JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

الفرنسية في التعليم المغاربي: لغةٌ مُعقَّدة تُعيد إنتاج الفشل وتستنزف الاقتصاد

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a71b8a69f7473.70109053_fpheglkqinomj.jpg>


كريم كريم

لم تعد المسألة اليوم خلافًا عاطفيًا بين “أنصار الفرنسية” و”خصومها”، بل صارت قضية بنيوية تمسّ عدالة المدرسة ونجاعة الاقتصاد معًا. فالأدلة الدولية واضحة: عندما يُفرض على التلميذ أن يتعلم بلغة لا يفهمها جيدًا، تتراجع فرصه في اكتساب القراءة والكتابة والحساب، وترتفع احتمالات الرسوب والانقطاع، وتضعف عوائد الإنفاق العام على التعليم. ويؤكد البنك الدولي أن السياسات اللغوية غير الملائمة تُضعف التعلّم والإنصاف والكفاءة المالية، وأن الأطفال الأشدّ فقرًا هم الأكثر تضررًا منها. [1]


أول الخلل ليس سياسيًا فقط، بل لغويٌّ وتربويٌّ أيضًا. فالفرنسية ليست لغة “سهلة” على المتعلم المبتدئ؛ بناؤها الإملائي ليس شفافًا، وفيها كثافة عالية من الحروف الصامتة والتطابقات غير المنتظمة بين الصوت والكتابة. وتبيّن دراسة منشورة في Frontiers in Psychology أن النظام الإملائي الفرنسي “صعب التعلم” لأن نحو 30% من مفرداته تنتهي بحرف صامت، وأن الفرنسية تُعد من اللغات ذات التطابق الضعيف بين الصوت والحرف، بحيث لا يمكن تهجئة إلا 21% من الكلمات بالاعتماد على الصوت وحده. هذا التعقيد ليس تفصيلًا تقنيًا؛ بل عبء يومي على الطفل والمعلم والمنهج معًا. [2]




وفي بلدان المغرب العربي، تتضاعف المشكلة لأن لغة البيت، والشارع، والهوية اليومية ليست الفرنسية، بل العربية الدارجة، بينما تُستعمل الفرنسية في مراحل مفصلية من التعليم، ولا سيما في التعليم العالي والعلوم والاقتصاد. البنك الدولي وثّق في المغرب على سبيل المثال أن كثيرًا من الطلبة يصلون إلى الجامعة بضعفٍ واضح في العربية والفرنسية معًا، وأن الانتقال إلى التدريس بالفرنسية في الجامعة يضيف طبقة جديدة من الصعوبة، كما أشار إلى أن دروس الدعم في الفرنسية المكلفة في الوقت والجهد أسهمت في خفض الانقطاع في إحدى الحالات من 54% إلى 46%، وهو رقم يختصر حجم المأزق لا نجاحه. وفي تونس والمغرب، تُظهر دراسة دكتوراه حديثة أن سياسات اللغة في التعليم تسهم في بناء وعدم تكافؤ الوضع الاجتماعي-الاقتصادي للطلبة والحفاظ عليه. [3])

ثم تأتي الضربة الثانية: الفرنسية لا تُضعف التعلم فقط، بل تُعمّق التفاوت. فالبنك الدولي يذكر صراحة أن السياسات التي تُدرِّس الأطفال بلغة لا يفهمونها تؤدي إلى ارتفاع الانقطاع والتكرار وضعف التحصيل، وأن أثرها أشد على أبناء الأسر الأقل دخلًا والأبعد عن المدن. كما تشير دراسة البنك الدولي عن سياسات لغة التدريس إلى أن البلدان التي تُصرّ على لغة لا يتحدثها المعلمون والطلاب تشهد “عائدًا مخيبًا” على الاستثمار التعليمي. وعندما يصبح إتقان الفرنسية شرطًا غير معلن للنجاح في المدرسة والجامعة، فإن المدرسة تتحول من أداة صعود اجتماعي إلى آلية فرز طبقي. [1]

أما اقتصاديًا، فالثمن أكبر من خسارة سنوات دراسية. لأن لغة التدريس ليست مجرد وسيلة شرح، بل قناة لإنتاج المهارات القابلة للتوظيف. البنك الدولي يربط بين تحسين سياسات لغة التدريس وبين خفض كلفة إنتاج الخريج، ورفع رأس المال البشري، وتحسين الإنتاجية والنمو طويل الأمد. كما أن ضعف التواصل اللغوي ينعكس مباشرة على الثقة بالنفس، والقدرة على العرض، والاندماج في سوق العمل، وهي عناصر لا تقل أهمية عن المعلومات نفسها. ولهذا لم تعد المشكلة “فرنسية أو عربية” فحسب، بل صارت: أي لغة تُخرج خريجًا قادرًا على الفهم والإنتاج والمنافسة؟ [1]

والأهم أن الاتجاه الإقليمي نفسه بدأ يتغير. ففي الجزائر، تتجه الدولة إلى تعزيز الإنجليزية في المدارس والجامعات وتقليص حضور الفرنسية في مجالات التعليم والإدارة، بينما أفادت تقارير دولية بأن المغرب جعل الإنجليزية إلزامية في بعض مراحل التعليم الثانوي، وأن الجدل حول اللغة لم يعد يدور حول “تقديس الفرنسية” بل حول كسر احتكارها. هذا التحول لا يعني استبدال تبعية بتبعية، بل الاعتراف بأن الزمن تعرّف إلى لغات العلم والتكنولوجيا والأسواق الجديدة، ولم يعد يمنح الفرنسية امتيازًا طبيعيًا في المدرسة المغاربية. [4]

والحلول المناسبة، في تقديري، واضحة ومباشرة:

1. التخلي التام عن الفرنسية كلغة تدريس في التعليم الأساسي والثانوي والجامعي، خصوصًا في العلوم والرياضيات والتخصصات التقنية. [1]
2. اعتماد العربية، ومعها الأنجليزية حيث يلزم، بوصفهما لغتي بناء المعرفة المدرسية، مع تأمين انتقال مضبوط إلى اللغات الأجنبية كلغات إضافية لا كلغات سيادة. [5]
3. إبقاء الفرنسية كلغة أجنبية اختيارية أو ثانوية لمن أرادها لأغراض تخصصية أو دبلوماسية، لا بوصفها بوابة إجبارية للعلم والوظيفة. [1]
4. إعداد محتوى دراسي وكتب مدرسية ومصطلحات علمية عربية حديثة، مع تدريب المعلمين وتوحيد المصطلح والتقويم حتى لا يبقى التلميذ أسير الارتجال. [1]
5. فتح المسار بقوة أمام الإنجليزية كلغة علم واتصال دولي، لا بوصفها بديلًا استعماريًا جديدًا، بل لغة عبور إلى الاقتصاد الرقمي والبحث العلمي وسلاسل القيمة العالمية. [6]

إن الدفاع عن الفرنسية في التعليم المغاربي اليوم لم يعد دفاعًا عن “تعددية جميلة”، بل عن منظومة أثبتت أنها تُبطئ التعلم، وتعمّق الفوارق، وتستهلك المال العام بلا مردود كافٍ. والجرأة المطلوبة ليست في ترقيع الخلل، بل في الاعتراف بأن المدرسة لا تُبنى بلغة النخبة، وإنما بلغة الفهم. وحين يَفهم الطفل، يتعلم. وحين يتعلم جيدًا، ينتج. وحين ينتج، ينهض الاقتصاد. وهذا هو الامتحان الحقيقي لأي سياسة لغوية تريد أن تنتمي إلى هذا العصر. [1]





[1]: https://documents1.worldbank.org/curated/en/517851626203470278/pdf/Effective-Language-of-Instruction-Policies-for-Learning.pdf "World Bank Document"
[2]: https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2020.00146/full "Frontiers | The Development of Morphological Knowledge and Spelling in French"
[3]: https://www.worldbank.org/en/news/feature/2015/02/11/making-public-education-count-in-morocco "Making Public Education Count in Morocco"
[4]: https://carnegieendowment.org/sada/2023/07/the-politics-of-language-in-algerian-education "The Politics of Language in Algerian Education | Carnegie Endowment for International Peace"
[5]: https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2021/07/14/teaching-young-children-in-the-language-they-speak-at-home-is-essential-to-eliminate-learning-poverty "Teaching young children in the language they speak at home is essential to eliminate Learning Poverty"
[6]: https://apnews.com/article/2392cf1863c39a66a14e9892627fc1d8?utm_source=chatgpt.com "Algeria forces Francophone schools to adopt Arabic curriculum but says all languages are welcome"



   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 333969

babnet