JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

دروس التدارك الصيفية في تونس.. بين سد فجوات التعلم وضغوط الاستعداد المبكر للعودة المدرسية

<img src=http://www.babnet.net/images/2b/5eedf8b2d68e53.52214711_ejonqghmiflpk.jpg>


(وات/ تحرير امال ماجري) - في صباح أحد أيام شهر أوت الحارة، وقبل أن تستعيد المدارس التونسية ضجيجها المعتاد، كانت سلوى، أم لبنتين، تحمل حقائب بنتيها وترافقهما إلى مركز تعليمي مختص في الدروس الخصوصية، في مشهد أصبح مألوفا لدى عدد متزايد من العائلات التونسية مع اقتراب العودة المدرسية.


وبينما لا تزال العطلة الصيفية متواصلة، اختارت سلوى أن تبدأ الاستعداد للسنة الدراسية الجديدة مبكرا، أملا في أن تدخل بنتاها مقاعد الدراسة وهما أكثر جاهزية وثقة في مكتسباتهما.
ولا تبدو سلوى استثناء، إذ تعيش أغلب الأسر التونسية، مع اقتراب العودة المدرسية 2026-2027 التي لم يعد يفصل عنها سوى أقل من شهر، على وقع استعدادات لم تعد تقتصر على اقتناء اللوازم المدرسية والملابس، بل امتدت إلى مراجعة الدروس والالتحاق بحصص التدارك والدعم، أحيانا منذ الأسابيع الأولى للعطلة، وخاصة في المواد الأساسية وفي مختلف المراحل التعليمية.

وتشهد الفترة التي تسبق العودة المدرسية إقبالا متزايدا على دروس التدارك والمراجعة، التي ينظر إليها عدد من الأولياء على أنها فرصة لاسترجاع المعارف والمهارات المكتسبة خلال السنة الدراسية الماضية، ومعالجة النقائص المسجلة، وتهيئة أبنائهم للانطلاق في السنة الجديدة.




الأولياء يبحثون عن سدّ فجوات التعلم

وتعتبر سلوى، وهي إطار شبه طبي بأحد مستشفيات العاصمة، أن دروس التدارك أصبحت ضرورية، خاصة عند الانتقال من مرحلة تعليمية إلى أخرى، باعتبارها تساعد التلميذ على التعرف إلى البرامج الجديدة وفهم المواد الأساسية.
وقالت "إن ابنتها التي انتقلت إلى السنة السابعة من التعليم الأساسي ستواجه مناهج جديدة، لا سيما في مادتي الرياضيات والفيزياء"، وهو ما يجعل الاستعانة بمختصين، وفق تقديرها، وسيلة لمساعدتها على فهم طبيعة المرحلة الجديدة واكتساب المعارف اللازمة قبل انطلاق السنة الدراسية.
أما سميرة، وهي أم لطفل يدرس بالسنة الرابعة ابتدائي، فقد اكدت "أنها لا تملك الوقت الكافي لمتابعة ابنها وتعزيز مكتسباته بسبب التزاماتها المهنية، خاصة في مجال اللغات، لذلك اختارت الاستعانة بمتخرجة من التعليم العالي لتقديم دروس دعم له في مختلف المواد خلال العطلة".
وبالنسبة إلى ألفة، وهي موظفة وأم لثلاثة أبناء، فإن الاستعداد المبكر يأخذ منحى أكثر وضوحا عندما يتعلق الأمر بالسنوات الدراسية الحاسمة. فقد اجتاز أحد أبنائها السنة الثالثة ثانوي شعبة الرياضيات بنجاح، فاختارت توزيع جدوله خلال العطلة الصيفية بين عدد من الأساتذة للتحضير للسنة الدراسية المقبلة، وخاصة للمواد الأساسية.
وبينت أن النجاح وحده لم يعد كافيا بالنسبة إليها، وأنها تطمح إلى أن يحقق ابنها معدلا متميزا، معتبرة أن التحضير خلال العطلة يمكن أن يمنحه مزيدا من الوقت والجاهزية لخوض سنة الباكالوريا.

دروس التدارك الصيفية.. ظاهرة تتوسع وتثير جدلا

ويرى عدد من المختصين أن الإقبال المبكر على دروس التدارك أصبح ظاهرة متنامية في المجتمع التونسي خلال السنوات الأخيرة، وأنها باتت تؤدي، في بعض الحالات، دورا كان يضطلع به الأولياء أو المجهود الفردي للتلميذ في تحسين مكتسباته.
وفي حين يعتبر البعض أن هذه الدروس يمكن أن تساهم في تدارك النقص المسجل في التعلمات واستثمار فترة العطلة لمعالجة مواطن الضعف، يرى آخرون أنها قد تتحول إلى وسيلة يعتمد عليها التلميذ بشكل مفرط، دون أن يبذل مجهودا ذاتيا حقيقيا في تحديد نقائصه والعمل على تجاوزها.
وترى المستشارة التربوية سهام الماجري أن دروس التدارك المبكرة خلال العطلة الصيفية قد تتحول إلى استنزاف لطاقة التلميذ، مشيرة إلى أن هذه الظاهرة أصبحت مستشرية، على الأقل، منذ ثلاث سنوات.
وقالت في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، إن العطلة الصيفية ليست وقتا ضائعا ينبغي ملؤه بساعات إضافية من الدراسة، بل هي فترة يحتاج إليها التلميذ ودماغه لاستيعاب ما تم تعلمه خلال سنة دراسية كاملة، والاستراحة والترفيه واستعادة الطاقة.
وترى أنه من الطبيعي استثمار العطلة في أنشطة وبدائل ترفيهية وتربوية متنوعة تساعد الطفل على تجنب الملل، عوض تحويلها إلى امتداد للسنة الدراسية.
وحذرت من أن التلميذ الذي يقضي جزءا كبيرا من عطلته في دروس التدارك قد يعود إلى مقاعد الدراسة وهو يشعر بالتعب والملل والإجهاد المبكر، بما قد يؤثر، وفق تقديرها، في شغفه بالدراسة خلال الأشهر الأولى من السنة.
وأضافت أن المدرسة ليست سباقا لمن يبدأ الدراسة أولا، وإنما هي مسار يحتاج إلى نفس طويل واستمرارية، مشيرة إلى أن الإفراط في دروس التدارك قد يؤدي إلى إضعاف الدافعية الذاتية لدى التلميذ وتعزيز اعتماده على الغير، فضلا عن الحد من قدرته على اكتشاف أخطائه ونقائصه بنفسه.

بين الحاجة والإفراط.. متى يكون التدارك الصيفي مفيدا؟

في المقابل، اعتبرت الماجري أن دروس التدارك الصيفية يمكن أن تكون مفيدة في بعض الحالات، خاصة عندما يتعلق الأمر بفجوات حقيقية وضعف واضح في المكتسبات لا يمكن معه للتلميذ فهم البرنامج الجديد.
غير أنها شددت على ضرورة أن تكون الدروس منظمة ومرنة، وألا تتحول إلى ساعات دراسية مكثفة، بل أن تقدم في شكل ممتع يتناسب مع طبيعة العطلة وحاجات الطفل.
ومن جهته، أفاد المختص في علم النفس العصبي أيمن الطرابلسي، في تصريح لـ"وات"، بأن الظاهرة آخذة في الانتشار، معتبرا أن لها جوانب إيجابية إذا ما تم ترشيدها وتنظيمها.
وأكد أن دروس الدعم يمكن أن تمثل فرصة لتدارك مواطن الضعف في التعلمات، داعيا في المقابل إلى عدم حصرها في المواد الأساسية فقط، بل توسيعها لتشمل اللغات والمواد الاجتماعية، بما يحقق استفادة أكثر توازنا للتلميذ.
وفسر الطرابلسي تنامي هذه الظاهرة بما وصفه بـ"إخلاء مسؤولية الأولياء" عن دعم المكتسبات التعليمية لأبنائهم بصفة ذاتية، والاعتماد بصورة متزايدة على التأطير الخارجي.
ويربط ذلك، من جهة، بضيق الوقت الناتج عن الالتزامات المهنية للأولياء، ومن جهة أخرى، بالضغط النفسي الذي يعيشونه يوميا، وهو ما يجعل الاستعانة بجهات أخرى خيارا يبدو أكثر سهولة بالنسبة إلى العديد من العائلات.
وأشار إلى أن عددا من الأولياء أصبحوا يخوضون سباقا لجعل أبنائهم في الصفوف الأولى، في ظل تنامي الرغبة في تحقيق نتائج دراسية متميزة، وهو ما جعل التحضير للنجاح يبدأ، في بعض الحالات، قبل انطلاق السنة الدراسية نفسها.
وفي المقابل، أشار إلى تراجع المبادرات الفردية لدى عدد من التلاميذ، سواء في التحصيل أو في اكتشاف مواطن الضعف والعمل على تجاوزها، مع تنامي البحث عن التأطير الخارجي في كل مراحل التعلم، وهو الدور الذي كان يمكن أن يضطلع به الولي بدرجة أكبر.

المطالعة واللعب والتواصل.. نحو عطلة أكثر توازنا

واقترحت سهام الماجري جملة من البدائل التربوية التي يمكن أن تمنح الطفل عطلة أكثر راحة ومتعة ونجاعة، من بينها المطالعة الحرة وتشجيع الأطفال على قراءة القصص التي يختارونها بأنفسهم، بما يساعد على تنمية التركيز والفهم لديهم دون تحويل المطالعة إلى واجب دراسي إضافي.
كما دعت الأولياء إلى التوزيع الذكي لوقت أبنائهم، من خلال ترشيد استعمال الهواتف الذكية ومتابعة أنشطتهم على الإنترنت، وتخصيص أوقات للعب والتسلية والألعاب الفكرية والتربوية.
وشددت، في هذا السياق، على أهمية أن يجد الطفل وقتا كافيا للعب مع أقرانه، وأن يخصص الأولياء، بدورهم، جزءا من يومهم للتواصل مع أبنائهم والحديث معهم عن تفاصيل أنشطتهم اليومية، معتبرة أن هذا التواصل لا يقل أهمية عن أي نشاط تعليمي.
كما أكدت ضرورة تعزيز وعي الأولياء بطرق فهم أبنائهم والتواصل معهم وتحفيزهم على الاضطلاع بأدوارهم التربوية، خاصة في ظل بعض الظواهر التي أصبحت تشغل الوسط المدرسي، على غرار التنمر، والعمل على تقديم نموذج إيجابي للأطفال وتعليمهم القيم التي تساعدهم على بناء شخصياتهم وتنمية ذواتهم.


   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 335151

babnet