم وإحداث أداءات جديدة.
وأوضح السوسي أن تطور الضغط الجبائي في تونس لم يتخذ منحى تصاعديا متواصلا وفق الأرقام المتاحة، غير أن النسبة الإجمالية لا تكفي، في تقديره، للحكم على مدى عدالة توزيع الضرائب، لأن الإشكال الأساسي يتعلق بالفئات والأنشطة التي تتحمل العبء الفعلي، ومدى قدرة الدولة على استخلاص المستحقات من مختلف المتدخلين الاقتصاديين.
وفي حوار له مع وكالة تونس افريقيا للانباء "وات"، حول مشروع قانون المالية لسنة 2027، تطرق أستاذ الاقتصاد إلى التوازن بين الإجراءات الاجتماعية والاستثمار، وكلفة دعم المحروقات وانعكاساتها على المالية العمومية، إلى جانب سبل تحسين مناخ الأعمال وتحفيز المؤسسات، وتداعيات اللجوء إلى الصكوك السيادية لتمويل ميزانية الدولة.
الضغط الجبائي: النسبة الإجمالية لا تكشف مدى العدالة
أفاد معز السوسي بأن أرقام وزارة المالية تشير إلى بلوغ الضغط الجبائي 25.4% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2023، قبل ارتفاعه إلى 26.1% سنة 2024، ثم تراجعه إلى 25.9% سنة 2025، وتقديره بـ25.4% في قانون المالية لسنة 2026.
وتعكس هذه الأرقام، وفق تقديره، ارتفاع الضغط الجبائي في سنة 2024 ثم تراجعه، وليس مسارا تصاعديا متواصلا. غير أنه شدد على أن هذه النسبة تقيس مجموع المداخيل الجبائية مقارنة بحجم الاقتصاد، ولا توضح وحدها من يتحمل العبء الضريبي فعليا، أو مدى تناسب الضرائب المدفوعة مع الخدمات العامة والحماية الاجتماعية التي توفرها الدولة.
وللمقارنة، أشار السوسي إلى أن متوسط الضرائب في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية يبلغ 42.2%، مقابل 53.4% في فرنسا و33.5% في الولايات المتحدة، معتبرا أن المقارنة لا ينبغي أن تقتصر على النسب، بل يجب أن تشمل جودة الخدمات ومدى وصول المواطنين إليها.
وأكد أن الأجراء المصرح بهم والمؤسسات المنظمة يظلون أكثر ظهورا أمام الإدارة الجبائية، في حين يؤدي وجود أنشطة غير مصرح بها والتهرب الجبائي إلى تفاوت في الاستخلاص، بما يجعل الملتزمين بالقانون أكثر تعرضا للعبء الضريبي.
وشدد على أن معالجة هذا الإشكال لا تكون بمجرد زيادة الضرائب على القاعدة نفسها، بل من خلال توسيع القاعدة الجبائية وتحسين استخلاص المستحقات من مختلف الأنشطة الاقتصادية.
من زيادات السنوات الماضية إلى إجراءات مشروع 2027
استعرض السوسي عددا من التغييرات الجبائية التي شهدتها السنوات الأخيرة، موضحا أن الفصل 51 من قانون المالية لسنة 2024 رفع المعلوم الموظف على تذاكر الرحلات الجوية والبحرية من 20 إلى 40 دينارا، وإلى 60 دينارا بالنسبة إلى تذاكر الدرجة الأولى ودرجة الأعمال.
أما قانون المالية لسنة 2025، فقد تضمن، وفق السوسي، الترفيع في النسبة العامة للضريبة على الشركات من 15% إلى 20% من الأرباح الخاضعة للضريبة، مع الإبقاء على نسب خاصة عند 10% أو 35% لبعض الأنشطة، والترفيع في نسبة الضريبة على البنوك والمؤسسات المالية وقطاع التأمين من 35% إلى 40%.
وبالنسبة إلى الأفراد، أصبح جدول الضريبة على الدخل تصاعديا بثماني شرائح، تبدأ بالشريحة المعفاة التي تصل إلى 5 آلاف دينار، فيما تبلغ النسبة الهامشية القصوى 40% على الجزء من الدخل الذي يتجاوز 70 ألف دينار سنويا.
وأضاف أن سنة 2026 شهدت إحداث مساهمة بنسبة 4% من الأرباح، بحد أدنى قدره 10 آلاف دينار، على مؤسسات وقطاعات محددة، من بينها البنوك والتأمين والاتصالات ووكلاء بيع السيارات.
وفي المقابل، يجمع مشروع قانون المالية لسنة 2027، بحسب السوسي، بين تخفيفات موجهة وزيادات جديدة. إذ يقترح إعفاء المؤسسات الجديدة المستوفية للشروط من الضريبة، وإعفاء نشاط المبادر الذاتي المصرح به من الخصم من المورد، إلى جانب التخفيف من معاليم أول اقتناء لمسكن.
لكن المشروع يتضمن أيضا مقترحات للترفيع في معلوم السفر إلى الخارج من 60 إلى 80 دينارا، ومعلوم الألعاب والمسابقات من 40% إلى 60%، فضلا عن إقرار معلوم طابع بقيمة 20 دينارا عند تسجيل الهاتف المحمول، باستثناء التسجيل الأول.
وخلص السوسي إلى أن هذه الإجراءات لا تعني وجود تخفيف جبائي عام، مؤكدا أن المعيار الأساسي لتقييم السياسة الجبائية يتمثل في عدالة توزيع الضرائب، والحد من التهرب، وجودة الخدمات التي توفرها الدولة مقابل ما يدفعه المواطنون والمؤسسات.
البعد الاجتماعي في مشروع المالية وتحديات الاستثمار
اعتبر السوسي أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يمنح البعد الاجتماعي مكانة واضحة، من خلال إجراءات تستهدف دعم الفئات محدودة الدخل، ومساندة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز الصحة والدواء، ودعم السكن الاجتماعي، وتمويل بعض المبادرات الموجهة إلى الفئات الهشة.
غير أنه نبه إلى أن هذه التوجهات تأتي في سياق مالي صعب، إذ تشير تقديرات المشروع إلى ارتفاع عجز الميزانية بنحو 3.6 مليارات دينار.
وأوضح أن ثقل النفقات الجارية، وفي مقدمتها الأجور والتدخلات، وخاصة كلفة التعويض عن المواد الأساسية والطاقة، يحد عمليا من قدرة الدولة على توجيه موارد إضافية إلى الاستثمار والتنمية.
وبيّن أن تمويل العجز لا يخصص عادة لبند بعينه، لكن اتساع النفقات الجارية قد يقلص هامش التحرك المالي المتاح للمشاريع التنموية التي تدعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وشدد على أن الدولة تواجه تحديا مزدوجا يتمثل في المحافظة على دورها الاجتماعي ومساندة المواطنين أمام ارتفاع كلفة المعيشة، مع ترشيد منظومة الدعم وحماية نفقات التنمية.
وأكد أن نجاح الإجراءات الاجتماعية لا يقاس بعددها فقط، بل كذلك بمدى استدامة تمويلها، ووصولها إلى مستحقيها، وقدرتها على التعايش مع الاستثمار الضروري لخلق الثروة وفرص العمل.
تثبيت أسعار المحروقات يحمي المقدرة الشرائية لكنه يضغط على الميزانية
وفي تقييمه لقرار عدم الترفيع في أسعار المحروقات، اعتبر السوسي أن هذا الخيار مفهوم من زاوية حماية المقدرة الشرائية، لأن أي زيادة كانت ستنعكس مباشرة على كلفة النقل والإنتاج والأسعار.
وأشار إلى أن التضخم في تونس بلغ 5.6% في سبتمبر 2026، مع تقدير ألا يقل متوسطه خلال السنة عن 5.7%، فيما ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 8.4% على أساس سنوي خلال الشهر نفسه، وهو ما يعكس استمرار الضغوط على الأسر.
لكنه أكد أن تثبيت الأسعار له كلفة كبيرة على المالية العمومية. فقد رُصد في ميزانية سنة 2026 نحو 4 مليارات و993 مليون دينار لتعويض المحروقات، في حين بلغ الإنفاق الفعلي في هذا الباب مليارين و427 مليون دينار خلال النصف الأول من السنة، متجاوزا نفقات الاستثمار المنفذة خلال الفترة نفسها بـ762 مليون دينار.
وأضاف أن ارتفاع معدل سعر برميل النفط إلى حدود 95 دولارا قد يرفع كلفة التعويض، وفق تقديره، إلى نحو 11.2 مليار دينار بنهاية السنة، أي أكثر من ضعف الاعتمادات المرصودة. وشدد على أن هذا الرقم يظل تقديرا مرتبطا بفرضية سعر النفط، وليس نتيجة نهائية محققة.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن التجربة الأوروبية تكشف حساسية الزيادات في أسعار الوقود، مستشهدا بالاحتجاجات التي رافقت ارتفاع الأسعار في فرنسا، وباحتجاجات سائقي الشاحنات في إيطاليا على كلفة الديزل وما نتج عنها من اضطراب في توزيع بعض السلع في الجنوب.
واعتبر أن الخيار التونسي جنّب المواطنين صدمة مباشرة في الأسعار، وواصل حماية الفئات الهشة عبر برامج الأمان الاجتماعي، لكنه حذر من أن تضخم كلفة التعويض يضغط على موارد الاستثمار ويضيّق هامش تمويل التنمية، بما قد يؤثر في إصلاحات قطاعات التعليم والصحة والنقل العمومي.
وأكد أن التحدي يتمثل في مواصلة حماية الفئات الأضعف، مع توجيه الدعم إليها بصورة أكثر دقة، وضمان ألا يأتي ذلك على حساب الخدمات العامة والاستثمار الضروريين.
تبسيط الإجراءات وتحسين السيولة لتحفيز المؤسسات
وفي ما يتعلق بالإجراءات التي كان يمكن إدراجها لتعزيز الجانب الاقتصادي في مشروع قانون المالية، رأى السوسي أن التحفيز لا ينبغي أن يقتصر على التمويل والامتيازات الجبائية، بل يجب أن يشمل أيضا تخفيض كلفة الإجراءات الإدارية والامتثال الجبائي.
وأشار إلى أن المشروع يقترح تمويلا للمؤسسات الناشئة والصغرى، ومساهمة في الأعباء الاجتماعية للمؤسسات المحدثة سنة 2027، لكنه اعتبر أن هذه الإجراءات يمكن استكمالها بتدابير عملية أوسع أثرا.
واقترح، في هذا الإطار، إحداث شباك موحد ورقمي يسمح ببعث المؤسسة والتصريح بها جبائيا واجتماعيا ضمن مسار واحد، مع تحديد آجال قانونية قصيرة للرد على المطالب ورقمنة التراخيص حيثما أمكن، بما يقلص كلفة الوقت والتنقل، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة.
كما دعا إلى تبسيط الالتزامات الجبائية للمؤسسات الصغرى من خلال تجميع التصاريح المتقاربة في تصريح دوري موحد، واعتماد انتقال تدريجي ومبسط من النظام التقديري إلى المحاسبة الفعلية.
واقترح أيضا إقرار فترة مرافقة للمؤسسات الجديدة، يتم خلالها تصحيح الأخطاء التصريحية البسيطة قبل تسليط الخطايا، شرط المبادرة بالتسوية.
تسريع استرجاع فائض الأداء على القيمة المضافة
وشدد السوسي على أهمية معالجة مشكلات السيولة التي تواجه المؤسسات، خاصة من خلال تسريع استرجاع فائض الأداء على القيمة المضافة، أو تمكين المؤسسات من مقاصته مع ديونها الجبائية، مع تحديد أجل أقصى لمعالجة المطالب.
وأوضح أن استرجاع أموال المؤسسة في الوقت المناسب قد يكون أكثر فائدة من امتياز ضريبي لا تنتفع به إلا بعد تحقيق الأرباح.
كما دعا إلى ربط جانب من المساندة الاجتماعية المقترحة بإحداث مواطن شغل جديدة ومصرح بها، حتى يصل الدعم إلى المؤسسات التي توسع نشاطها وتشغل فعليا، وإلى إلزام الهياكل العمومية بآجال واضحة لخلاص مستحقات المؤسسات، باعتبار أن التأخير في الدفع يرفع كلفة التمويل ويهدد استمرارية المؤسسات الصغرى.
واعتبر أن نجاح هذه الإجراءات يقاس بمدى تقليص مدة وكلفة بعث المؤسسات، وتحسين سيولتها، وتشجيعها على الاستثمار والتشغيل الرسمي.
الصكوك السيادية: تنويع التمويل لا يعني خفض العجز
وفي ما يتعلق بتوجه الحكومة نحو الصكوك السيادية أو الإسلامية، أوضح السوسي أن الفصل 11 من مشروع قانون المالية لسنة 2027 ينص على ترخيص أقصى قدره 9 مليارات دينار لضمان قروض أو إصدار صكوك إسلامية، مشيرا إلى أن هذا الفصل لا يحدد قيمة إصدار فعلية.
واعتبر أن التوجه نحو الصكوك السيادية يمثل محاولة لتنويع مصادر التمويل وتوسيع قاعدة المستثمرين، وهو ما قد يكون إيجابيا في ظل ارتفاع حاجات الاقتراض ومحدودية النفاذ إلى التمويل الخارجي.
لكنه شدد على أن الصكوك، رغم خصوصيتها القانونية والمالية، تظل التزاما على الدولة يترتب عنه عائد وسداد، وبالتالي فهي لا تخفض عجز الميزانية، بل توفر وسيلة إضافية لتمويله أو لإعادة تمويل الدين.
وأوضح أن أثر هذه الآلية يتوقف على طريقة الإصدار وشروطه. فإذا نجحت الدولة في استقطاب مدخرات جديدة من الأسواق الخارجية بشروط مناسبة، فقد يساهم ذلك في تخفيف الضغط على البنوك المحلية وتوفير موارد لتمويل مشاريع منتجة.
أما إذا اعتمد الإصدار أساسا على المدخرات المحلية، فقد ينافس المؤسسات والأسر على التمويل، ويحد من قدرة البنوك على إقراض القطاع الاقتصادي. كما أن الإصدار بالعملة الأجنبية يضيف مخاطر مرتبطة بسعر الصرف وكلفة خدمة الدين.
وأشار السوسي إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يقدّر موارد الخزينة بـ28.122 مليار دينار، منها 19.845 مليار دينار من الاقتراض الداخلي و6.877 مليارات دينار من الاقتراض الخارجي، إلى جانب ترخيص بتسهيلات من البنك المركزي تصل إلى 9.8 مليارات دينار.
وخلص إلى أن تقييم الصكوك السيادية لا ينبغي أن يستند إلى قيمتها وحدها، بل يجب أن يشمل كلفتها ومدتها وعملتها، ومدى توجيه مواردها إلى الاستثمار المنتج، وما إذا كانت ستخفف فعليا الاعتماد على التمويل الداخلي وتمويل البنك المركزي.
العدالة الجبائية والاستثمار.. التحدي الأساسي
تُبرز قراءة معز السوسي لمشروع قانون المالية لسنة 2027 أن التحدي لا يقتصر على تحديد مستويات الضرائب أو توفير موارد إضافية للخزينة، بل يشمل تحقيق التوازن بين العدالة الجبائية والحماية الاجتماعية من جهة، وتحفيز المؤسسات والاستثمار وخلق فرص العمل من جهة أخرى.
فبينما تتطلب حماية المقدرة الشرائية مواصلة التدخل لفائدة الفئات الهشة، تفرض الضغوط على المالية العمومية البحث عن سبل أكثر نجاعة لتوجيه الدعم، وتوسيع قاعدة الاستخلاص، وتحسين الخدمات العامة، والحد من كلفة الإجراءات الإدارية على المؤسسات.
كما أن تنويع مصادر التمويل، بما في ذلك الصكوك السيادية، لا يحقق وحده التوازنات المالية ما لم يقترن بالتحكم في كلفة الدين وتوجيه الموارد نحو أنشطة منتجة.
ويظل نجاح الخيارات المالية، وفق هذه المقاربة، مرتبطا بقدرة الدولة على توزيع العبء الجبائي بعدالة، وضمان استدامة تدخلاتها الاجتماعية، وتوفير مناخ أعمال يشجع المؤسسات على الاستثمار والتشغيل الرسمي.
وأوضح السوسي أن تطور الضغط الجبائي في تونس لم يتخذ منحى تصاعديا متواصلا وفق الأرقام المتاحة، غير أن النسبة الإجمالية لا تكفي، في تقديره، للحكم على مدى عدالة توزيع الضرائب، لأن الإشكال الأساسي يتعلق بالفئات والأنشطة التي تتحمل العبء الفعلي، ومدى قدرة الدولة على استخلاص المستحقات من مختلف المتدخلين الاقتصاديين.
وفي حوار له مع وكالة تونس افريقيا للانباء "وات"، حول مشروع قانون المالية لسنة 2027، تطرق أستاذ الاقتصاد إلى التوازن بين الإجراءات الاجتماعية والاستثمار، وكلفة دعم المحروقات وانعكاساتها على المالية العمومية، إلى جانب سبل تحسين مناخ الأعمال وتحفيز المؤسسات، وتداعيات اللجوء إلى الصكوك السيادية لتمويل ميزانية الدولة.
الضغط الجبائي: النسبة الإجمالية لا تكشف مدى العدالة
أفاد معز السوسي بأن أرقام وزارة المالية تشير إلى بلوغ الضغط الجبائي 25.4% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2023، قبل ارتفاعه إلى 26.1% سنة 2024، ثم تراجعه إلى 25.9% سنة 2025، وتقديره بـ25.4% في قانون المالية لسنة 2026.وتعكس هذه الأرقام، وفق تقديره، ارتفاع الضغط الجبائي في سنة 2024 ثم تراجعه، وليس مسارا تصاعديا متواصلا. غير أنه شدد على أن هذه النسبة تقيس مجموع المداخيل الجبائية مقارنة بحجم الاقتصاد، ولا توضح وحدها من يتحمل العبء الضريبي فعليا، أو مدى تناسب الضرائب المدفوعة مع الخدمات العامة والحماية الاجتماعية التي توفرها الدولة.
وللمقارنة، أشار السوسي إلى أن متوسط الضرائب في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية يبلغ 42.2%، مقابل 53.4% في فرنسا و33.5% في الولايات المتحدة، معتبرا أن المقارنة لا ينبغي أن تقتصر على النسب، بل يجب أن تشمل جودة الخدمات ومدى وصول المواطنين إليها.
وأكد أن الأجراء المصرح بهم والمؤسسات المنظمة يظلون أكثر ظهورا أمام الإدارة الجبائية، في حين يؤدي وجود أنشطة غير مصرح بها والتهرب الجبائي إلى تفاوت في الاستخلاص، بما يجعل الملتزمين بالقانون أكثر تعرضا للعبء الضريبي.
وشدد على أن معالجة هذا الإشكال لا تكون بمجرد زيادة الضرائب على القاعدة نفسها، بل من خلال توسيع القاعدة الجبائية وتحسين استخلاص المستحقات من مختلف الأنشطة الاقتصادية.
من زيادات السنوات الماضية إلى إجراءات مشروع 2027
استعرض السوسي عددا من التغييرات الجبائية التي شهدتها السنوات الأخيرة، موضحا أن الفصل 51 من قانون المالية لسنة 2024 رفع المعلوم الموظف على تذاكر الرحلات الجوية والبحرية من 20 إلى 40 دينارا، وإلى 60 دينارا بالنسبة إلى تذاكر الدرجة الأولى ودرجة الأعمال.أما قانون المالية لسنة 2025، فقد تضمن، وفق السوسي، الترفيع في النسبة العامة للضريبة على الشركات من 15% إلى 20% من الأرباح الخاضعة للضريبة، مع الإبقاء على نسب خاصة عند 10% أو 35% لبعض الأنشطة، والترفيع في نسبة الضريبة على البنوك والمؤسسات المالية وقطاع التأمين من 35% إلى 40%.
وبالنسبة إلى الأفراد، أصبح جدول الضريبة على الدخل تصاعديا بثماني شرائح، تبدأ بالشريحة المعفاة التي تصل إلى 5 آلاف دينار، فيما تبلغ النسبة الهامشية القصوى 40% على الجزء من الدخل الذي يتجاوز 70 ألف دينار سنويا.
وأضاف أن سنة 2026 شهدت إحداث مساهمة بنسبة 4% من الأرباح، بحد أدنى قدره 10 آلاف دينار، على مؤسسات وقطاعات محددة، من بينها البنوك والتأمين والاتصالات ووكلاء بيع السيارات.
وفي المقابل، يجمع مشروع قانون المالية لسنة 2027، بحسب السوسي، بين تخفيفات موجهة وزيادات جديدة. إذ يقترح إعفاء المؤسسات الجديدة المستوفية للشروط من الضريبة، وإعفاء نشاط المبادر الذاتي المصرح به من الخصم من المورد، إلى جانب التخفيف من معاليم أول اقتناء لمسكن.
لكن المشروع يتضمن أيضا مقترحات للترفيع في معلوم السفر إلى الخارج من 60 إلى 80 دينارا، ومعلوم الألعاب والمسابقات من 40% إلى 60%، فضلا عن إقرار معلوم طابع بقيمة 20 دينارا عند تسجيل الهاتف المحمول، باستثناء التسجيل الأول.
وخلص السوسي إلى أن هذه الإجراءات لا تعني وجود تخفيف جبائي عام، مؤكدا أن المعيار الأساسي لتقييم السياسة الجبائية يتمثل في عدالة توزيع الضرائب، والحد من التهرب، وجودة الخدمات التي توفرها الدولة مقابل ما يدفعه المواطنون والمؤسسات.
البعد الاجتماعي في مشروع المالية وتحديات الاستثمار
اعتبر السوسي أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يمنح البعد الاجتماعي مكانة واضحة، من خلال إجراءات تستهدف دعم الفئات محدودة الدخل، ومساندة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز الصحة والدواء، ودعم السكن الاجتماعي، وتمويل بعض المبادرات الموجهة إلى الفئات الهشة.غير أنه نبه إلى أن هذه التوجهات تأتي في سياق مالي صعب، إذ تشير تقديرات المشروع إلى ارتفاع عجز الميزانية بنحو 3.6 مليارات دينار.
وأوضح أن ثقل النفقات الجارية، وفي مقدمتها الأجور والتدخلات، وخاصة كلفة التعويض عن المواد الأساسية والطاقة، يحد عمليا من قدرة الدولة على توجيه موارد إضافية إلى الاستثمار والتنمية.
وبيّن أن تمويل العجز لا يخصص عادة لبند بعينه، لكن اتساع النفقات الجارية قد يقلص هامش التحرك المالي المتاح للمشاريع التنموية التي تدعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وشدد على أن الدولة تواجه تحديا مزدوجا يتمثل في المحافظة على دورها الاجتماعي ومساندة المواطنين أمام ارتفاع كلفة المعيشة، مع ترشيد منظومة الدعم وحماية نفقات التنمية.
وأكد أن نجاح الإجراءات الاجتماعية لا يقاس بعددها فقط، بل كذلك بمدى استدامة تمويلها، ووصولها إلى مستحقيها، وقدرتها على التعايش مع الاستثمار الضروري لخلق الثروة وفرص العمل.
تثبيت أسعار المحروقات يحمي المقدرة الشرائية لكنه يضغط على الميزانية
وفي تقييمه لقرار عدم الترفيع في أسعار المحروقات، اعتبر السوسي أن هذا الخيار مفهوم من زاوية حماية المقدرة الشرائية، لأن أي زيادة كانت ستنعكس مباشرة على كلفة النقل والإنتاج والأسعار.وأشار إلى أن التضخم في تونس بلغ 5.6% في سبتمبر 2026، مع تقدير ألا يقل متوسطه خلال السنة عن 5.7%، فيما ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 8.4% على أساس سنوي خلال الشهر نفسه، وهو ما يعكس استمرار الضغوط على الأسر.
لكنه أكد أن تثبيت الأسعار له كلفة كبيرة على المالية العمومية. فقد رُصد في ميزانية سنة 2026 نحو 4 مليارات و993 مليون دينار لتعويض المحروقات، في حين بلغ الإنفاق الفعلي في هذا الباب مليارين و427 مليون دينار خلال النصف الأول من السنة، متجاوزا نفقات الاستثمار المنفذة خلال الفترة نفسها بـ762 مليون دينار.
وأضاف أن ارتفاع معدل سعر برميل النفط إلى حدود 95 دولارا قد يرفع كلفة التعويض، وفق تقديره، إلى نحو 11.2 مليار دينار بنهاية السنة، أي أكثر من ضعف الاعتمادات المرصودة. وشدد على أن هذا الرقم يظل تقديرا مرتبطا بفرضية سعر النفط، وليس نتيجة نهائية محققة.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن التجربة الأوروبية تكشف حساسية الزيادات في أسعار الوقود، مستشهدا بالاحتجاجات التي رافقت ارتفاع الأسعار في فرنسا، وباحتجاجات سائقي الشاحنات في إيطاليا على كلفة الديزل وما نتج عنها من اضطراب في توزيع بعض السلع في الجنوب.
واعتبر أن الخيار التونسي جنّب المواطنين صدمة مباشرة في الأسعار، وواصل حماية الفئات الهشة عبر برامج الأمان الاجتماعي، لكنه حذر من أن تضخم كلفة التعويض يضغط على موارد الاستثمار ويضيّق هامش تمويل التنمية، بما قد يؤثر في إصلاحات قطاعات التعليم والصحة والنقل العمومي.
وأكد أن التحدي يتمثل في مواصلة حماية الفئات الأضعف، مع توجيه الدعم إليها بصورة أكثر دقة، وضمان ألا يأتي ذلك على حساب الخدمات العامة والاستثمار الضروريين.
تبسيط الإجراءات وتحسين السيولة لتحفيز المؤسسات
وفي ما يتعلق بالإجراءات التي كان يمكن إدراجها لتعزيز الجانب الاقتصادي في مشروع قانون المالية، رأى السوسي أن التحفيز لا ينبغي أن يقتصر على التمويل والامتيازات الجبائية، بل يجب أن يشمل أيضا تخفيض كلفة الإجراءات الإدارية والامتثال الجبائي.وأشار إلى أن المشروع يقترح تمويلا للمؤسسات الناشئة والصغرى، ومساهمة في الأعباء الاجتماعية للمؤسسات المحدثة سنة 2027، لكنه اعتبر أن هذه الإجراءات يمكن استكمالها بتدابير عملية أوسع أثرا.
واقترح، في هذا الإطار، إحداث شباك موحد ورقمي يسمح ببعث المؤسسة والتصريح بها جبائيا واجتماعيا ضمن مسار واحد، مع تحديد آجال قانونية قصيرة للرد على المطالب ورقمنة التراخيص حيثما أمكن، بما يقلص كلفة الوقت والتنقل، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة.
كما دعا إلى تبسيط الالتزامات الجبائية للمؤسسات الصغرى من خلال تجميع التصاريح المتقاربة في تصريح دوري موحد، واعتماد انتقال تدريجي ومبسط من النظام التقديري إلى المحاسبة الفعلية.
واقترح أيضا إقرار فترة مرافقة للمؤسسات الجديدة، يتم خلالها تصحيح الأخطاء التصريحية البسيطة قبل تسليط الخطايا، شرط المبادرة بالتسوية.
تسريع استرجاع فائض الأداء على القيمة المضافة
وشدد السوسي على أهمية معالجة مشكلات السيولة التي تواجه المؤسسات، خاصة من خلال تسريع استرجاع فائض الأداء على القيمة المضافة، أو تمكين المؤسسات من مقاصته مع ديونها الجبائية، مع تحديد أجل أقصى لمعالجة المطالب.
وأوضح أن استرجاع أموال المؤسسة في الوقت المناسب قد يكون أكثر فائدة من امتياز ضريبي لا تنتفع به إلا بعد تحقيق الأرباح.
كما دعا إلى ربط جانب من المساندة الاجتماعية المقترحة بإحداث مواطن شغل جديدة ومصرح بها، حتى يصل الدعم إلى المؤسسات التي توسع نشاطها وتشغل فعليا، وإلى إلزام الهياكل العمومية بآجال واضحة لخلاص مستحقات المؤسسات، باعتبار أن التأخير في الدفع يرفع كلفة التمويل ويهدد استمرارية المؤسسات الصغرى.
واعتبر أن نجاح هذه الإجراءات يقاس بمدى تقليص مدة وكلفة بعث المؤسسات، وتحسين سيولتها، وتشجيعها على الاستثمار والتشغيل الرسمي.
الصكوك السيادية: تنويع التمويل لا يعني خفض العجز
وفي ما يتعلق بتوجه الحكومة نحو الصكوك السيادية أو الإسلامية، أوضح السوسي أن الفصل 11 من مشروع قانون المالية لسنة 2027 ينص على ترخيص أقصى قدره 9 مليارات دينار لضمان قروض أو إصدار صكوك إسلامية، مشيرا إلى أن هذا الفصل لا يحدد قيمة إصدار فعلية.واعتبر أن التوجه نحو الصكوك السيادية يمثل محاولة لتنويع مصادر التمويل وتوسيع قاعدة المستثمرين، وهو ما قد يكون إيجابيا في ظل ارتفاع حاجات الاقتراض ومحدودية النفاذ إلى التمويل الخارجي.
لكنه شدد على أن الصكوك، رغم خصوصيتها القانونية والمالية، تظل التزاما على الدولة يترتب عنه عائد وسداد، وبالتالي فهي لا تخفض عجز الميزانية، بل توفر وسيلة إضافية لتمويله أو لإعادة تمويل الدين.
وأوضح أن أثر هذه الآلية يتوقف على طريقة الإصدار وشروطه. فإذا نجحت الدولة في استقطاب مدخرات جديدة من الأسواق الخارجية بشروط مناسبة، فقد يساهم ذلك في تخفيف الضغط على البنوك المحلية وتوفير موارد لتمويل مشاريع منتجة.
أما إذا اعتمد الإصدار أساسا على المدخرات المحلية، فقد ينافس المؤسسات والأسر على التمويل، ويحد من قدرة البنوك على إقراض القطاع الاقتصادي. كما أن الإصدار بالعملة الأجنبية يضيف مخاطر مرتبطة بسعر الصرف وكلفة خدمة الدين.
وأشار السوسي إلى أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يقدّر موارد الخزينة بـ28.122 مليار دينار، منها 19.845 مليار دينار من الاقتراض الداخلي و6.877 مليارات دينار من الاقتراض الخارجي، إلى جانب ترخيص بتسهيلات من البنك المركزي تصل إلى 9.8 مليارات دينار.
وخلص إلى أن تقييم الصكوك السيادية لا ينبغي أن يستند إلى قيمتها وحدها، بل يجب أن يشمل كلفتها ومدتها وعملتها، ومدى توجيه مواردها إلى الاستثمار المنتج، وما إذا كانت ستخفف فعليا الاعتماد على التمويل الداخلي وتمويل البنك المركزي.
العدالة الجبائية والاستثمار.. التحدي الأساسي
تُبرز قراءة معز السوسي لمشروع قانون المالية لسنة 2027 أن التحدي لا يقتصر على تحديد مستويات الضرائب أو توفير موارد إضافية للخزينة، بل يشمل تحقيق التوازن بين العدالة الجبائية والحماية الاجتماعية من جهة، وتحفيز المؤسسات والاستثمار وخلق فرص العمل من جهة أخرى.فبينما تتطلب حماية المقدرة الشرائية مواصلة التدخل لفائدة الفئات الهشة، تفرض الضغوط على المالية العمومية البحث عن سبل أكثر نجاعة لتوجيه الدعم، وتوسيع قاعدة الاستخلاص، وتحسين الخدمات العامة، والحد من كلفة الإجراءات الإدارية على المؤسسات.
كما أن تنويع مصادر التمويل، بما في ذلك الصكوك السيادية، لا يحقق وحده التوازنات المالية ما لم يقترن بالتحكم في كلفة الدين وتوجيه الموارد نحو أنشطة منتجة.
ويظل نجاح الخيارات المالية، وفق هذه المقاربة، مرتبطا بقدرة الدولة على توزيع العبء الجبائي بعدالة، وضمان استدامة تدخلاتها الاجتماعية، وتوفير مناخ أعمال يشجع المؤسسات على الاستثمار والتشغيل الرسمي.




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 338260