JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

الذهب في قمامتنا ... كيف يمكن للاقتصاد الدائري أن يُحرّر تونس من التضخم ويبني اقتصاد الغد؟

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a2c87e4adb813.31440766_mqnpoiehlfgkj.jpg>


بقلم: حامد الخراز — خبير في تنمية ريادة الأعمال

مقدمة: حدس مراهق أمام حالة الطوارئ في عصرنا

ذات يوم في المعهد، طلب منا أستاذ اللغة الفرنسية إعداد عرض حر. دون أن أعرف السبب، اخترت موضوعاً لم يتصدر عناوين أي صحيفة: "الماء مورد نادر". بالنسبة لي، كانت حماية المياه أمراً بديهياً بالفعل. بالعودة إلى الماضي، أدرك أن هذا الحدس البسيط لمراهق كان يحمل في طياته بذور ما نسميه اليوم بالاقتصاد الدائري والتنمية المستدامة.

بعد سنوات، قادتني هذه القناعة إلى الهند. من ماي إلى جوان 2026، أتيحت لي فرصة متابعة تدريب عالي المستوى حول التصرف في النفايات في EPTRI (معهد التدريب والبحوث لحماية البيئة)، في إطار برنامج ITEC (برنامج التعاون الفني والاقتصادي الهندي). إن رؤية كيف يدير بلد يضم مليار نسمة تحدياته البيئية الهائلة كانت بمثابة صدمة فكرية حقيقية. وأمام هذا الواقع، فرض سؤال نفسه بقوة: ماذا نفعل نحن في تونس بمواردنا المهدورة؟ كان لا بد من إلقاء نظرة جديدة على بلدي.




إليكم إذاً تحليلي. لننس الكلمات المعقدة والنظريات الصعبة. لننظر إلى واقعنا بمنطق سليم، إلى تاريخنا، وإلى حقائق ملموسة وموثقة.

الفصل الأول: الحمض النووي لتونس - عندما يلتقي الدين بالعلم

قبل استيراد قوانين من الغرب، دعونا نتذكر حقيقة أساسية: البيئة تجري في عروقنا. إنها محفورة في صميم ثقافتنا وروحانيتنا.

الإسلام: الإنسان ليس سوى حارس

يمنعنا الإسلام منعاً باتاً من تدمير الطبيعة. ثلاثة مبادئ عظيمة في القرآن الكريم تعلمنا ذلك بوضوح تام.

* المبدأ الأول هو تحريم التبذير، المعروف باسم "الإسراف". يُمنع منعاً باتاً تبديد ثرواتنا – كالماء والغذاء والطاقة.
* المبدأ الثاني هو مسؤوليتنا الكبرى، "الخلافة". نحن لسنا أصحاب الأرض بل نحن فقط حراسها المؤقتون، ومؤتمنون على أمانة مقدسة.
* المبدأ الثالث هو احترام التوازن، "الميزان". تلويث الطبيعة وزرع الفساد فيها بعد إصلاحها يُعتبر عملاً مذموماً ذا خطورة روحية كبرى.

هذه الآيات الثلاث ليست مجرد أوامر أخلاقية، بل تشكل عقيدة بيئية حقيقية نزلت قبل وقت طويل من إدراك العالم الصناعي لحجم أضراره.

عبقرية جداتنا

وجد هذا المنطق الروحاني السليم تأكيده العلمي في القرن الثامن عشر، بفضل أعمال الكيميائي الفرنسي الشهير أنطوان لافوازييه، الذي وضع أحد المبادئ الأساسية للكيمياء الحديثة:

"لا شيء يضيع، لا شيء يُخلق، كل شيء يتحول".

غير أن جداتنا لم ينتظرن لافوازييه ليفهمن ذلك. لقد كن يطبقنه كل يوم، بالفطرة، في مطابخهن. في الماضي، لم نكن نرمي بقايا الطعام أبداً، بل كنا نحولها في اليوم التالي إلى طبق جديد. كنا نرقع الملابس، ونصلح الأدوات، ونعيد استخدام كل مادة حتى رمقها الأخير.

اليوم، جرد عالمنا الحديث من هذه الحكمة الممتدة لآلاف السنين. تذكروا أجهزة التلفاز القديمة أو الثلاجات التي كانت تدوم ثلاثين عاماً دون أن تتعطل. في المقابل، يصنع عصرنا عن قصد أشياء هشة لإجبارنا على الشراء باستمرار. هذا ما يسمى بـ التقادم المبرمج.

إن نموذج التبذير المنظم هذا ليس قدراً محتوماً، بل هو خيار اقتصادي، وهو اليوم عدونا الأكبر على الصعيدين البيئي والاقتصادي.

الفصل الثاني: درس بحيرة تونس - التنظيف من أجل الثراء

هذه الحكمة المتوارثة ليست مجرد فلسفة جميلة، فتاريخ عاصمتنا يوضح أن تدهور الطبيعة له تكلفة باهظة، في حين أن استعادتها يمكن أن تصبح مصدراً هائلاً للثروة الجماعية.

في بداية الثمانينيات، أصبحت بحيرة تونس ملوثة بشدة، وتنبعث منها روائح كريهة، وقد فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها البيئية والاقتصادية.

في مواجهة هذه الأزمة، أطلقت الدولة التونسية برنامجاً واسعاً لإعادة التأهيل والتطهير، لا سيما بفضل شراكة استراتيجية مع مجموعة البركة السعودية في إطار اتفاقية وُقعت عام 1983.

وقد أدى تنظيف وتهيئة الضفاف تدريجياً إلى تحويل هذه المساحة المتدهورة إلى منطقة ذات قيمة مضافة عالية، لتظهر "ضفاف البحيرة" التي تعد اليوم من أكثر الأحياء جاذبية للاستثمار والشركات والخدمات والعقارات.

الاستنتاج بسيط: عندما تقترن الإرادة السياسية برؤية طويلة المدى وتمويل مناسب، تتحول استعادة البيئة من نفقة إلى استثمار.

الفصل الثالث: فخ الأرقام - قوانين ممتازة لكن نتائج ملموسة قليلة

على الورق، تمتلك تونس كل ما يلزم للنجاح.

يتولى الديوان الوطني للتطهير (ONAS) معالجة مياه الصرف الصحي، بينما تلعب الوكالة الوطنية لحماية المحيط (ANPE) دور شرطة مكافحة التلوث. وتشرف الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات (ANGed) على جمع ومعالجة النفايات، في حين يواكب المركز الدولي لتكنولوجيا البيئة بتونس (CITET) المؤسسات في انتقالها البيئي.

لكن الحقيقة مقلقة.

وفقاً للصحافة المتخصصة، تنتج تونس حوالي 10 آلاف طن من النفايات يومياً، أي ما يقارب 3.5 مليون طن سنوياً.

ومع ذلك، لا نعيد تدوير سوى 7 بالمائة فقط من نفاياتنا، بينما يُطمر الباقي في المصبات.

في سنة 2026، تبلغ ميزانية وزارة البيئة حوالي 505 ملايين دينار، لكن ما يقارب 90 بالمائة منها يستهلك في إدارة مياه الصرف الصحي.

ويعقد الأمل حالياً على مشروع قانون بيئي جديد يتضمن مراجعة نحو 400 فصل، ويفتح المجال أمام مشاركة أوسع للقطاع الخاص في قطاع الرسكلة.

الفصل الرابع: الحل الحقيقي - البدء من رياض الأطفال

الثورة الحقيقية ليست تشريعية، بل تربوية.

انظروا إلى فنلندا، الرائدة عالمياً في مجال رسكلة النفايات. فقد تعاونت الدولة مع شركات خاصة لتوزيع كتيبات تعليمية تفاعلية مجانية حول فرز النفايات على 60 ألف طفل في رياض الأطفال.

يتعلم الأطفال الفرز من خلال اللعب، ثم يصبحون هم من يدفعون آباءهم إلى اعتماد هذه السلوكيات داخل المنزل.

الدرس عميق: البيئة ليست في المقام الأول مسألة قوانين أو عقوبات، بل هي ثقافة تُنقل عبر الأجيال.

الفصل الخامس: الشركات الخاصة - من يجني المال حقاً؟

التكنولوجيا ذات التوجه العالمي

طورت شركة Water Kumulus آلة قادرة على تحويل رطوبة الهواء إلى مياه صالحة للشرب تعمل بالطاقة الشمسية فقط.

وفي جوان 2025 جمعت المؤسسة 3.1 مليون يورو من مستثمرين دوليين، وبدأت التوسع نحو الأسواق الخارجية.

الأجهزة الإلكترونية المستعملة: منجم ذهب معقد

تمثل النفايات الإلكترونية في تونس حوالي 100 ألف طن سنوياً.

ورغم ذلك، لم يعالج المركز العمومي الكبير للفرز في برج شاكير سوى 202 طن فقط خلال سنة 2025.

في المقابل، نجحت شركة WeFix في إنقاذ 80 طناً من الأجهزة الإلكترونية عبر إصلاحها وإعادة بيعها بأسعار تقل بنحو 60 بالمائة عن أسعار الأجهزة الجديدة.

البرباشة: الحلقة المنسية

في قاعدة هذه السلسلة يوجد العمال غير الرسميين المعروفون باسم "البرباشة".

ويؤكد تاريخ نظام LEF-ECO أن إدماج هؤلاء ضمن الاقتصاد المنظم يمكن أن يخلق عشرات الآلاف من مواطن الشغل المهيكلة.

النفايات المنزلية

تقدم شركة Colibris خدمة جمع النفايات المفروزة من المنازل مجاناً، وهي تنشط حالياً في 9 ولايات وتضم أكثر من 2000 مستخدم.

لكن هذا النموذج يبقى هشاً اقتصادياً ويحتاج إلى شراكات حقيقية بين القطاعين العام والخاص (PPP).

الفصل السادس: السلاح السري ضد غلاء المعيشة - التضخم والعولمة

الخصم الأول: العولمة

المنتجات المصنعة بكميات ضخمة في آسيا غالباً ما تكون أرخص من المنتجات المعاد تدويرها محلياً، وهو ما يضعف القدرة التنافسية للصناعة الدائرية التونسية.

الخصم الثاني: التضخم

هنا يظهر الاقتصاد الدائري كامل قوته.

فإذا تمكن الفلاح التونسي من إنتاج سماده العضوي من النفايات المحلية مثل المرجين والفيتورة ومخلفات الأسماك، فإنه لن يحتاج إلى استيراد الأسمدة الكيميائية من الخارج.

وهذا يعني:

* تقليص الواردات
* خفض التكاليف
* الحد من التضخم
* تعزيز السيادة الاقتصادية

ولتشجيع هذه الديناميكية، خصص قانون المالية لسنة 2025 مبلغ 10 ملايين دينار عبر صندوق إزالة التلوث (FODEP) لتمويل المشاريع الخضراء.

خاتمة: مستقبلنا ليس مجرد شعار

الاقتصاد الدائري ليس رفاهية مخصصة للدول الغنية، بل هو سلاح اقتصادي استراتيجي يمكن أن يساعد تونس على مواجهة التضخم، وتقليص التبعية للخارج، وخلق الثروة وفرص العمل.

لدينا إيمان يحرم التبذير، وحكمة متوارثة عبر الأجيال، ورواد أعمال يحولون النفايات إلى ثروات، وباحثون يبتكرون حلولاً جديدة، وعمال يفرزون النفايات حيث لا ينظر أحد.

الطريق واضح ويتلخص في ثلاث أولويات:

* تعليم الأطفال فرز النفايات منذ رياض الأطفال
* إدماج وحماية العاملين في قطاع الرسكلة
* دعم الصناعة الدائرية الوطنية

إن استعادة السيطرة على اقتصادنا من خلال مواردنا المحلية هو الطريق نحو السيادة الاقتصادية الحقيقية.

وهذه السيادة تبدأ من نفاياتنا.


المصادر


1. Tunisie : 10 000 tonnes de déchets par jour, seulement 7% recyclés
https://lechotunisien.com/tunisie-10-000-tonnes-de-dechets-par-jour-seulement-7-recycles/
2. La startup tunisienne Kumulus Water lève plus de 3 millions d'euros
https://www.ilboursa.com/marches/la-startup-tunisienne-kumulus-water-leve-plus-de-3-millions-deuros_52994
3. Le rôle des « Berbechas » en Tunisie : Le pilier marginalisé de l'économie circulaire ?
https://journals.openedition.org/vertigo/48747
4. Colibris : la première startup tunisienne spécialisée dans la collecte des déchets en porte à porte
https://managers.tn/2021/08/26/colibris-la-premiere-startup-tunisienne-specialisee-dans-la-collecte-des-dechets-en-porte-a-porte/
5. Tunisie - PLF 2025 : L'économie circulaire au cœur des priorités
https://www.webdo.tn/fr/actualite/national/tunisie-plf-2025-l-economie-circulaire-au-coeur-des-priorites/217025/

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 331044

babnet