JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

سامي يوسف يخلق حالة روحانية على ركح مهرجان قرطاج الدولي

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a6f02ce87b0e5.65736493_fnlmjgoqihkpe.jpg>


منذ بداياته اختار الفنان سامي يوسف أن يحول الخشبة إلى فضاء للتأمل، فهو يتعامل مع الموسيقى باعتبارها لغة روحية تبحث عن الإنسان، مهما اختلفت ثقافته أو لغته أو معتقده.
وفي الدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي، بدا اللقاء، في سهرة السبت 01 أوت 2026، بين الفنان والمكان طبيعيا فالمسرح الأثري، بما يحمله من طبقات حضارية وتاريخية، لا يستضيف صوتا فحسب، بل يستقبل مشروعا موسيقيا ظل، على امتداد أكثر من عقدين، يبني جسورا بين الشرق والغرب، وبين التراث والحداثة، وبين الإنشاد الروحي والتأليف الموسيقي المعاصر.


وبينما يتسرب صوت سامي يوسف كنداء أو ترنّم يدعو به الجمهور إلى عوالمه الروحانية، ترافقه الآلات الموسيقية بخجل ويعانق صوته المدى، قبل أن تتشكل توليفة من الإيقاعات والنغمات وتنكسر الحدود على إيقاع آلات موسيقية مختلفة ولغات وتلوينات موسيقية متعددة تجلت على ركح المسرح الأثري بقرطاج ليتحول إلى فضاء رمزي يوحّد جنسيات مختلفة تحت راية الموسيقى.

على ركح توشح "بالمرقوم" تلك البصمة التونسية التي تحمل زخرفات وألوان مختلفة بدت جزءا من نسيج بصري وامتداد لنسيج صوتي التقط الجمهور فلسفته.




وحينما صدح صوت سامي يوسف "مدد" جاء الرد من الجمهور وتعانقت الأكف لتعاضد الموسيقى والصوت الذي يناجي الله، حتى تلاشت الحدود بين المدارج والركح واتحدت كل الأنفاس من أجل المناجاة.
وكلما انغمس أكثر في مساحته الفنية، ثبُت أنه يصعب تصنيف سامي يوسف داخل قالب موسيقي واحد، وهو صاحب الهوية الموسيقية المتماسكة، التي تتجاوز فكرة "المزج" لتؤسس لغة خاصة لا تشبه إلا صاحبها، فهو يستعير من الموسيقى العربية مقاماتها، ومن الموسيقى الفارسية شفافيتها، ومن المدرسة الكلاسيكية الغربية بناءها الأوركسترالي، كما يفتح أبوابه أمام إيقاعات المتوسط وآسيا الوسطى والبلقان.
إنها فسيفساء صوتية، تتعزز بحضور أصوات أخرى على الركح على غرار المغربيين إسماعيل بوجية ونبيلة معان والإسباني إسرا مورو الذين أضفوا على العرض بصمتهم الصوتية التي تتقاطع مع روحانيته.

ومن ركح مهرجان قرطاج الدولي، اختار الفنان سامي يوسف أن يستحضر التراجيديا التي تعيش غزة على وقعها منذ أكثر من ثلاث سنوات، ويستنكر الإبادة ليغني "ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا"، تصاعدت كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش في أرجاء المسرح الأثري وآوتها موسيقى تراوح بين الهدوء والثورة.
بينما تدفقت الكلمات التي تروي المقاومة بشاعرية مفرطة، تسربت موسيقى من قلب فلسطين وتعالى تصفيق الجمهور الذي التقط رسالة سامي يوسف وهتف "فلسطين حرة"، إذ ما يميز تجربة سامي يوسف أنها لا تقوم على استعراض التقنية الصوتية أو كثافة التوزيع الموسيقي بقدر ما تقوم على صناعة حالة شعورية. فالصوت لديه وسيلة للوصول إلى المعنى، لذلك تبدو أعماله وكأنها تتحرك ببطء مدروس، تاركة للموسيقى فرصة كي تتنفس، وللكلمات مساحة كي تستقر في وجدان المستمع.
وحينما صدح بكلمات "حسبي ربي" اختبر يوسف أن هذا العمل لم يغادر ذاكرة جمهوره التونسي الذي تحول إلى جوقة تشاركه الغناء وتقاسمه الإيقاع، وتعرف متى تسكت ومتى تستمر.

ومنذ الأغنيات التي صنعت شهرته إلى أعماله الأكثر حداثة، يمكن ملاحظة انتقال واضح من الأغنية الروحية التقليدية إلى مؤلفات أكثر انفتاحًا على الموسيقى العالمية، من دون أن يتخلى عن جوهره الإنساني.
فكل مرحلة في مسيرته تبدو امتدادا لما قبلها، لا قطيعة معها، وهو ما منح عالمه الموسيقي توازنا نادرا بين الوفاء للهوية والرغبة الدائمة في التجريب. ولا ينفصل هذا الخيار الموسيقي عن رؤيته للموسيقى التي تقترح مساحة يلتقي فيها الجمال بالقيم الإنسانية، لذلك كثيرًا ما تتقاطع أعماله مع الشعر والفلسفة والتصوف والبحث عن المعنى، لتصبح الأغنية رحلة داخلية ووجدانية عميقة.
وتتجاوز الإضاءة أو السينوغرافيا كونها عناصر مرافقة، لتصبح جزءًا من السرد البصري الذي يوازي السرد الموسيقي في علاقة دقيقة بين الضوء والصوت، وبين مساحات الصمت وهمس النغمة.
ومع جمهور متنوع يتحرك وفق إيقاع العرض، ويدرك تماما المواضع التي يركن فيها إلى الهدوء والتأمل، والمواضع التي يصفق فيها، والأخرى التي يكون فيها شريكا في الغناء، تحوّل العرض
إلى فضاء للحوار الغنائي تلاشت فيه الحدود أمام لغة الفن.

تتجلى خصوصية مشروع يوسف الفني في أنه لا يوازن بين الشرق والغرب، بل يخلق مساحة ثالثة، تتجاور فيها المقامات الشرقية مع الهارموني الغربي، وتلتقي فيها الروحانية بالتأليف الموسيقي الحديث، وفي زمن السرعة والضجيج، يذكّر الفنان العالمي سامي يوسف بأن الموسيقى تستطيع أن تكون فعل إصغاء، وأن الفن طريق آخر لفهم الإنسان والعالم
وفي قرطاج بالذات، حيث تتشابك الحجارة العتيقة مع الحاضر، يكتسب هذا المشروع بعدا إضافيا ويمنح الموسيقى عمقا بصريا وروحيا ويجعل من العرض تجربة حسية متكاملة.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 333869

babnet