استعدادًا للعام الدراسي الجديد: افتتاح منصة تعليمية لرياضيات الابتدائي بمواصفات عالمية
كريم السليتي (*)
مع اقتراب العودة المدرسية للعام الدراسي 2026-2027، أُعلن في تونس عن إطلاق منصة تعليمية عربية متخصصة في رياضيات المرحلة الابتدائية، من خلال تطبيق «تميّز في رياضيات الابتدائي»، في محاولة لتقديم نموذج مختلف في التعامل مع تعليم الرياضيات: ليس باعتبارها مجموعة من الأرقام والعمليات التي ينبغي حفظ طرق التعامل معها، وإنما باعتبارها تدريبًا تدريجيًا على التفكير المنطقي، وفهم العلاقات، وحل المشكلات. بحيث يضع الرياضيات في إطار مختلف عن نموذج التمرين التقليدي: الفهم أولًا، ثم التدريب، ثم التدرج في اكتساب المهارة.
ويأتي إطلاق المنصة في وقت يتزايد فيه القلق بشأن علاقة التلاميذ بالرياضيات في تونس. فقد كشف المستشار العام في الإعلام والتوجيه بوزارة التربية منصف الخميري في ماي 2025 أن نسبة التلاميذ المتوجهين إلى شعبة الرياضيات تراجعت من نحو 20% قبل حوالي 25 سنة إلى نحو 7% حاليًا على المستوى الوطني
، مع الإشارة إلى ضعف المكتسبات الأساسية في المرحلة الابتدائية كأحد أسباب هذا الوضع.
واللافت أن ضعف الإقبال لا يعني ضعف قيمة الرياضيات؛ ففي الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026 تصدرت شعبة الرياضيات نسب النجاح بـ79.41%، وفق النتائج المنشورة بعد إعلان النتائج
. وهذا يجعل السؤال الحقيقي أبكر من مرحلة التوجيه: كيف نؤسس الطفل على الرياضيات ونبني لديه الثقة والقدرة على التفكير قبل أن يصل إلى مرحلة اختيار الشعبة؟
أكثر من بنك تمارين
تُحاول « منصة تميّز»
الإجابة عن هذا السؤال من خلال الجمع بين عدة أنماط من التعلم داخل تطبيق واحد. فهناك جزء نظري لتقديم المفاهيم، واختبارات بأسئلة متعددة الخيارات لقياس الفهم، إلى جانب نظام تدريب يولّد عمليات ومسائل جديدة بصورة آلية ويتدرج في مستوى الصعوبة وفق أداء التلميذ.
ويضم التطبيق موضوعات واسعة من الرياضيات الابتدائية
، تشمل الأعداد والقيمة المكانية والعمليات الأربع والضرب والقسمة والكسور والأعداد العشرية والنسب المئوية، إضافة إلى الهندسة، ووحدات القياس، والوقت، والمسائل اللفظية والتفكير الرياضي والحساب الذهني.
هذه البنية تجعل التدريب مختلفًا عن ورقة أسئلة ثابتة؛ فبدل أن يتعلم الطفل الإجابة عن مجموعة محدودة من النماذج، يستطيع التطبيق إعادة توليد مسائل متنوعة داخل مستويات مختلفة، بما يسمح بقدر كبير من الممارسة المتكررة دون الاعتماد على الإنترنت لإنشاء هذه المسائل.
تعليم مجاني بلا إعلانات ولا اشتراك
من أبرز خصائص المشروع أن التطبيق مجاني بالكامل، بلا إعلانات أو اشتراك، ويمكن استخدامه دون اتصال بالإنترنت. وهذه ليست مجرد ميزة تقنية، بل جزء من رؤية المشروع لإتاحة التدريب الرياضي المستمر لأكبر عدد ممكن من الأطفال، بحيث لا ترتبط الاستفادة من المحتوى وكثافة التمارين بقدرة الأسرة على دفع اشتراك شهري أو تكاليف دروس خصوصية.
ويتيح «تميّز» تدريبًا متواصلًا على آلاف المسائل التي تُولَّد آليًا بمستويات مختلفة من الصعوبة، بما يوفر حجمًا وتنوعًا من التدريب يمكن أن يتجاوز ما يستطيع التلميذ إنجازه عادة في حصة خصوصية محدودة الزمن. كما يجمع في منظومة واحدة مجانية وظائف توجد عادة موزعة بين منصات تعليمية مختلفة ومدفوعة، من المحتوى النظري والاختبارات متعددة الخيارات، إلى التوليد الآلي للمسائل، والتدرج في الصعوبة، والتلعيب، وتتبع التقدم، وإصدار الشهادات آليًا بصورة مرتبطة بأداء التلميذ ومواظبته.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن المعلم أو المدرسة؛ بل يقدم التطبيق طبقة إضافية من التدريب المنظم يمكن استخدامها في المنزل أو خارج وقت الدراسة. وبهذا لا تقتصر المجانية على إلغاء الاشتراك، وإنما تسهم في توسيع فرص التدريب وتحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص بين الأطفال، بغض النظر عن قدرة أسرهم على تحمل تكاليف الدروس الإضافية، مع جعل ممارسة الرياضيات أكثر استمرارية وتنوعًا وجاذبية، والمساهمة في بناء أساس منهجي قوي فيها منذ السنوات الأولى.
فائدة مباشرة للمعلمين والأولياء
يمكن للمعلم الاستفادة من التطبيق كأداة مساندة للمراجعة والتدريب، بينما يجد الولي وسيلة منظمة لمتابعة ممارسة الطفل للرياضيات في المنزل، بدل حصر المراجعة في الفترة التي تسبق الفرض أو الامتحان. وتذكر صفحة التطبيق نفسها أن النظام يتضمن مؤشرات تساعد على متابعة تقدم الطفل وفهم مستوى أدائه وبناء عادة منتظمة في ممارسة الرياضيات.
وهنا تظهر فلسفة المنصة بصورة أوضح: الهدف ليس جعل الطفل يحفظ أكبر عدد ممكن من الإجابات، وإنما الانتقال من «معرفة العملية» إلى «فهم المسألة»، ومن الاستجابة للنموذج المحفوظ إلى القدرة على التعامل مع سؤال جديد.
من الحساب إلى التفكير المنطقي
تجمع المنصة بين الحساب الذهني، وحل المشكلات، والتفكير الرياضي، والقياس، والهندسة والكسور وغيرها من المهارات الأساسية. وهي بذلك تحاول تقديم الرياضيات باعتبارها طريقة في التفكير والتحليل، لا مجرد سلسلة من الأرقام والعمليات.
وهذه الرؤية تتقاطع مع النقاش التربوي الجاري في تونس حول ضرورة تقوية المكتسبات الأساسية في السنوات الأولى. وفي تصريحات مرتبطة بتراجع الإقبال على شعبة الرياضيات، تم التأكيد أيضًا على أهمية إصلاح المرحلة الابتدائية وتعزيز قدرات التلاميذ في الحساب والتعلم منذ السنوات الأولى. (Radio Express FM)
التحفيز والشهادات
ولكي لا تتحول كثرة التمارين إلى تجربة رتيبة، يضم التطبيق عناصر من التلعيب «Gamification»، ومستويات وتحديات ومؤشرات للتقدم، إضافة إلى آليات تحفيز وشهادات مرتبطة بالإنجاز والمواظبة.
والفكرة هنا بسيطة: الطفل لا يرى الرياضيات كسلسلة من الاختبارات فقط، وإنما يرى أيضًا تقدمه الشخصي من مستوى إلى آخر. وبالنسبة إلى بعض التلاميذ، قد يكون هذا الشعور بالتقدم المستمر عنصرًا مهمًا في بناء الثقة وتكوين عادة الدراسة المنتظمة.
تجربة تستحق المتابعة
لا يمكن لأي تطبيق، مهما اتسعت إمكاناته، أن يحل محل المدرسة أو المعلم أو البيئة التعليمية المتكاملة. لكن إطلاق منصة مجانية متخصصة في رياضيات الابتدائي، تجمع بين المحتوى النظري، والاختبارات، والتدريب التوليدي الآلي، والتدرج في الصعوبة، والقياس والهندسة والكسور والحساب الذهني وحل المشكلات، يضيف خيارًا نوعيًا جديدًا إلى المشهد التعليمي.
وفي وقت تبحث فيه تونس عن سبل لإعادة بناء علاقة أكثر إيجابية بين الطفل والرياضيات، تبدو الفكرة الأساسية للمشروع جديرة بالاهتمام وهي أن تبدأ معالجة المشكلة من سنواتها الأولى، وأن يصبح التدريب الرياضي متاحًا بصورة مجانية ومنتظمة، وأن يتعلم الطفل الرياضيات بوصفها وسيلة للفهم والتفكير، لا مجرد مادة لجمع النقاط.
التطبيق متاح حاليًا على Google Play تحت اسم «تميّز في رياضيات الابتدائي Math»
.
* كريم السليتي
كاتب وباحث في الإصلاح الإداري
مع اقتراب العودة المدرسية للعام الدراسي 2026-2027، أُعلن في تونس عن إطلاق منصة تعليمية عربية متخصصة في رياضيات المرحلة الابتدائية، من خلال تطبيق «تميّز في رياضيات الابتدائي»، في محاولة لتقديم نموذج مختلف في التعامل مع تعليم الرياضيات: ليس باعتبارها مجموعة من الأرقام والعمليات التي ينبغي حفظ طرق التعامل معها، وإنما باعتبارها تدريبًا تدريجيًا على التفكير المنطقي، وفهم العلاقات، وحل المشكلات. بحيث يضع الرياضيات في إطار مختلف عن نموذج التمرين التقليدي: الفهم أولًا، ثم التدريب، ثم التدرج في اكتساب المهارة.
ويأتي إطلاق المنصة في وقت يتزايد فيه القلق بشأن علاقة التلاميذ بالرياضيات في تونس. فقد كشف المستشار العام في الإعلام والتوجيه بوزارة التربية منصف الخميري في ماي 2025 أن نسبة التلاميذ المتوجهين إلى شعبة الرياضيات تراجعت من نحو 20% قبل حوالي 25 سنة إلى نحو 7% حاليًا على المستوى الوطني
، مع الإشارة إلى ضعف المكتسبات الأساسية في المرحلة الابتدائية كأحد أسباب هذا الوضع. واللافت أن ضعف الإقبال لا يعني ضعف قيمة الرياضيات؛ ففي الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026 تصدرت شعبة الرياضيات نسب النجاح بـ79.41%، وفق النتائج المنشورة بعد إعلان النتائج
. وهذا يجعل السؤال الحقيقي أبكر من مرحلة التوجيه: كيف نؤسس الطفل على الرياضيات ونبني لديه الثقة والقدرة على التفكير قبل أن يصل إلى مرحلة اختيار الشعبة؟أكثر من بنك تمارين
تُحاول « منصة تميّز»
الإجابة عن هذا السؤال من خلال الجمع بين عدة أنماط من التعلم داخل تطبيق واحد. فهناك جزء نظري لتقديم المفاهيم، واختبارات بأسئلة متعددة الخيارات لقياس الفهم، إلى جانب نظام تدريب يولّد عمليات ومسائل جديدة بصورة آلية ويتدرج في مستوى الصعوبة وفق أداء التلميذ. ويضم التطبيق موضوعات واسعة من الرياضيات الابتدائية
، تشمل الأعداد والقيمة المكانية والعمليات الأربع والضرب والقسمة والكسور والأعداد العشرية والنسب المئوية، إضافة إلى الهندسة، ووحدات القياس، والوقت، والمسائل اللفظية والتفكير الرياضي والحساب الذهني.هذه البنية تجعل التدريب مختلفًا عن ورقة أسئلة ثابتة؛ فبدل أن يتعلم الطفل الإجابة عن مجموعة محدودة من النماذج، يستطيع التطبيق إعادة توليد مسائل متنوعة داخل مستويات مختلفة، بما يسمح بقدر كبير من الممارسة المتكررة دون الاعتماد على الإنترنت لإنشاء هذه المسائل.
تعليم مجاني بلا إعلانات ولا اشتراك
من أبرز خصائص المشروع أن التطبيق مجاني بالكامل، بلا إعلانات أو اشتراك، ويمكن استخدامه دون اتصال بالإنترنت. وهذه ليست مجرد ميزة تقنية، بل جزء من رؤية المشروع لإتاحة التدريب الرياضي المستمر لأكبر عدد ممكن من الأطفال، بحيث لا ترتبط الاستفادة من المحتوى وكثافة التمارين بقدرة الأسرة على دفع اشتراك شهري أو تكاليف دروس خصوصية.ويتيح «تميّز» تدريبًا متواصلًا على آلاف المسائل التي تُولَّد آليًا بمستويات مختلفة من الصعوبة، بما يوفر حجمًا وتنوعًا من التدريب يمكن أن يتجاوز ما يستطيع التلميذ إنجازه عادة في حصة خصوصية محدودة الزمن. كما يجمع في منظومة واحدة مجانية وظائف توجد عادة موزعة بين منصات تعليمية مختلفة ومدفوعة، من المحتوى النظري والاختبارات متعددة الخيارات، إلى التوليد الآلي للمسائل، والتدرج في الصعوبة، والتلعيب، وتتبع التقدم، وإصدار الشهادات آليًا بصورة مرتبطة بأداء التلميذ ومواظبته.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن المعلم أو المدرسة؛ بل يقدم التطبيق طبقة إضافية من التدريب المنظم يمكن استخدامها في المنزل أو خارج وقت الدراسة. وبهذا لا تقتصر المجانية على إلغاء الاشتراك، وإنما تسهم في توسيع فرص التدريب وتحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص بين الأطفال، بغض النظر عن قدرة أسرهم على تحمل تكاليف الدروس الإضافية، مع جعل ممارسة الرياضيات أكثر استمرارية وتنوعًا وجاذبية، والمساهمة في بناء أساس منهجي قوي فيها منذ السنوات الأولى.
فائدة مباشرة للمعلمين والأولياء
يمكن للمعلم الاستفادة من التطبيق كأداة مساندة للمراجعة والتدريب، بينما يجد الولي وسيلة منظمة لمتابعة ممارسة الطفل للرياضيات في المنزل، بدل حصر المراجعة في الفترة التي تسبق الفرض أو الامتحان. وتذكر صفحة التطبيق نفسها أن النظام يتضمن مؤشرات تساعد على متابعة تقدم الطفل وفهم مستوى أدائه وبناء عادة منتظمة في ممارسة الرياضيات.وهنا تظهر فلسفة المنصة بصورة أوضح: الهدف ليس جعل الطفل يحفظ أكبر عدد ممكن من الإجابات، وإنما الانتقال من «معرفة العملية» إلى «فهم المسألة»، ومن الاستجابة للنموذج المحفوظ إلى القدرة على التعامل مع سؤال جديد.
من الحساب إلى التفكير المنطقي
تجمع المنصة بين الحساب الذهني، وحل المشكلات، والتفكير الرياضي، والقياس، والهندسة والكسور وغيرها من المهارات الأساسية. وهي بذلك تحاول تقديم الرياضيات باعتبارها طريقة في التفكير والتحليل، لا مجرد سلسلة من الأرقام والعمليات.وهذه الرؤية تتقاطع مع النقاش التربوي الجاري في تونس حول ضرورة تقوية المكتسبات الأساسية في السنوات الأولى. وفي تصريحات مرتبطة بتراجع الإقبال على شعبة الرياضيات، تم التأكيد أيضًا على أهمية إصلاح المرحلة الابتدائية وتعزيز قدرات التلاميذ في الحساب والتعلم منذ السنوات الأولى. (Radio Express FM)
التحفيز والشهادات
ولكي لا تتحول كثرة التمارين إلى تجربة رتيبة، يضم التطبيق عناصر من التلعيب «Gamification»، ومستويات وتحديات ومؤشرات للتقدم، إضافة إلى آليات تحفيز وشهادات مرتبطة بالإنجاز والمواظبة.والفكرة هنا بسيطة: الطفل لا يرى الرياضيات كسلسلة من الاختبارات فقط، وإنما يرى أيضًا تقدمه الشخصي من مستوى إلى آخر. وبالنسبة إلى بعض التلاميذ، قد يكون هذا الشعور بالتقدم المستمر عنصرًا مهمًا في بناء الثقة وتكوين عادة الدراسة المنتظمة.
تجربة تستحق المتابعة
لا يمكن لأي تطبيق، مهما اتسعت إمكاناته، أن يحل محل المدرسة أو المعلم أو البيئة التعليمية المتكاملة. لكن إطلاق منصة مجانية متخصصة في رياضيات الابتدائي، تجمع بين المحتوى النظري، والاختبارات، والتدريب التوليدي الآلي، والتدرج في الصعوبة، والقياس والهندسة والكسور والحساب الذهني وحل المشكلات، يضيف خيارًا نوعيًا جديدًا إلى المشهد التعليمي.وفي وقت تبحث فيه تونس عن سبل لإعادة بناء علاقة أكثر إيجابية بين الطفل والرياضيات، تبدو الفكرة الأساسية للمشروع جديرة بالاهتمام وهي أن تبدأ معالجة المشكلة من سنواتها الأولى، وأن يصبح التدريب الرياضي متاحًا بصورة مجانية ومنتظمة، وأن يتعلم الطفل الرياضيات بوصفها وسيلة للفهم والتفكير، لا مجرد مادة لجمع النقاط.
التطبيق متاح حاليًا على Google Play تحت اسم «تميّز في رياضيات الابتدائي Math»
. * كريم السليتي
كاتب وباحث في الإصلاح الإداري









Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 334910