JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

من عوائق التطور

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a36ec7a8ce1f9.37150167_hoqpmnligfkje.jpg>


بقلم: نورالدين بن منصور

في رأيي، تنبع العديد من مشاكل مجتمعنا من حقيقتين أساسيتين.


نخبة منفصلة عن المجتمع

تتمثل الحقيقة الأولى في وجود فجوة واضحة بين جزء من النخبة التونسية وعامة الشعب، حيث يعيش كل طرف في عالمه الخاص، ويكاد ينعدم التواصل الفكري والثقافي بينهما. وتبرز هذه القطيعة، وفق وجهة نظري، لدى بعض المنبهرين بالثقافة الفرنسية، لا بمجرد الناطقين بها، ممن ينظرون إلى الثقافة العربية نظرة استعلائية، ويعتبرون أن اللغة العربية لا تتماشى مع متطلبات الحداثة والتطور.




ويذهب هؤلاء، في تقديري، إلى تحميل اللغة العربية مسؤولية التعثر التنموي، في حين أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في اللغة ذاتها، بل في غياب مشروع وطني قادر على توظيفها في خدمة المعرفة والإبداع.

التقدم العلمي يبدأ باللغة الأم

أما الحقيقة الثانية فتتمثل في أن أي مشروع تنموي وعلمي ناجح لا يمكن أن يتحقق إلا بالاعتماد على اللغة الأم، مع الانفتاح في الوقت نفسه على اللغات الأجنبية وإتقانها.

فجميع الدول الصناعية الكبرى بنت نهضتها العلمية بلغاتها الوطنية، سواء في اليابان أو كوريا الجنوبية أو الصين أو ألمانيا. ولم يكن استخدام اللغة الوطنية يوما عائقا أمام التطور، بل كان أحد أهم أدواته.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مراجعة السياسات التعليمية بما يضمن تعزيز مكانة اللغة العربية في تدريس العلوم والمعارف، مع المحافظة على تعلم اللغات الأجنبية باعتبارها أدوات إضافية للانفتاح على العالم.

أين أثر البحث العلمي؟

يطرح هذا الواقع تساؤلات مشروعة حول مدى مساهمة البحث العلمي التونسي في تطوير الاقتصاد والصناعة الوطنية.

فكم من مشروع بحثي جامعي تحول إلى تطبيق صناعي فعلي؟ وكم من دراسة أكاديمية ساهمت في خلق الثروة أو تطوير التكنولوجيا المحلية؟

إن قيمة الجامعة لا تقاس بعدد الشهادات التي تمنحها فحسب، بل بمدى قدرتها على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى حلول عملية تخدم المجتمع والاقتصاد.

دروس من التجارب الدولية

عندما ننظر إلى تجربة كوريا الجنوبية، التي كانت في خمسينات القرن الماضي قريبة من مستوى العديد من الدول النامية، ندرك أن التقدم لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية وطنية واضحة استثمرت في التعليم والبحث العلمي واللغة الوطنية.

وينطبق الأمر ذاته على الصين التي نجحت في بناء قوة اقتصادية عالمية بالاعتماد على لغتها وثقافتها الخاصة، مع انفتاح واسع على المعرفة الدولية.

الوطنية العلمية قبل كل شيء

إن تحديث البلاد لا يتحقق باستيراد الأفكار الجاهزة أو تقليد النماذج الأجنبية بشكل أعمى، بل من خلال بناء ما يمكن تسميته بـ"الوطنية العلمية"، أي الإيمان بقدرة البلاد على إنتاج المعرفة وتطويرها وتوظيفها لخدمة التنمية.

كما أن إتقان اللغات الأجنبية يظل ضرورة لا غنى عنها، لكن ذلك لا يجب أن يكون على حساب اللغة الأم أو الهوية الثقافية الوطنية.

أهمية التعليم باللغة الأم

تؤكد العديد من الدراسات التربوية أن التعليم باللغة الأم يساهم في تطوير القدرات الذهنية للأطفال، ويعزز ثقتهم بأنفسهم وانتماءهم الثقافي.

كما أن إتقان اللغة الأم يشكل قاعدة صلبة لتعلم لغات أخرى، حيث يتمتع الأطفال الذين يملكون أساسا لغويا متينا بقدرة أكبر على اكتساب معارف جديدة والتفاعل مع مختلف البيئات الثقافية.

اللغة والهوية والاندماج

اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي جزء أساسي من الهوية الفردية والجماعية. لذلك فإن الحفاظ على اللغة الأم يساهم في تعزيز الشعور بالانتماء والاستقرار النفسي والثقافي.

كما أن تشجيع اللغة الأم لا يتعارض مع الاندماج والانفتاح، بل يمكن أن يكون عاملا مساعدا عليه، لأن الشخص الواثق من هويته يكون أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع الآخرين.

خلاصة

المشكلة ليست في اللغة العربية، بل في طريقة تعاملنا مع المعرفة والتعليم والتنمية. فالتقدم الحقيقي يمر عبر الاستثمار في الإنسان، والبحث العلمي، والتعليم الجيد، وتعزيز الثقة في اللغة الوطنية، مع الانفتاح الذكي على اللغات والثقافات الأخرى.

إن بناء مستقبل أفضل لتونس يقتضي إرساء مشروع وطني يقوم على العلم والعمل والإبداع، ويجعل من المعرفة أداة للتنمية والسيادة والتقدم.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 331523

babnet