JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

عصر الذكاء الاصطناعي: هل انتهى زمن التسامح مع عدم الكفاءة؟

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a60f4627d04d2.88342330_ekolqinfghpmj.jpg>


بقلم: م.د. عماد الحسين
المعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان


يشهد العالم اليوم ثورة تكنولوجية غير مسبوقة يقودها الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح حاضراً بقوة في المؤسسات الاقتصادية والإدارات العمومية والجامعات والمهن الحرة. ففي ثوانٍ معدودة، باتت هذه الأنظمة قادرة على كتابة النصوص، وتحليل المعطيات، وإعداد التقارير، وترجمة الوثائق، بل والمساعدة الفعالة على اتخاذ القرار.

ورغم ما يثيره هذا التطور المتسارع من حماس لدى البعض ومخاوف لدى آخرين، فإن السؤال الأهم والأعمق لا يتعلق بالآلات أو الخوارزميات، بل بمكانة الكفاءة البشرية وقيمتها في عالم أصبحت فيه بعض المهام تُنجز بسرعة ودقة تفوق أحياناً ما يستطيع الإنسان تقديمه.




على مدى عقود، تمكنت العديد من المؤسسات من مواصلة نشاطها رغم وجود أوجه قصور مختلفة: إجراءات إدارية معقدة، أخطاء متكررة، بطء في الإنجاز، أو أساليب عمل لم تعد تواكب العصر. وكانت هذه النقائص تُخفى أحياناً بفعل الروتين أو بفضل زيادة عدد الموظفين أو طول آجال التنفيذ. أما اليوم، فإن هامش التسامح مع هذه الاختلالات بدأ يتقلص بشكل ملحوظ.

فالذكاء الاصطناعي لا يخلق نقاط الضعف بقدر ما يكشفها. فهو يسلط الضوء على مواطن الخلل التي كانت تمر سابقاً دون أن تثير الانتباه. وتُعد الأعمال الروتينية والمتكررة أول المجالات المعنية بهذه التحولات، إذ أصبحت عمليات إدخال البيانات، ومعالجة الوثائق، وإعداد التقارير الإدارية قابلة للأتمتة بسرعة وكفاءة لافتتين.

غير أن التحول الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في نوعية المهارات المطلوبة مستقبلاً. ويمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يكشف اليوم عن ثلاثة أنواع من عدم الكفاءة قد تصبح أكثر وضوحاً خلال السنوات القادمة.

أول هذه الأنواع هو ضعف الكفاءة التقنية المرتبطة بالمهام التكرارية. فكلما كانت الوظيفة قائمة على تطبيق إجراءات آلية ثابتة ومحددة، ازدادت إمكانية تعويضها بالأنظمة الذكية. وعندها تنتقل القيمة المضافة للعمل البشري نحو التحليل والتقييم والإبداع وحل المشكلات المعقدة.

أما النوع الثاني فيتمثل في ضعف القدرة على التكيف مع المتغيرات. فالتاريخ يثبت أن التقدم التكنولوجي كان دائماً في صالح من يمتلكون استعداداً للتعلم والتجدد، وأن مقاومة الابتكار بدعوى حماية المهن أو الحفاظ على الوضع القائم ليست سوى معركة مؤجلة الخسارة. ويُستحضر هنا مثال الدولة العثمانية التي تأخرت في تبني المطبعة لسنوات طويلة، مدفوعة بمخاوف تتعلق بمصير فئة الخطاطين والحفاظ على أساليب الإدارة التقليدية، وهو ما أسهم في تعميق الفجوة المعرفية والحضارية بينها وبين أوروبا التي كانت تشهد آنذاك نهضة علمية وثقافية متسارعة. واليوم، يتكرر المشهد في ثوب رقمي جديد؛ فلم يعد التميز المهني يُقاس بحجم المعرفة المخزنة في الأذهان أو الأرشيفات، بل بالقدرة على استثمار الأدوات الذكية وتوظيفها بفاعلية لرفع الإنتاجية وتحسين جودة العمل. أما الانغلاق على الأساليب القديمة ورفض التكيف مع التحولات الجارية، فلن يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى التراجع وفقدان القدرة على المنافسة، وربما إلى الإقصاء التدريجي من سوق العمل ومن حركة التاريخ نفسها.

أما النوع الثالث فيخص أساليب الإدارة والقيادة. فالكثير من المسؤولين كانوا يقضون جزءاً مهماً من وقتهم في إعداد التقارير ومتابعة المؤشرات والتنسيق الإداري. ومع تطور الأدوات الرقمية والأنظمة الذكية، أصبحت هذه المهام أكثر سهولة وأقل استهلاكاً للوقت. وبالتالي، فإن ما يميز المدير الناجح اليوم لم يعد قدرته على إنتاج الجداول والتقارير، بل قدرته على رسم الرؤية، وتحفيز الفرق، واتخاذ القرارات في الظروف المعقدة وغير المؤكدة.

وتونس ليست بمنأى عن هذه التحولات العالمية. فعديد القطاعات، مثل مراكز النداء والبنوك وشركات التأمين والخدمات الإدارية، بدأت تشهد دخولاً متزايداً للتقنيات الذكية القادرة على إنجاز مهام كانت تُنفذ سابقاً بشكل يدوي. ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه التغييرات ستحدث أم لا، بل مدى سرعة انتشارها وتأثيرها في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد تهديد لمواطن الشغل. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الابتكارات الكبرى تُلغي بعض الأنشطة لكنها في المقابل تخلق فرصاً ومهنًا جديدة. وهي في الغالب تعيد تشكيل الوظائف أكثر مما تؤدي إلى اختفائها بالكامل.

في قطاع الصحة مثلاً، تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي الأطباء على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية ودعم التشخيص. وفي مجال التعليم، تساهم في إعداد المحتويات البيداغوجية ومتابعة المتعلمين بصورة أكثر تخصيصاً. أما في مجالات الهندسة والعمارة، فقد أصبحت قادرة على تسريع الدراسات الفنية والمحاكاة والاختبارات التقنية.

ويُعد المهندس المدني مثالاً واضحاً على ذلك. فبرامج الذكاء الاصطناعي الحديثة قادرة على المساعدة في حساب الهياكل الخرسانية والمعدنية، واكتشاف بعض أخطاء التصميم، وتسريع إعداد المخططات الفنية. لكن المسؤولية النهائية تظل دائماً على عاتق المهندس. فالآلة يمكن أن تقترح، لكنها لا تتحمل نتائج الخطأ ولا تبعات القرار. ولذلك تبقى الخبرة البشرية عنصراً لا غنى عنه.

إن هذه التحولات تؤكد حقيقة أساسية مفادها أن الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الذكاء البشري، بل يغير الطريقة التي يخلق بها الإنسان القيمة. فكلما ازدادت قوة الأدوات الذكية، ازدادت أهمية الصفات الإنسانية التي يصعب على الآلات تقليدها، مثل الحكم السليم، والتفكير النقدي، والالتزام الأخلاقي، والإبداع، والقدرة على الإقناع والقيادة.

لكن ثمة خطراً آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي. فالإفراط في الاعتماد على الأنظمة الذكية قد يؤدي إلى نوع جديد من التبعية الفكرية. واستخدام أداة دون فهم آليات عملها، أو قبول نتائجها دون تدقيق، أو اتخاذ قرارات اعتماداً عليها دون استيعاب أسسها، كلها ممارسات قد تخلق هشاشة معرفية خطيرة.

ولهذا فإن كفاءة المستقبل لن تقتصر على معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، بل ستشمل أيضاً القدرة على تقييم مخرجاته، واكتشاف أخطائه، وفهم حدوده. ففي عالم أصبحت فيه الإجابات متاحة بضغطة زر، تصبح جودة الأسئلة هي الميزة الحقيقية التي تصنع الفرق.

وبالنسبة إلى تونس، فإن الرهان يتجاوز الجانب التقني البحت. فهو يرتبط بمستقبل منظومتنا التعليمية، وبقدرة مؤسساتنا الاقتصادية والإدارية على مواكبة التحولات المتسارعة. كما يتطلب الاستثمار في التكوين المستمر وترسيخ ثقافة التعلم مدى الحياة، حتى يظل المواطن قادراً على التأقلم مع مهن تتغير باستمرار.

في النهاية، لا يهدد الذكاء الاصطناعي العمل البشري بقدر ما يعيد تعريف قيمته. فالكفاءة في عالم الغد لن تُقاس فقط بما نعرف إنجازه بأنفسنا، بل أيضاً بقدرتنا على التعلم والتكيف والاستفادة الذكية من الأدوات المتاحة.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل سيعوض الذكاء الاصطناعي الإنسان؟ بل: هل سننجح في تطوير المهارات التي تجعل الإنسان عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه مهما بلغت قوة الآلة؟

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 333324

babnet