سليانة: الصنوبر الحلبي .. شجرة نباتية غابية صامدة أمام قسوة الطبيعة تتجدد طبيعيا لتبقى ثروة اقتصادية وبيئية واجتماعية
وات -
أميمة العرفاوي - مع تتابع خطاك عبر مسالك غابة جبل كسرى الواقع جنوب ولاية سليانة، تستقبلك العصافير بزقزقتها وتقودك رائحة الصنوبر الممزوجة بندى الصباح بين قمم الجبال المغطاة لاكتشاف قصّة أكثر الاشجار النباتية صمودا أمام قسوة الطبيعة.
تتميز ولاية سليانة، الواقعة شمال غرب البلاد، بغابات الصنوبر الحلبي "الزقوقو" الكثيفة، التى تصدرت منذ سنوات المرتبة الأولى وطنيا في إنتاج وتخزين هذه المادة ليطلق عليها اسم "مطمور" تونس من الصنوبر الحلبي، وذلك رغم ما شهده الإنتاج في السنوات الأخيرة من تذبذب بسبب الحرائق والتغيرات المناخية.
***
في أعلى منطقة سكنية بالبلاد، جبل كسرى الواقع جنوب الولاية، أين شهد أحد جبالها وهو جبل بلوطة في السنوات الأخيرة حرائق تسبّبت في إتلاف مساحات هامة من النسيج الغابي، يواصل أعوان الغابات معاينة المساحات المحروقة ومتابعة عملية التجدير الطبيعي لهذه النبتة الغابية الهامّة التى من خصائصها البيولوجية التكيف مع الحرائق والطبيعة، فمخاريط الصنوبر تبقى مغلقة بإحكام فوق الأشجار لسنوات ولا تنفتح إلا عند تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة فتتناثر آلاف البذور، ومع أولى أمطار الخريف أو الشتاء تنطلق هذه البذور في الإنبات .
---
تحدث رئيس الدائرة الجهوية للغابات بسليانة المهندس الرئيس صبري الولاني لصحفية وكالة تونس إفريقيا للأنباء عن تاريخ شجرة الصنوبر الحلبي ليقول انها من أصول تركية وتم جلبها من قبل الرومان والقرطاجيين وانتشرت لاحقا في حوض البحر الأبيض المتوسط بهدف استغلال خشبها في صناعة السفن وتوظيفها في مستلزماتهم اليومية، وقد اصبح تجددّها الطبيعي خلال السنوات الاخيرة ناجحا بفضل انتشار حبوبها وتفرقعها من المخاريط بفعل حرارة الحرائق، رغم ان أعوان الغابات القدامى أكدوا خلال السبعينات فشل تجديد الصنوبر الحلبي.
يقاس عمر شجرة الصنوبر الحلبي بقطر جذعها، فكلّما زاد عمرها زاد حجمها، وباعتبارها شجرة غابية لا يتم تسميدها بالأسمدة الأزوطية على غرار بقية الأشجار المثمرة والحبوب
وهي تتجدد بفضل العوامل المناخية ونوعية التربة حيث يقول الولاني ان "الغابات التونسية مدينة لهذه الشجرة خاصة بولايات الشمال الغربي"، ويكون طول شجرة عمرها 10 سنوات في حدود المترين، وينطلق نموّها من زهرة مع بداية شهر سبتمبر ثم تتكون المخاريط مع امكانية تواجد 4 أعمار في شجرة واحدة.
يحتل الصنوبر الحلبي 60 بالمائة من النسيج الغابي الذي يقدر ب139 ألف هكتار، لذلك فان متساكني سليانة وخاصة المعتمديات الجنوبية، يعرفون باختصاصهم في إنتاج "الزقوقو" منذ القدم وهو يمثل بالنسبة لهم مورد رزق هام، كما انه يمثل المصدر الأساسي لأكثر من نصف الإنتاج الوطني، وقد وقع تثمين المنتوج في عديد الاكلات على غرار "الدرع" و"الرفيس" حيث شهد تطورا في الاستغلال فبعد ان كان يستعمل كطحين اصبح مادة اولية لاكلة "العصيدة" وأنواع مختلفة من "الياغورت" والمرطبات وغيرها من الزيوت العطرية والطبية.
وبيّن الولاني أنه يتم سنويا تخزين كميات تتراوح بين 160 و170 طنا بمخازن مراقبة وبإحداثيات واضحة، ويتم ترويجها بعدد من الولايات المجاورة (نابل وبنزرت وصفاقس وتونس الكبرى)، مشيرا الى ان الكميات المتوفرة بالجهة للموسم الحالى تقدر ب172 طنا مقابل 161 طنا خلال السنة المنقضية وان سعر المنتوج يتراوح بين 45 دينارا و 50 دينارا للكيلوغرام الواحد (من المخزنين إلى متاجر التفصيل) واصفا السعر "بالمناسب" مقارنة بالإقبال على هذه المادة مرة واحدة في السنة.
وفي ظل التغيرات المناخية وتزايد الحرائق، أصبحت المحافظة على الثروة الغابية مسؤولية جماعية، تبدأ بالوقاية من الحرائق واحترام القوانين المنظمة لاستغلال الغابة وتشجيع التجدد الطبيعي، حيث لا تقتصر أهمية الصنوبر الحلبي على إنتاج مادة "الزقوقو" بل تمتد إلى تثبيت التربة والحد من الانجراف، فضلًا عن دعم الاقتصاد المحلي خاصة في مواسم الجني والتحويل.
وقد شهد هذا القطاع تطورا من حيث التنظيم فبعد ان كان في السابق، وفق رئيس مصلحة بالمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية مبروك بالحاج "مهمشا" يتم فيه استغلال حبوب "الزقوقو" عن طريق "المراكنة"، اصبح في السنوات الأخيرة اكثر تنظيما مع انطلاق العمل بآلية "البتة" ، حيث يتم القيام بعملية التجميع في مخازن معدة للغرض بعد تقديم مطالب إلى مصالح مندوبية الفلاحة واستكمال الإجراءات القانونية اللازمة بما في ذلك ذكر الإحداثيات ومكانها ممّا يمكّن هياكل الدولة من متابعة الكميات بصفة دورية.
وتعدّ الجهة، وفق ما افاد به رئيس مكتب الاستغلال الغابي وليد البرهومي صحفية "وات" اكثر من 20 مخزنا، ويشغّل القطاع مايقارب 1000 شخص موزعين على أكثر من 50 مقسما تتراوح مساحتها بين 100 هكتار و1800 هكتار، تم في السنوات الاخيرة ضمّها لتسهيل العمل في ظل نقص اليد العاملة والمعدّات.
وأضاف البرهومي أنه في حال تحصل المقاول على مقسم، يتم تحويزه من قبل أعوان الغابات عن طريق محضر تحويز، ثم تنطلق المصالح المعنية في حملات توعوية و تحسيسية لفائدتهم حول طريقة القطف العصرية بواسطة المقص والسلم قصد الحفاظ على الشجرة.
تحدث فيصل المديوني (45 سنة) وهو تاجر منتوجات غابية أصيل منطقة التلة بمكثر ويمتهن جمع وإنتاج مادة الزقوقو منذ أكثر من 19 سنة، لصحفية "وات"، عن أهمية هذه الشجرة بالنسبة لمتساكني المناطق الجبلية باعتبارها مورد رزقهم بعد ان توارثوها منذ القدم عن أجدادهم، وبيّن ان الإجراءات الجديدة التي يتم العمل بها في السنوات الأخيرة نظّمت القطاع وساهمت في ديمومته.
واعتبر المديوني ان عملية الحصول على منتوج "الزقوقو"، شاقة ومحفوفة بالمخاطر وقد تصل أحيانا إلى الموت أو تسجيل كسور خطيرة في حال السقوط من أعلى الشجرة،
وأضاف انه يتم ترك "الكرد" (مخاريط الصنوبر الحلبي) في "المردومة" في درجات حرارة مرتفعة جدا طيلة يومين متتاليين للحصول لاحقًا على البضع من مادة "الزقوقو" بعد أن يتم نفضه وتنظيفه من الشوائب، وهو ما يجعل عملية الحصول على "الزقوقو" صعبة، فدرجة الحرارة المرتفعة للفرن قد تسبّب أمراضا خطيرة خاصة بالرئتين، وفق تعبيره.
ولفت إلى أن تتالى سنوات الجفاف وكثرة الحرائق، تسبّبت في تقلص المنتوج وتراجعه، ممّا دفع متساكني الجهة إلى تجميع المنتوج من جبال ولايات مجاورة وتخزينها في ولاية سليانة،
مشيرا الى أنّ تخزين بذور الصنوبر الحلبي، تبدأ مباشرة بعد التنظيف والتجفيف، إذ تُقاس نسبة الرطوبة للتأكد من أنها منخفضة بما يكفي لتجنب نمو الفطريات، ثم تُعبأ البذور في أكياس ورقية أو قماشية مع تدوين بيانات تتعلق بتاريخ الجمع والمنطقة التي جاءت منها وتُحفظ داخل مخازن باردة وجافة وجيدة التهوية بعيدًا عن أشعة الشمس والرطوبة والحشرات.
ونظرا لما يمثله منتوج "الزقوقو" من اهمية بالنسبة للمتساكنين باعتباره مورد رزقهم الاول، ونظرا لموسمية ترويجه، دعا المديوني السلط المعنية الى ايلائه مزيدا من الاهتمام خاثصة في ظل التغيرات المناخية وتعرض اشجار الصنوبر للحرائق، وذلك من خلال إعادة تشجير الجبال سواء أشجار الصنوبر الحلبي أو الإكليل.
تتميز ولاية سليانة، الواقعة شمال غرب البلاد، بغابات الصنوبر الحلبي "الزقوقو" الكثيفة، التى تصدرت منذ سنوات المرتبة الأولى وطنيا في إنتاج وتخزين هذه المادة ليطلق عليها اسم "مطمور" تونس من الصنوبر الحلبي، وذلك رغم ما شهده الإنتاج في السنوات الأخيرة من تذبذب بسبب الحرائق والتغيرات المناخية.
***
في أعلى منطقة سكنية بالبلاد، جبل كسرى الواقع جنوب الولاية، أين شهد أحد جبالها وهو جبل بلوطة في السنوات الأخيرة حرائق تسبّبت في إتلاف مساحات هامة من النسيج الغابي، يواصل أعوان الغابات معاينة المساحات المحروقة ومتابعة عملية التجدير الطبيعي لهذه النبتة الغابية الهامّة التى من خصائصها البيولوجية التكيف مع الحرائق والطبيعة، فمخاريط الصنوبر تبقى مغلقة بإحكام فوق الأشجار لسنوات ولا تنفتح إلا عند تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة فتتناثر آلاف البذور، ومع أولى أمطار الخريف أو الشتاء تنطلق هذه البذور في الإنبات .
---
تحدث رئيس الدائرة الجهوية للغابات بسليانة المهندس الرئيس صبري الولاني لصحفية وكالة تونس إفريقيا للأنباء عن تاريخ شجرة الصنوبر الحلبي ليقول انها من أصول تركية وتم جلبها من قبل الرومان والقرطاجيين وانتشرت لاحقا في حوض البحر الأبيض المتوسط بهدف استغلال خشبها في صناعة السفن وتوظيفها في مستلزماتهم اليومية، وقد اصبح تجددّها الطبيعي خلال السنوات الاخيرة ناجحا بفضل انتشار حبوبها وتفرقعها من المخاريط بفعل حرارة الحرائق، رغم ان أعوان الغابات القدامى أكدوا خلال السبعينات فشل تجديد الصنوبر الحلبي.
يقاس عمر شجرة الصنوبر الحلبي بقطر جذعها، فكلّما زاد عمرها زاد حجمها، وباعتبارها شجرة غابية لا يتم تسميدها بالأسمدة الأزوطية على غرار بقية الأشجار المثمرة والحبوب
وهي تتجدد بفضل العوامل المناخية ونوعية التربة حيث يقول الولاني ان "الغابات التونسية مدينة لهذه الشجرة خاصة بولايات الشمال الغربي"، ويكون طول شجرة عمرها 10 سنوات في حدود المترين، وينطلق نموّها من زهرة مع بداية شهر سبتمبر ثم تتكون المخاريط مع امكانية تواجد 4 أعمار في شجرة واحدة.
يحتل الصنوبر الحلبي 60 بالمائة من النسيج الغابي الذي يقدر ب139 ألف هكتار، لذلك فان متساكني سليانة وخاصة المعتمديات الجنوبية، يعرفون باختصاصهم في إنتاج "الزقوقو" منذ القدم وهو يمثل بالنسبة لهم مورد رزق هام، كما انه يمثل المصدر الأساسي لأكثر من نصف الإنتاج الوطني، وقد وقع تثمين المنتوج في عديد الاكلات على غرار "الدرع" و"الرفيس" حيث شهد تطورا في الاستغلال فبعد ان كان يستعمل كطحين اصبح مادة اولية لاكلة "العصيدة" وأنواع مختلفة من "الياغورت" والمرطبات وغيرها من الزيوت العطرية والطبية.
وبيّن الولاني أنه يتم سنويا تخزين كميات تتراوح بين 160 و170 طنا بمخازن مراقبة وبإحداثيات واضحة، ويتم ترويجها بعدد من الولايات المجاورة (نابل وبنزرت وصفاقس وتونس الكبرى)، مشيرا الى ان الكميات المتوفرة بالجهة للموسم الحالى تقدر ب172 طنا مقابل 161 طنا خلال السنة المنقضية وان سعر المنتوج يتراوح بين 45 دينارا و 50 دينارا للكيلوغرام الواحد (من المخزنين إلى متاجر التفصيل) واصفا السعر "بالمناسب" مقارنة بالإقبال على هذه المادة مرة واحدة في السنة.
وفي ظل التغيرات المناخية وتزايد الحرائق، أصبحت المحافظة على الثروة الغابية مسؤولية جماعية، تبدأ بالوقاية من الحرائق واحترام القوانين المنظمة لاستغلال الغابة وتشجيع التجدد الطبيعي، حيث لا تقتصر أهمية الصنوبر الحلبي على إنتاج مادة "الزقوقو" بل تمتد إلى تثبيت التربة والحد من الانجراف، فضلًا عن دعم الاقتصاد المحلي خاصة في مواسم الجني والتحويل.
وقد شهد هذا القطاع تطورا من حيث التنظيم فبعد ان كان في السابق، وفق رئيس مصلحة بالمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية مبروك بالحاج "مهمشا" يتم فيه استغلال حبوب "الزقوقو" عن طريق "المراكنة"، اصبح في السنوات الأخيرة اكثر تنظيما مع انطلاق العمل بآلية "البتة" ، حيث يتم القيام بعملية التجميع في مخازن معدة للغرض بعد تقديم مطالب إلى مصالح مندوبية الفلاحة واستكمال الإجراءات القانونية اللازمة بما في ذلك ذكر الإحداثيات ومكانها ممّا يمكّن هياكل الدولة من متابعة الكميات بصفة دورية.
وتعدّ الجهة، وفق ما افاد به رئيس مكتب الاستغلال الغابي وليد البرهومي صحفية "وات" اكثر من 20 مخزنا، ويشغّل القطاع مايقارب 1000 شخص موزعين على أكثر من 50 مقسما تتراوح مساحتها بين 100 هكتار و1800 هكتار، تم في السنوات الاخيرة ضمّها لتسهيل العمل في ظل نقص اليد العاملة والمعدّات.
وأضاف البرهومي أنه في حال تحصل المقاول على مقسم، يتم تحويزه من قبل أعوان الغابات عن طريق محضر تحويز، ثم تنطلق المصالح المعنية في حملات توعوية و تحسيسية لفائدتهم حول طريقة القطف العصرية بواسطة المقص والسلم قصد الحفاظ على الشجرة.
تحدث فيصل المديوني (45 سنة) وهو تاجر منتوجات غابية أصيل منطقة التلة بمكثر ويمتهن جمع وإنتاج مادة الزقوقو منذ أكثر من 19 سنة، لصحفية "وات"، عن أهمية هذه الشجرة بالنسبة لمتساكني المناطق الجبلية باعتبارها مورد رزقهم بعد ان توارثوها منذ القدم عن أجدادهم، وبيّن ان الإجراءات الجديدة التي يتم العمل بها في السنوات الأخيرة نظّمت القطاع وساهمت في ديمومته.
واعتبر المديوني ان عملية الحصول على منتوج "الزقوقو"، شاقة ومحفوفة بالمخاطر وقد تصل أحيانا إلى الموت أو تسجيل كسور خطيرة في حال السقوط من أعلى الشجرة،
وأضاف انه يتم ترك "الكرد" (مخاريط الصنوبر الحلبي) في "المردومة" في درجات حرارة مرتفعة جدا طيلة يومين متتاليين للحصول لاحقًا على البضع من مادة "الزقوقو" بعد أن يتم نفضه وتنظيفه من الشوائب، وهو ما يجعل عملية الحصول على "الزقوقو" صعبة، فدرجة الحرارة المرتفعة للفرن قد تسبّب أمراضا خطيرة خاصة بالرئتين، وفق تعبيره.
ولفت إلى أن تتالى سنوات الجفاف وكثرة الحرائق، تسبّبت في تقلص المنتوج وتراجعه، ممّا دفع متساكني الجهة إلى تجميع المنتوج من جبال ولايات مجاورة وتخزينها في ولاية سليانة،
مشيرا الى أنّ تخزين بذور الصنوبر الحلبي، تبدأ مباشرة بعد التنظيف والتجفيف، إذ تُقاس نسبة الرطوبة للتأكد من أنها منخفضة بما يكفي لتجنب نمو الفطريات، ثم تُعبأ البذور في أكياس ورقية أو قماشية مع تدوين بيانات تتعلق بتاريخ الجمع والمنطقة التي جاءت منها وتُحفظ داخل مخازن باردة وجافة وجيدة التهوية بعيدًا عن أشعة الشمس والرطوبة والحشرات.
ونظرا لما يمثله منتوج "الزقوقو" من اهمية بالنسبة للمتساكنين باعتباره مورد رزقهم الاول، ونظرا لموسمية ترويجه، دعا المديوني السلط المعنية الى ايلائه مزيدا من الاهتمام خاثصة في ظل التغيرات المناخية وتعرض اشجار الصنوبر للحرائق، وذلك من خلال إعادة تشجير الجبال سواء أشجار الصنوبر الحلبي أو الإكليل.




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 334773