Bookmark article
Publié le Mardi 18 Août 2026 - 20:29
قراءة: 3 د, 42 ث
وات - تحرير سهيلة العيفة - في قلب الركح، لا يحتاج المايسترو إلى الكلمات كي يقود موسيقاه، فإشارة من يده قد تستدعي نغمة، وحركة من جسده قد تغير إيقاعا، ونظرة قد توحد أداء عشرات العازفين. هناك يقف يوسف بالهاني المدير الفني الحالي للفرقة الوطنية للموسيقى وأحد أبرز قادة الفرق الذين تابعهم الجمهور هذه الصائفة، في مواجهة فرقته، ليصنع من تناغم الآلات لغة واحدة، ويمنح السهرات الكبرى موسيقى أكاديمية ومحترفة تتأسس على الدقة والإحساس والانصهار الجماعي.
وكان بالهاني مساء الاثنين 17 أوت على ركح المسرح الروماني بقرطاج يقود الفرقة الموسيقية المصاحبة لحفل الفنانة أمينة فاخت، في محطة جديدة من مسار موسيقي راكم خلاله تجارب مع عدد من أبرز الأصوات التونسية والعربية. وقد رافق أمينة فاخت موسيقيا في جولاتها الصيفية مؤخرا، في شراكة فنية تواصلت خلال عروضها الكبرى.
وبين إشارات اليد وحركات الجسد وتعبيرات الوجه، يقود بالهاني تفاصيل العرض في تفاعل موسيقي دقيق مع صوت أمينة فاخت. فكل حركة تحمل توجيها، وكل إشارة تستبق تحولا موسيقيا، فيما تتولى الآلات ترجمة تلك الإشارات إلى تفاصيل صوتية تنصهر في بناء موسيقي متكامل.
ولم يكن حضوره في الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي مقتصرا على حفل أمينة فاخت، إذ قاد أيضا الفرقة الموسيقية المصاحبة لحفل الفنانة السورية ميادة الحناوي، في تجربة أخرى مع صوت ينتمي إلى مدرسة غنائية مختلفة، بما يعكس تنوع المساحات الموسيقية التي يشتغل فيها.
وفي صائفة 2026، خاض بالهاني تجربة مغايرة مع الفنان مروان الجبالي المعروف باسم نوردو، ظهر خلالها رفقة عناصر من الفرقة الوطنية للموسيقى في حلة جديدة تنفتح على البوب والأفروبوب، من خلال توزيعات موسيقية مختلفة. ومثلت التجربة انفتاحا للفرقة الوطنية للموسيقى على لون موسيقي جديد، بما وسّع مجالات اشتغالها وأتاح لها اختبار صيغة موسيقية معاصرة تحت قيادة بالهاني.
وتأسست الفرقة الوطنية للموسيقى سنة 1983 تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، واضطلعت منذ نشأتها بدور في دعم الإنتاج الموسيقي التونسي والتعريف به، إلى جانب إتاحة المجال أمام المواهب الشابة. وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، أصبحت الفرقة إحدى واجهات الموسيقى التونسية، وراكمت رصيدا من التجارب مع عدد من أبرز الفنانين والأصوات التونسية والعربية.
وفي جوان 2022، تم تعيين يوسف بالهاني مديرا فنيا للفرقة، ليكون أصغر مايسترو يتولى هذه المهمة منذ تأسيسها. وجاء اختياره محملا برصيد أكاديمي وفني، وبخبرة راكمها من خلال العمل مع فرق وفنانين داخل تونس وخارجها، إلى جانب رؤية تقوم على المحافظة على الرصيد الموسيقي والانفتاح على تجارب وألوان جديدة.
وينحدر بالهاني من عائلة فنية، فهو ابن الراحل زهير بالهاني، الأستاذ بالمعهد العالي للموسيقى والمسؤول عن التعليم الموسيقي بجمعية معهد الرشيدية، والعازف والملحن الذي أسهم في تكوين أجيال من الموسيقيين قبل وفاته في 13 سبتمبر 2013. وقد شكل هذا الإرث أحد روافد تكوين يوسف، لكنه لم يكن بديلا عن مساره الأكاديمي والمهني الذي اختار أن يبني من خلاله تجربته الخاصة.
وتحصل يوسف بالهاني على ديبلوم في الموسيقى العربية والتونسية، وكانت رسالة تخرجه في الكمنجة الغربية، ثم أحرز سنة 2013 على الماجستير بملاحظة "حسن جدا"، وهو بصدد إعداد الدكتوراه. كما خاض سنة 2019 تجربة مهنية في دار الأوبرا الكويتية، حيث تولى مهمة مدير تدريب، وقاد أوركسترات وفرقا موسيقية عربية.
وفي تونس، قاد بالهاني حفلات وأعمالا موسيقية لعدد من أبرز الفنانين، من صابر الرباعي ولطيفة العرفاوي إلى ألفة بن رمضان ونوردو. كما أشرف موسيقيا على عودة الفنانة نجاة عطية إلى الساحة الفنية، وقاد جولاتها الفنية خلال سنة 2024. وفي 25 جويلية 2025، قاد حفلة لطيفة العرفاوي على ركح قرطاج، في محطة أخرى من مساره في قيادة العروض الكبرى.
كما ارتبط اسم بالهاني في السنوات الأخيرة بمهرجان الأغنية التونسية، حيث قاد سهراته في دوراته من 2023 إلى 2026 مساهما في تقديم الأغنية التونسية ضمن توزيعات موسيقية تراعي خصوصيتها وتفتحها في الآن نفسه على رؤية موسيقية متجددة.
ومن بين التجارب التي جمعت بين البعد الفني والمؤسساتي، تولى بالهاني قيادة سلسلة عروض "عين المحبة" التي نظمتها مؤسسة حقوق المؤلف والحقوق المجاورة بدعم من وزارة الشؤون الثقافية، وهي عروض خصصت للأغنية التونسية ولفنانيها، وجمعت بين تثمين الرصيد الغنائي وإعادة تقديمه في صيغ موسيقية جديدة.
ولا تختزل القيادة عند يوسف بالهاني في عصا القيادة لدى المايسترو، بل تقوم على الإنصات والتفاعل والقدرة على التقاط أدق التفاصيل. فالعازفون يتابعون إشاراته، والآلات تستجيب لحركته، فيما يتشكل من مجموع الأصوات أداء واحد متماسك. وتتحول حركات يديه وكتفيه وتعبيرات وجهه إلى لغة موازية للموسيقى، تضبط الإيقاع وتوجه الانتقالات وترافق تصاعد الأداء أو هدوءه.
ومن قلب الركح، يواصل يوسف بالهاني بناء تجربته بين الأغنية التونسية والتجارب العربية والألوان الموسيقية المعاصرة، متنقلا بين أصوات تنتمي إلى مدارس وأجيال مختلفة، وموازنا بين الصرامة الأكاديمية وروح التجديد، ليصنع لنفسه بصمة في المشهد الموسيقي التونسي ويؤكد أن قيادة الفرقة ليست موقعا أمام العازفين فحسب، بل فن كامل من الإصغاء والتواصل وصناعة التناغم.
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 334688