JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

تطوّر التضليل المعلوماتي في تونس.. من الهيمنة والاحتكار إلى سوق حرّة «مقيّدة»

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6ad117f54d3fe1.71926383_ilejngofpqmkh.jpg>


بقلم أيمن اليزيدي


لم يعد التضليل المعلوماتي في تونس يُفهم من خلال الأخبار الكاذبة وحدها، ولا من خلال التمييز بين من ينشر المعلومة الصحيحة ومن يروّج للمعلومة الزائفة. فالمسألة تتصل أيضًا بالقدرة على نشر رواية سياسية وتضخيمها، والوسائل التي تجعلها حاضرة في النقاش العام، ومدى قدرة الروايات المنافسة على الوصول إلى الجمهور.


تغيّرت البيئة الإعلامية التونسية بصورة واضحة منذ سنة 2011. فبعد مرحلة اتسمت بالهيمنة على وسائل الإعلام والتحكم في تدفق المعلومات، اتسع المجال أمام تعدد المنابر والأصوات، ثم أصبحت المنصات الرقمية فضاءً رئيسيًا للتنافس على التأثير في الرأي العام. غير أن اتساع هذا الفضاء لم يضع حدًا للتضليل، بل غيّر أشكاله ووسائله والفاعلين القادرين على ممارسته.




من احتكار المعلومة إلى تعدّد الروايات

قبل الثورة، ارتبط التحكم في المعلومة بمنظومة إعلامية أتاحت للسلطة مجالًا واسعًا لتوجيه الخطاب العام، وتهميش الأصوات المعارضة، وتحديد ما يصل إلى الجمهور وكيفية تقديمه. ولم يكن التضليل قائمًا بالضرورة على اختلاق الوقائع وحده، بل كان يمكن أن يتخذ شكل انتقاء المعلومات أو حجبها، أو تقديم الأحداث من زاوية واحدة، أو تكرار الرواية الرسمية بما يجعلها الإطار السائد لفهم الواقع.

في تلك المرحلة، أدت وسائل الإعلام التقليدية دورًا مركزيًا في تشكيل المجال العام، وكانت العلاقة بين السلطة والإعلام تحدد إلى حد كبير حدود النقاش الممكن. ويمكن وصف هذا النموذج مجازًا بوجود «رئيس تحرير وطني» يحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يستحق الظهور وما ينبغي أن يبقى على الهامش، وفق وصف الدكتور الصادق الحمامي في كتابه «ديمقراطية مشهدية: الميديا والاتصال والسياسة في تونس».

وبعد 14 جانفي 2011، اتسع المجال أمام الصحافة المستقلة والمنابر الحزبية والجمعياتية، وتزايدت حرية التعبير، وبرزت منصات رقمية أتاحت للمواطنين المشاركة في النقاش السياسي دون المرور بالضرورة عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية. لكن هذا التحول لم يُلغِ التنافس على توجيه الرأي العام، ولم يجعل المعلومات المتداولة أكثر موثوقية بالضرورة.

وتنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن تعدد مصادر المعلومات لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع التضليل، بل قد يوسّع فرصه من خلال انتقاء الوقائع وإعادة تأطيرها وتوظيفها في روايات سياسية متنافسة، بحيث يصبح التأثير في الرأي العام مرتبطًا بقدرة الرواية على الانتشار وإثارة الانفعالات، لا بدقة المعلومات وحدها.

وهنا، لا بد من التمييز بين الخطأ الصحفي والدعاية السياسية والتضليل المعلوماتي. فليس كل خبر غير دقيق تضليلًا متعمدًا، وليس كل خطاب منحاز خبرًا زائفًا. لكن تقديم معلومة مضللة، أو اقتطاع صورة من سياقها، أو تداول ادعاء غير صحيح بطريقة تدفع الجمهور إلى استنتاج خاطئ، يمكن أن يحوّل المحتوى الرقمي إلى أداة للتأثير السياسي.

بعد 2021.. من منظومة تتحكم في المعلومة إلى فضاء يتنافس فيه الفاعلون على التأثير

منذ 25 جويلية 2021، دخل المشهد السياسي والإعلامي التونسي مرحلة جديدة تزامنت مع تغيرات في بنية السلطة وتصاعد الاستقطاب السياسي. وفي هذا السياق، اكتسبت المنصات الرقمية أهمية أكبر باعتبارها فضاءً لترويج المواقف ومهاجمة الخصوم والدفاع عن السلطة أو معارضتها.

لم يعد التأثير في الرأي العام مقتصرًا على المؤسسات الإعلامية أو الأحزاب المنظمة. فقد أصبحت الحسابات الفردية والصفحات الرقمية والمجموعات الافتراضية قادرة على نشر روايات سياسية وتوسيع نطاقها، أحيانًا من خلال إعادة تداول المحتوى نفسه مرات متكررة، أو إرفاق الصور ومقاطع الفيديو بعناوين تدفع الجمهور إلى قراءتها في اتجاه معين.

ولا يعني ذلك أن كل حساب يدافع عن الرئيس قيس سعيّد يمارس التضليل، كما لا يعني أن كل حساب معارض له ينشر معلومات غير صحيحة. فالموقف السياسي في حد ذاته لا يكفي للحكم على صدقية المحتوى. وتتعلق المسألة بصحة المعلومة وسياقها، ومدى تعمّد تحريفها أو استخدامها لإنتاج انطباع لا تدعمه الوقائع.

وتوضح بعض الحالات التونسية كيف يمكن أن يعمل التضليل في اتجاهات سياسية مختلفة.

ففي ديسمبر 2024، تداولت حسابات على فيسبوك مقطع فيديو بعنوان «القيروان تنتفض بشعار حرية كرامة وطنية»، مع تقديمه على أنه يوثّق احتجاجات حديثة ضد الرئيس قيس سعيّد. لكن عملية التحقق التي نشرتها صحيفة «النهار» في 29 ديسمبر بيّنت أن الفيديو يعود إلى وقفة احتجاجية أمام المحكمة الابتدائية بالقيروان يوم 21 نوفمبر 2024، دعمًا لعمال مصنع أحذية ونقابيين موقوفين، وليس إلى احتجاج ضد الرئيس كما أوحت المنشورات المتداولة.

وتوضح هذه الحالة كيف يمكن لمقطع حقيقي أن يتحول إلى مادة مضللة عندما يُفصل عن سياقه ويُرفق بعنوان يغيّر معناه السياسي.

وفي الاتجاه الآخر، نشرت «الجزيرة نت» في 18 أوت 2024 تحقيقًا تناول نشاط حسابات وُصفت بالوهمية، تعمل على دعم الرئيس سعيّد ومهاجمة خصومه السياسيين. وأشار التحقيق إلى تشابهات في أسماء بعض الحسابات ومحتوياتها وأنماط تفاعلها، وإلى استخدامها للترويج لصورة إيجابية عن الرئيس وتشويه معارضيه. وتبرز هذه الحالة أهمية التثبت من وجود حسابات مصطنعة أو أنشطة منسقة، لما يمكن أن تؤديه من دور في تضخيم رواية سياسية على حساب غيرها.

ولا تثبت الحالتان وجود تماثل كامل بين مختلف الفاعلين أو الحملات، ولا تسمحان بتعميم الحكم على جميع أنصار السلطة أو معارضيها. لكنهما تساعدان على فهم آلية أساسية: فقد يُستخدم المحتوى المضلل لتصوير احتجاج على أنه موجّه ضد الرئيس، كما قد تُستخدم حسابات مصطنعة أو مشبوهة لتضخيم خطاب مؤيد له ومهاجمة خصومه. وفي الحالتين، لا يكفي الموقف السياسي لتحديد صدقية المعلومة، بل يجب فحص المحتوى ومصدره وسياقه وطريقة تداوله.

سوق حرّة.. ولكن إلى أي مدى؟

قد يوحي تعدد الحسابات والصفحات والمنابر بأن الفضاء الرقمي أصبح سوقًا مفتوحة للأفكار، يستطيع فيها الجميع نشر مواقفهم ومنافسة الروايات السائدة. غير أن حرية النشر لا تعني بالضرورة تكافؤ فرص الوصول إلى الجمهور، كما أن تعدد الأصوات لا يضمن أن تكون جميعها قادرة على التأثير بالقدر نفسه.

فهناك فرق بين امتلاك الحق في نشر رأي وامتلاك القدرة على إيصاله إلى عدد واسع من الناس. وتتأثر هذه القدرة بعوامل متعددة، من بينها حجم الجمهور وطبيعة المنصة وأنماط التفاعل وتكرار النشر والقدرة على تحويل المحتوى إلى موضوع للنقاش العام. كما أن الخوارزميات، التي تختلف من منصة إلى أخرى، قد تمنح بعض المضامين انتشارًا واسعًا، في حين تبقى مضامين أخرى محدودة التداول.

وفي بيئة سياسية شديدة الاستقطاب، قد تتراجع أهمية التحقق أمام سرعة التفاعل والانتشار. فقد يتحول مقطع قصير أو اتهام غير موثق إلى محور للنقاش قبل التأكد من مصدره، ثم يُعاد تداوله حتى يصبح مألوفًا لدى الجمهور. وقد يفسر بعض المستخدمين هذا التكرار باعتباره دليلًا على صحة المعلومة، رغم أن انتشارها لا يثبت صحتها.

ويتصل ذلك أيضًا بتراجع الثقة في المؤسسات الإعلامية والسياسية لدى بعض فئات الجمهور، وباتساع المسافة بين الروايات المتنافسة حول الأحداث نفسها. فعندما ينطلق المتلقي من موقف سياسي مسبق، قد يميل إلى تصديق المحتوى الذي يؤكد قناعاته ورفض المحتوى الذي يناقضها، حتى قبل التثبت من الأدلة. وهكذا لا يعود التضليل مجرد مشكلة في إنتاج المعلومة، بل يصبح جزءًا من الصراع على تفسير الواقع وتحديد المسؤوليات.

وفي هذا السياق، يكتسب المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال أهمية خاصة، ولا سيما الفصل 24 الذي أثار انتقادات ومخاوف بشأن أثره في حرية التعبير والصحافة.

وفي 30 سبتمبر 2026، صدر المرسوم عدد 1 لسنة 2026 الذي استبدل أحكام الفصل 24 بصيغة جديدة. وينص الفصل المعدّل على خطايا مالية تتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألف دينار في الحالات التي يحددها النص، كما ينص على عقوبة بالسجن لمدة ستة أشهر وخطية قدرها خمسون ألف دينار في حالة العود، مع مضاعفة العقوبات إذا كان الشخص المستهدف موظفًا عموميًا أو شبهه.

لكن تعديل العقوبات لا ينهي النقاش حول حدود التجريم ووضوح الأفعال التي يشملها النص وضمانات تطبيقه دون انتقائية. فمكافحة الأخبار الزائفة هدف مشروع، غير أن تحقيقه يتطلب أيضًا حماية حق الصحفيين والناشطين والمواطنين في النقد والتعبير عن آرائهم، بما في ذلك انتقاد السياسات العامة والمسؤولين.

وعندما يخشى الفرد أن يتحول منشور نقدي إلى أساس لتتبّع قضائي، فقد يمتد أثر القانون إلى ما لا يُنشر أصلًا، وإلى موضوعات يتجنب أصحابها تناولها تفاديًا للمخاطر. لذلك، لا يتوقف تقييم أثر التشريع على العقوبات التي يتضمنها فحسب، بل يشمل أيضًا كيفية تطبيقه والحالات التي يُستخدم فيها والضمانات المتاحة لمن يخضعون للمساءلة.

وهنا يتقاطع التضليل المعلوماتي مع مسألة أوسع تتعلق بشروط المنافسة في المجال العام: هل تتاح للروايات المختلفة فرص متقاربة في الوصول إلى الجمهور؟ وهل تُطبّق قواعد التثبت والمساءلة على الجميع وفق معايير واضحة؟ أم أن بعض الأصوات تمتلك قدرة أكبر على تضخيم روايتها، بينما تتحمل أصوات أخرى كلفة أعلى عند الاعتراض أو النقد؟

من يضخّم الرواية، ومن يتحمّل كلفة الاعتراض؟

إن فهم تطوّر التضليل المعلوماتي في تونس يقتضي تجاوز اختزاله في الأخبار الكاذبة أو في اتهام جهة سياسية واحدة بممارسته. فقد انتقل المشهد من مرحلة كانت فيها السيطرة على المعلومة مرتبطة بدرجة كبيرة بمؤسسات إعلامية مركزية، إلى فضاء رقمي متعدد الفاعلين، تتنافس داخله روايات سياسية مختلفة، ولا تتوزع فيه القدرة على التأثير بالتساوي بالضرورة.

وتُظهر الأمثلة أن المحتوى المضلل قد يُستخدم لتشويه صورة احتجاج أو لتضخيم خطاب مؤيد للسلطة ومهاجم للمعارضة. لكن التثبت من كل حالة يظل ضروريًا، حتى لا يتحول نقد التضليل نفسه إلى وسيلة لإطلاق اتهامات غير موثقة. فالمطلوب ليس استبدال رواية سياسية بأخرى، بل اعتماد معيار واحد في فحص المعلومات، بصرف النظر عن الجهة التي تنشرها أو الموقف الذي تخدمه.

ولا تكمن المشكلة في وجود خلاف سياسي أو في محاولة الفاعلين إقناع الجمهور بمواقفهم، فذلك جزء من الحياة العامة. إنما تبدأ المشكلة عندما تُحرّف الوقائع، أو تُستخدم الصور خارج سياقها، أو تُضخّم الادعاءات دون دليل، أو تُوظّف الحسابات المصطنعة لإنتاج انطباع زائف عن حجم التأييد أو الرفض.

ومن هنا، فإن مواجهة التضليل لا تقتصر على تكذيب الأخبار بعد انتشارها. إنها تحتاج أيضًا إلى صحافة قادرة على التحقق، وإلى شفافية في تداول المعلومات، وإلى مساءلة واضحة لا تستثني طرفًا بسبب قربه من السلطة أو معارضته لها. كما تتطلب حماية المجال العام من أن يتحول إلى ساحة تُحسم فيها المنافسة بكثافة التكرار أو بحملات التشويه، بدل قوة الأدلة والحجج.

في النهاية، لا يتعلق السؤال فقط بمن ينشر المعلومة الزائفة، بل بمن يستطيع جعلها الرواية الأكثر حضورًا، وبالظروف التي تسمح لها بالانتشار، وبالضمانات التي تتيح للآخرين الاعتراض عليها دون خوف أو إقصاء.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 337866

babnet