JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

هل يمكن إعادة مؤسسة الأوقاف في تونس بروح عصرية؟

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a7303e4c98386.53824774_lqgnfoimejhkp.jpg>


د. عماد الحسين
أستاذ باحث بالمعهد
العالي للفنون والحرف بالقيروان


قبل أن تعرف تونس وزارة الصحة، كانت هناك عزيزة عثمانة. أميرة تونسية لم تنتظر قانوناً ولا ميزانية حكومية، بل أوقفت جزءاً من ثروتها لتؤسس مستشفى ظل على امتداد قرون يعالج المرضى ويؤوي المحتاجين. وقبلها بثمانية قرون، شيّدت بنت القيروان فاطمة الفهرية جامع القرويين بوقفٍ جعل منه واحدة من أعرق الجامعات في العالم.




لم يكن السر في سخاء المتبرعين فحسب، بل في فكرة عبقرية سبقت عصرها: أصل اقتصادي لا يُباع ولا يُستهلك، وإنما يُستثمر، بينما يُنفق ريعه وحده على منفعة عامة دائمة.

اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على إلغاء نظام الأحباس في تونس، يعود السؤال بصورة مختلفة تماماً: هل يمكن استعادة فكرة الوقف دون استعادة سلبيات الماضي؟ وهل تستطيع تونس أن تبني نموذجاً عصرياً يواكب اقتصاد القرن الحادي والعشرين، ويمنح الجامعات والمستشفيات ومراكز البحث موارد مستقلة ومستدامة؟

هذا السؤال لا يطرحه الحنين إلى التاريخ، بل يفرضه الواقع. فميزانية الدولة تواجه ضغوطاً متزايدة، والجامعات العمومية تكافح لتمويل البحث العلمي، والمستشفيات العمومية تعاني نقص التجهيزات، بينما تتزايد المطالب الاجتماعية عاماً بعد عام. وفي مثل هذا السياق، يصبح البحث عن مصادر تمويل دائمة ضرورة وطنية، لا ترفاً فكرياً.

لكن إعادة الأوقاف لا تعني إطلاقاً إعادة «الأحباس» كما كانت قبل الاستقلال. فالخلط بين الأمرين هو أول ما ينبغي تجاوزه. ما تحتاجه تونس اليوم ليس وقفاً عائلياً يجمّد الثروة أو يلتف على قوانين الميراث، وإنما وقف مؤسسي يخضع للقانون، ويتمتع بالشخصية المعنوية المستقلة، ويُدار وفق قواعد الحوكمة والشفافية والتدقيق المالي.

ولعل الخطأ الأكبر هو اختزال الوقف في مسجد أو زاوية أو قطعة أرض معطلة. فالاقتصاد الحديث يقدم مفهوماً مختلفاً تماماً. يمكن للوقف أن يكون ضيعة فلاحية ذكية، أو محفظة عقارية، أو مساهمة في شركة إنتاجية، أو صندوقاً استثمارياً، أو حتى وقفاً نقدياً ووقفاً للأسهم. المهم أن يبقى الأصل محفوظاً، وأن تتحول عائداته إلى مصدر دائم لتمويل التعليم والصحة والبحث العلمي.

العالم لم ينتظر تونس ليطور هذه الفكرة. ففي الكويت تطورت إدارة الأوقاف من مجرد توزيع الريع إلى الاستثمار المؤسسي. وفي ماليزيا وسنغافورة ظهرت الأوقاف الشركاتية التي تُدار بعقلية اقتصادية احترافية. أما الجامعات الكبرى مثل هارفرد وييل وأكسفورد وكامبريدج، فهي تعتمد منذ عقود على صناديق الهبات (Endowments Funds)، وهي في جوهرها التطبيق الحديث لفكرة الوقف: أصول دائمة تُستثمر باحتراف، ويُصرف من عائدها السنوي فقط على المنح والبحث العلمي والكراسي الأكاديمية.

غير أن استعراض التجارب الأجنبية لا يكفي. فالسؤال الحقيقي هو: ما النموذج التونسي الممكن؟

في تقديري، ينبغي أن تبدأ الفكرة بقانون جديد يُحدث صنفاً من الأشخاص المعنويين يسمى مثلاً «المؤسسة الوقفية ذات المنفعة العامة». وتكون هذه المؤسسة مستقلة عن الوزارات، لكنها خاضعة لرقابة القضاء والتدقيق المالي ونشر التقارير السنوية. ويُسمح لها بامتلاك أصول عقارية أو فلاحية أو مالية، واستثمارها باحتراف، مع منع التفويت في أصل الوقف أو تغيير غايته إلا وفق ضوابط قانونية صارمة، ومع حوافز جبائية تشجّع أصحاب الثروات والأملاك على إنشاء أوقاف جديدة أو التبرع لهذه المؤسسات.

وهنا يمكن أن تظهر لأول مرة في تونس مؤسسات من نوع جديد:

* وقف مستشفى أو جناح طبي في مستشفى أو مركز صحي.
* وقف مراكز رعاية المسنين أو الأطفال فاقدي السند العائلي.
* وقف تنمية مناطق فقيرة، وحفر آبار، ومشاريع فلاحية.
* وقف مدرسة أو مركز تكوين أو معهد أو جامعة أو مخبر بحث أو مؤسسة تمويل منح الدراسة.

كل مؤسسة من هذه المؤسسات تمتلك أصلاً اقتصادياً مستقلاً يدر دخلاً دائماً. فلا تبقى الجامعة رهينة الاعتمادات السنوية، ولا يظل المستشفى ينتظر كل سنة ميزانية جديدة لاقتناء تجهيزاته.

بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك. فبدلاً من أن تظل بعض الأراضي الدولية أو العقارات العمومية ضعيفة الاستغلال، يمكن أن يُخصص جزء منها لهذه المؤسسات الوقفية، فتُدار بعقود شفافة مع مستثمرين أو شركات متخصصة، ويذهب ريعها إلى تمويل المنح الجامعية والمخابر والتجهيزات الطبية والبحث العلمي، دون أن تتحمل الدولة وحدها كامل العبء المالي.

لكن نجاح هذا المشروع مشروط بأربعة عناصر لا يمكن التنازل عنها:

* أولاً، استقلالية الإدارة عن كل توظيف سياسي أو حزبي.
* ثانياً، إدارة احترافية يقودها خبراء في الاستثمار والمالية، لا إدارة خيرية تقليدية.
* ثالثاً، رقمنة جميع الأصول والعمليات ونشر التقارير المالية للعموم.
* رابعاً، حماية رأس المال الوقفي من أي تفويت أو سوء تصرف، لأن قيمة الوقف تكمن في استدامة أصله لا في حجم إنفاقه الآني.

إن الرهان الحقيقي ليس إعادة مؤسسة تاريخية، بل ابتكار أداة اقتصادية جديدة تخدم تونس لعقود قادمة. فالبلدان التي سبقتنا لم تنجح لأنها أعادت إنتاج الماضي، وإنما لأنها احتفظت بالفكرة وطورت أدواتها. والوقف ليس مؤسسة دينية بالمعنى الضيق، بل آلية اقتصادية واجتماعية لتحويل الثروة الخاصة أو العمومية إلى منفعة عامة مستدامة.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس: هل نعيد الأوقاف؟ بل سؤال آخر أكثر إلحاحاً:

هل تستطيع الدولة وحدها، خلال العقود القادمة، أن تمول الجامعات والمستشفيات والبحث العلمي بالنسق الذي يحتاجه التونسيون؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن النقاش لم يعد يدور حول الماضي، بل حول المستقبل. وربما آن الأوان لكي تستعيد تونس الفكرة التي ساهمت في صنع أعظم مؤسساتها، لا كما كانت في القرون الماضية، بل كما ينبغي أن تكون في القرن الحادي والعشرين: مؤسسات وقفية مستقلة، محترفة، شفافة، تستثمر في الأرض... حتى تستثمر في الإنسان.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 334036

babnet