اتفاق واشنطن وطهران: هدنة الضرورة أم تأجيل المواجهة الكبرى؟
بقلم م. وسام الأطرش
في لحظة يترقب فيها العالم الإعلان الرسمي عن واحدة من أكثر التفاهمات حساسية في الشرق الأوسط، أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن النص النهائي لمذكرة تفاهم إسلام آباد قد أُنجز بصورة كاملة، وأن مراسم التوقيع الرسمي ستُعقد يوم الجمعة 19/06/2026 في سويسرا. وفي الوقت نفسه، كشف المسؤول الإيراني عن مباحثات أجراها مع سفيري الصين وروسيا في طهران
حول آخر المستجدات المتعلقة بالمذكرة، قبيل الإعلان عن التوصل إلى اتفاق، مؤكداً أن الشراكة الاستراتيجية والتنسيق القائم بين الدول الثلاث سيستمران خلال المرحلة المقبلة.
للوهلة الأولى، قد يبدو المشهد وكأنه نهاية لمرحلة طويلة من التوتر وافتتاح لمرحلة جديدة من الاستقرار. غير أن القراءة المتأنية للتطورات تشير إلى أن أهمية الاتفاق لا تكمن في بنوده الأربعة عشر، بل في طبيعة البيئة السياسية التي أُنتج فيها. فالمذكرة لا تأتي نتيجة ثقة متبادلة بين الطرفين، بل نتيجة إدراك متبادل لكلفة استمرار الأزمة، ولحجم المخاطر التي قد تترتب على غياب أي إطار ينظم العلاقة بينهما.
ولعل التصريح الأهم في هذا السياق كان تأكيد غريب آبادي أن مذكرة التفاهم صيغت في ظل استمرار حالة عدم الثقة، وأن إيران ستتابع بدقة مدى التزام الولايات المتحدة بتنفيذ تعهداتها. هذه العبارة وحدها تكفي لفهم طبيعة المرحلة المقبلة؛ فالاتفاق لا يعكس مصالحة سياسية، ولا يمثل تحولاً جذرياً في العلاقة بين البلدين، بل يشكل محاولة لإدارة الخلافات ضمن حدود يمكن السيطرة عليها.
من هنا، يصعب النظر إلى الاتفاق باعتباره نهاية للملف النووي الإيراني. فالملف الذي شغل المجتمع الدولي لعقود لم يعد مجرد قضية تقنية تتعلق بمستويات التخصيب أو آليات الرقابة، بل أصبح جزءاً من معادلة الردع والتوازن الإقليمي. ولذلك فإن القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مستقبل اليورانيوم عالي التخصيب والضمانات المرتبطة بالبرنامج النووي، ستبقى محوراً أساسياً للجدل والتفاوض حتى بعد التوقيع الرسمي.
وتدرك الولايات المتحدة أن أي اتفاق لا يتضمن معالجة هذه الملفات سيظل اتفاقاً ناقصاً من منظورها الاستراتيجي. كما تدرك إيران أن التخلي عن عناصر القوة التي راكمتها خلال السنوات الماضية من دون مقابل واضح ومضمون قد يفقدها إحدى أهم أوراقها التفاوضية. ولهذا السبب تبدو المذكرة أقرب إلى إطار لتنظيم الخلافات منها إلى تسوية نهائية لها.
في المقابل، يلفت الانتباه استمرار الحضور الصيني والروسي في المشهد التفاوضي. فإعلان طهران عن التنسيق المستمر مع بكين وموسكو في هذا التوقيت ليس تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل رسالة سياسية مفادها أن إيران لا تنظر إلى الاتفاق باعتباره انتقالاً من محور إلى آخر، ولا باعتباره إعادة تموضع استراتيجي بعيداً عن شركائها الدوليين. بل على العكس، يبدو أن طهران تسعى إلى إدارة علاقتها مع واشنطن بالتوازي مع الحفاظ على شبكة علاقاتها القائمة مع القوى الدولية الأخرى.
وهذا ما يمنح الاتفاق بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران. فالمفاوضات الجارية تعكس في جانب منها طبيعة النظام الدولي الراهن، حيث لم تعد الملفات الكبرى تُدار ضمن ثنائية قطبية واضحة، بل في إطار شبكة معقدة من المصالح والتوازنات المتداخلة. وفي هذا السياق، تحاول كل قوة دولية أو إقليمية تأمين موقعها وتحسين شروطها التفاوضية دون الانخراط في مواجهات مفتوحة غير مضمونة النتائج.
كما أن التطورات الحالية تكشف تحولاً مهماً في طبيعة إدارة الأزمات الدولية. فبعد عقود كانت فيها الاتفاقات تُقدَّم بوصفها أدوات لبناء الثقة، أصبحت التفاهمات اليوم تُصاغ في كثير من الأحيان لإدارة انعدام الثقة نفسه. والغاية لم تعد بالضرورة إزالة الخلافات، بل منعها من التحول إلى أزمات أكبر يصعب احتواؤها أو تضر بركائز النظام الرأسمالي العالمي نفسه.
من هذا المنطلق، فإن نجاح مذكرة التفاهم لن يُقاس بحفل التوقيع أو بالبيانات الرسمية التي سترافقه، بل بمدى قدرة الطرفين على تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، وبقدرتهما على التعامل مع الملفات المؤجلة التي لم تجد لها حلاً نهائياً حتى الآن. فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد التوقيع، لا قبله.
غير أن هناك عاملاً إضافياً قد يختبر متانة التفاهمات الجديدة خارج إطار الملف النووي، ويتمثل في الساحة اللبنانية. فحتى لو نجحت واشنطن وطهران في تثبيت التفاهمات المعلنة، يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية التعامل مع أي خرق محتمل لوقف إطلاق النار في لبنان من قبل الكيان الصهيوني، وما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة فعلاً لممارسة الضغوط اللازمة للحفاظ على التزاماتها السياسية والأمنية في حال وقوع مثل هذا السيناريو. فاستقرار أي تفاهم لا يرتبط فقط بسلوك أطرافه المباشرين، بل أيضاً بقدرة الجهات الضامنة أو المؤثرة على منع التطورات الميدانية من تقويض ما تحقق على طاولة التفاوض.
ومن هنا قد تتحول الساحة اللبنانية إلى أحد الاختبارات العملية الأولى لمدى جدية الالتزامات الأمريكية في المرحلة المقبلة، ولقدرة الاتفاق على الصمود أمام الضغوط الإقليمية المتشابكة.
لذلك، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان الاتفاق قد أُنجز بالفعل، بل ما إذا كان قادراً على الصمود في بيئة ما زالت تحكمها الشكوك المتبادلة والتباينات العميقة في المصالح والأهداف. فالاتفاق المرتقب قد ينجح في تخفيف التوتر وفتح نافذة جديدة للحوار، ومفاوضات جديدة تمتد لستين يوما، لكنه لا يغيّر حقيقة أن الخلافات الأساسية ما زالت قائمة، وأن الملف النووي الإيراني سيظل أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في معادلات المنطقة والعالم.
وعليه، يمكن النظر إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد بوصفها بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع، لا نهاية الصراع نفسه. مرحلة تسعى فيها الأطراف إلى تنظيم التنافس بدلاً من حسمه، وإلى احتواء المخاطر بدلاً من إلغائها، وإلى شراء الوقت في انتظار ما ستسفر عنه التحولات الإقليمية والدولية الأوسع. وفي عالم تتراجع فيه اليقينيات وتتقدم الحسابات المعقدة وتضعف فيه قدرة أمريكا على الحسم السريع، قد يكون تأجيل المواجهة الحتمية هو أكبر إنجاز يمكن تحقيقه من خلال هذا الاتفاق. وهل أصبح أي اتفاق أمريكي–إيراني اليوم بحاجة، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى موافقة أو دعم صيني حتى يكون قابلاً للحياة؟
في لحظة يترقب فيها العالم الإعلان الرسمي عن واحدة من أكثر التفاهمات حساسية في الشرق الأوسط، أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن النص النهائي لمذكرة تفاهم إسلام آباد قد أُنجز بصورة كاملة، وأن مراسم التوقيع الرسمي ستُعقد يوم الجمعة 19/06/2026 في سويسرا. وفي الوقت نفسه، كشف المسؤول الإيراني عن مباحثات أجراها مع سفيري الصين وروسيا في طهران
حول آخر المستجدات المتعلقة بالمذكرة، قبيل الإعلان عن التوصل إلى اتفاق، مؤكداً أن الشراكة الاستراتيجية والتنسيق القائم بين الدول الثلاث سيستمران خلال المرحلة المقبلة. للوهلة الأولى، قد يبدو المشهد وكأنه نهاية لمرحلة طويلة من التوتر وافتتاح لمرحلة جديدة من الاستقرار. غير أن القراءة المتأنية للتطورات تشير إلى أن أهمية الاتفاق لا تكمن في بنوده الأربعة عشر، بل في طبيعة البيئة السياسية التي أُنتج فيها. فالمذكرة لا تأتي نتيجة ثقة متبادلة بين الطرفين، بل نتيجة إدراك متبادل لكلفة استمرار الأزمة، ولحجم المخاطر التي قد تترتب على غياب أي إطار ينظم العلاقة بينهما.
ولعل التصريح الأهم في هذا السياق كان تأكيد غريب آبادي أن مذكرة التفاهم صيغت في ظل استمرار حالة عدم الثقة، وأن إيران ستتابع بدقة مدى التزام الولايات المتحدة بتنفيذ تعهداتها. هذه العبارة وحدها تكفي لفهم طبيعة المرحلة المقبلة؛ فالاتفاق لا يعكس مصالحة سياسية، ولا يمثل تحولاً جذرياً في العلاقة بين البلدين، بل يشكل محاولة لإدارة الخلافات ضمن حدود يمكن السيطرة عليها.
من هنا، يصعب النظر إلى الاتفاق باعتباره نهاية للملف النووي الإيراني. فالملف الذي شغل المجتمع الدولي لعقود لم يعد مجرد قضية تقنية تتعلق بمستويات التخصيب أو آليات الرقابة، بل أصبح جزءاً من معادلة الردع والتوازن الإقليمي. ولذلك فإن القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مستقبل اليورانيوم عالي التخصيب والضمانات المرتبطة بالبرنامج النووي، ستبقى محوراً أساسياً للجدل والتفاوض حتى بعد التوقيع الرسمي.
وتدرك الولايات المتحدة أن أي اتفاق لا يتضمن معالجة هذه الملفات سيظل اتفاقاً ناقصاً من منظورها الاستراتيجي. كما تدرك إيران أن التخلي عن عناصر القوة التي راكمتها خلال السنوات الماضية من دون مقابل واضح ومضمون قد يفقدها إحدى أهم أوراقها التفاوضية. ولهذا السبب تبدو المذكرة أقرب إلى إطار لتنظيم الخلافات منها إلى تسوية نهائية لها.
في المقابل، يلفت الانتباه استمرار الحضور الصيني والروسي في المشهد التفاوضي. فإعلان طهران عن التنسيق المستمر مع بكين وموسكو في هذا التوقيت ليس تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل رسالة سياسية مفادها أن إيران لا تنظر إلى الاتفاق باعتباره انتقالاً من محور إلى آخر، ولا باعتباره إعادة تموضع استراتيجي بعيداً عن شركائها الدوليين. بل على العكس، يبدو أن طهران تسعى إلى إدارة علاقتها مع واشنطن بالتوازي مع الحفاظ على شبكة علاقاتها القائمة مع القوى الدولية الأخرى.
وهذا ما يمنح الاتفاق بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران. فالمفاوضات الجارية تعكس في جانب منها طبيعة النظام الدولي الراهن، حيث لم تعد الملفات الكبرى تُدار ضمن ثنائية قطبية واضحة، بل في إطار شبكة معقدة من المصالح والتوازنات المتداخلة. وفي هذا السياق، تحاول كل قوة دولية أو إقليمية تأمين موقعها وتحسين شروطها التفاوضية دون الانخراط في مواجهات مفتوحة غير مضمونة النتائج.
كما أن التطورات الحالية تكشف تحولاً مهماً في طبيعة إدارة الأزمات الدولية. فبعد عقود كانت فيها الاتفاقات تُقدَّم بوصفها أدوات لبناء الثقة، أصبحت التفاهمات اليوم تُصاغ في كثير من الأحيان لإدارة انعدام الثقة نفسه. والغاية لم تعد بالضرورة إزالة الخلافات، بل منعها من التحول إلى أزمات أكبر يصعب احتواؤها أو تضر بركائز النظام الرأسمالي العالمي نفسه.
من هذا المنطلق، فإن نجاح مذكرة التفاهم لن يُقاس بحفل التوقيع أو بالبيانات الرسمية التي سترافقه، بل بمدى قدرة الطرفين على تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، وبقدرتهما على التعامل مع الملفات المؤجلة التي لم تجد لها حلاً نهائياً حتى الآن. فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد التوقيع، لا قبله.
غير أن هناك عاملاً إضافياً قد يختبر متانة التفاهمات الجديدة خارج إطار الملف النووي، ويتمثل في الساحة اللبنانية. فحتى لو نجحت واشنطن وطهران في تثبيت التفاهمات المعلنة، يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية التعامل مع أي خرق محتمل لوقف إطلاق النار في لبنان من قبل الكيان الصهيوني، وما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة فعلاً لممارسة الضغوط اللازمة للحفاظ على التزاماتها السياسية والأمنية في حال وقوع مثل هذا السيناريو. فاستقرار أي تفاهم لا يرتبط فقط بسلوك أطرافه المباشرين، بل أيضاً بقدرة الجهات الضامنة أو المؤثرة على منع التطورات الميدانية من تقويض ما تحقق على طاولة التفاوض.
ومن هنا قد تتحول الساحة اللبنانية إلى أحد الاختبارات العملية الأولى لمدى جدية الالتزامات الأمريكية في المرحلة المقبلة، ولقدرة الاتفاق على الصمود أمام الضغوط الإقليمية المتشابكة.
لذلك، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان الاتفاق قد أُنجز بالفعل، بل ما إذا كان قادراً على الصمود في بيئة ما زالت تحكمها الشكوك المتبادلة والتباينات العميقة في المصالح والأهداف. فالاتفاق المرتقب قد ينجح في تخفيف التوتر وفتح نافذة جديدة للحوار، ومفاوضات جديدة تمتد لستين يوما، لكنه لا يغيّر حقيقة أن الخلافات الأساسية ما زالت قائمة، وأن الملف النووي الإيراني سيظل أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في معادلات المنطقة والعالم.
وعليه، يمكن النظر إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد بوصفها بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع، لا نهاية الصراع نفسه. مرحلة تسعى فيها الأطراف إلى تنظيم التنافس بدلاً من حسمه، وإلى احتواء المخاطر بدلاً من إلغائها، وإلى شراء الوقت في انتظار ما ستسفر عنه التحولات الإقليمية والدولية الأوسع. وفي عالم تتراجع فيه اليقينيات وتتقدم الحسابات المعقدة وتضعف فيه قدرة أمريكا على الحسم السريع، قد يكون تأجيل المواجهة الحتمية هو أكبر إنجاز يمكن تحقيقه من خلال هذا الاتفاق. وهل أصبح أي اتفاق أمريكي–إيراني اليوم بحاجة، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى موافقة أو دعم صيني حتى يكون قابلاً للحياة؟




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 331183