"جيوبارك الظاهر" أول حديقة جيولوجية تونسية مسجلة لدى اليونسكو : وجهة عالمية فريدة ورافعة تنموية لقابس وتطاوين ومدنين
وات -
تختزل حديقة الظاهر الجيولوجية في الجنوب الشرقي التونسي، الممتدة على مساحة 6375 كلم² بين ولايات قابس وتطاوين ومدنين، فصولا متعاقبة من تاريخ الأرض يمتد بعضها إلى أكثر من 250 مليون سنة.
وبين طبقاتها الجيولوجية ومواقعها الأحفورية ومناظرها الطبيعية، تحتفظ المنطقة أيضا بتراث معماري وثقافي يجسد قدرة الإنسان على التكيف مع بيئة قاحلة، وقد توج هذا الثراء الطبيعي والثقافي بإدراج حديقة الظاهر ضمن شبكة الحدائق الجيولوجية العالمية لليونسكو، لتُصبح وجهة فريدة تجمع بين السياحة الجيولوجية والثقافية والبيئية، ورافعة محتملة للتنمية المحلية والجهوية بالمنطقة.
ومن أبرز معالم هذا الموقع، جبل طباقة الذي يحتوي على النتوء الصخري البحري الوحيد المعروف في أفريقيا الذي يعود إلى أكثر من 250 مليون سنة.
إدراج جيوبارك الظاهر على قائمة الحدائق الجيولوجية العالمية لليونسكو
خلال الدورة 224 للمجلس التنفيذي لليونسكو التي التأمت بباريس يوم 15 أفريل 2026، تمت المصادقة بالإجماع على الإدراج الرسمي لحديقة الظاهر على قائمة الحدائق الجيولوجية لليونسكو، وبذلك أصبحت تونس ثالث دولة إفريقية يتم تصنيف أحد مواقعها ضمن الحدائق الجيولوجية لليونسكو بعد المغرب (جيوبارك مكون) وتنزانيا (جيوبارك نجورونجورو Géoparc Ngorongoro-Lengai)، كما أصبحت تونس ضمن الدول العربية التي سجلت حدائق جيولوجية، بعد المملكة العربية السعودية التي سجلت موقعين وهما جيوبارك شمال الرياض وجيوبارك سلمى.
وبلغ العدد الجملي للمواقع التي تم تسجيلها إلى حدود اليوم 241 حديقة جيولوجية عالمية موزعة على 51 دولة، وتمتد على مساحة تقارب 885 ألف كلم².
وجاء تسجيل جيوبارك الظاهر بتونس، ثمرة تنسيق بين الوزارات والهياكل العمومية المعنية، والجماعات المحلية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وأكد السفير المندوب الدائم لتونس لدى اليونسكو، ضياء خالد، خلال اجتماع المجلس التنفيذي لليونسكو "الأهمية الاستراتيجية لإدراج حديقة الظاهر" ضمن قائمة التراث العالمي، معتبرا أن ذلك يعكس التزام تونس الراسخ بالمحافظة على تراثها الجيوثقافي وتثمينه على المستويين الوطني والإقليمي.
وبين بالمناسبة أن هذا الإدراج من شأنه أن يساهم في خلق ديناميكية جديدة تدفع التنمية الجهوية والمحلية، ويعزز تموقع تونس ضمن أبرز وجهات السياحة الثقافية والبديلة والسياحة المسؤولة بيئيا.
ثراء معماري يجسد عبقرية هندسية في مواجهة الطبيعة القاحلة
على المستوى المعماري، تتكون الحديقة الجيولوجية الظاهر من مساكن محفورة في الصخر، وقصور ("صوامع" (مخازن الحبوب المحصَّنة)، وكهوف منحوتة في السفوح الشرقية والجنوبية وتتميز بخصائص عازلة للحرارة، إلى جانب "الجسور" وهي أنظمة تقليدية عريقة للري.
وتجسد هذه التقنيات عبقرية بشرية متوارثة على مدى آلاف السنين، وتثبت قدرة الأمازيغ، أحفاد المجتمعات الأصلية في المنطقة، على التكيف مع هذه الجغرافيا القاحلة، كما تعكس العلاقة الوثيقة بين الجيولوجيا والتراث الثقافي. وتبعا لذلك، يمثل جيوبارك الظاهر رافعة تنموية قوية جديرة بالتثمين، بما يخدم الصمود الاقتصادي والسياحة البيئية والسياحة الجيولوجية لفائدة المنطقة.
ويتميز الموقع بتنوع استثنائي في الأوساط الطبيعية والموارد الجيولوجية والأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحلية، لنحو 330 ألف شخص يعيشون في هذه المنطقة التي تضم 12 جماعة محلية تمتد من مطماطة شمالا إلى رمادة جنوبا، حيث تُمثل الزراعة وتربية الماشية النشاطين الاقتصاديين الرئيسيين. ورغم تأثر هذين النشاطين بالظروف المناخية الجافة، فإن هناك عديد العوامل بالمنطقة تُظهر التكيف البشري مع هذه البيئة الصعبة، من بينها أساسا أنظمة المياه التقليدية، ومعاصر الزيتون، والقصور، والمساكن الكهفية، مما يربط الجيولوجيا بالتراث الثقافي والحلول المبتكرة لمشكلة ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة، وفق ما توضحه اليونسكو.
وقد أدى تحسين شبكة الطرقات والقرب من مطار جربة جرجيس إلى نمو السياحة، حيث تعمل الحديقة على تقديم تجربة أصيلة إلى الزوار، تتيح لهم استكشاف الحرف التقليدية وفنون الطبخ والممارسات المحلية المتوارثة، وفق اليونسكو.
ما هي الحدائق الجيولوجية العالمية؟
الحدائق الجيولوجية العالمية لليونسكو (جيوبارك) هي منطقة جغرافية متميزة تضم مواقع ومناظر طبيعية ذات أهمية جيولوجية دولية، تقع إدارتها وفق استراتيجية شاملة تقوم على الحماية والتثقيف والتنمية المستدامة. وتجمع هذه المقاربة، القائمة على تشريك مختلف الفاعلين المحليين في المحافظة على التراث والتنمية المستدامة، مع إشراك المجتمعات المحلية.
ووفق ما جاء على موقعها، منذ سنة 2015، تطلق اليونسكو تسمية "حديقة جيولوجية عالمية" لأقاليم تتميز جميعها بغنى تراثها الجيولوجي. إذ تقف هذه التكوينات الصخرية، والسلاسل الجبلية أو البركانية، والكهوف، والأودية، ومواقع الأحافير، والمناظر الصحراوية القديمة، شاهدة على تاريخ كوكبنا وتطوّره ومناخه. وتجمع هذه المواقع بين جهود الحفظ، والتثقيف البيئي، واعتماد نهجٍ مستدام لتحقيق التنمية، مع دعم الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في ترويج ثقافاتها ومعارفها العملية.
ويجري سنويا إدراج حدائق جديدة في الشبكة العالمية للحدائق الجيولوجية بناء على قرار يتخذه المجلس التنفيذي لليونسكو، وذلك عقب تقييم ، لطلبات الإدراج، يجريه مجلس الحدائق الجيولوجية العالمية، المؤلف من خبراء دوليين.
التصنيف الأخضر للحدائق الجيولوجية العالمية مؤقت وقد يتحول إلى بطاقة صفراء أو حمراء
تحصل كل منطقة مصنفة كحديقة جيولوجية عالمية لدى اليونسكو على هذا التصنيف لمدة أربع سنوات، يعاد إثرها تقييم دور الموقع وجودته بصورة معمقة ضمن مسار إعادة التصنيف، وفق ما تؤكده منظمة اليونسكو.
وفي إطار عملية إعادة التصنيف، يتعين على القائمين على الموقع الخاضع للتقييم إعداد تقرير حول أنشطته، كما يتولى خبيران تنفيذ مهمة ميدانية لإعادة تقييم مدى استيفائه لمعايير الجودة، استنادا إلى التقرير المُقدم.
وفي حال واصلت الحديقة استيفاء المتطلبات، تحتفظ بتصنيفها كحديقة جيولوجية عالمية لمدة أربع سنوات إضافية، وهذا التصنيف يطلق عليه "البطاقة الخضراء".
أما إذا لم يعد الموقع مستجيبا للمعايير، فيتم إعلام هيئة إدارته بذلك، وتمنح مهلة سنتين لاتخاذ التدابير المناسبة لإعادة تأهيله، وهو ما يعرف بـ"البطاقة الصفراء".
وفي حال لم يستجب الموقع للشروط المطلوبة خلال السنتين المواليتين لحصوله على "البطاقة الصفراء"، يفقد صفته كحديقة جيولوجية عالمية لليونسكو، بما يمثل "البطاقة الحمراء".
جيوبارك الظاهر.. شاهد بارز على 250 مليون سنة من تاريخ الأرض يحمل خصائص جيولوجية ذات أهمية دولية
يمثل جيوبارك الظاهر شاهدا جيولوجيا بارزا على 250 مليون سنة من تاريخ الأرض، ويبرز تطور الكوكب عبر العصور.
وحسب ما جاء في تعريف اليونسكو لحديقة الظاهر الجيولوجية، فإن هذه المنطقة التي تتموقع في الطرف الشمالي الشرقي من الصحراء، تتميز بوجود طبقات صخرية مسطحة محفوظة جيدا، تعود إلى حقبة الحياة الوسطى (حوالي 250- 66 مليون سنة)، فضلا عن وجود خصائص بتروغرافية ومعدنية وشكلية متنوعة تشكَّلت بفعل التعرية والتغيير. كما تقع بالقرب من "الصدع العظيم"، ويطلق عليه أيضا الأخدود الإفريقي العظيم، وهو أحد أقدم وأهم أنظمة الصدوع في إفريقيا وقد تناوله العديد من العلماء بالدرس خاصة ضمن مجالي الجيولوجيا وعلم الفلك.
تقع حديقة الظاهر ضمن منطقة الصدع العظيم، الذي انفتح قبل حوالي 200 مليون سنة، وأدى إلى تكوُّن محيط "تيثيس" وتفكك قارة "بانغيا" العملاقة إلى قارتَي "غوندوانا" و"لوراسيا"، في سياق ارتبط بتسجيل المنطقة لعمليات تكتونية وفيضانات بحرية وترسبات أحفورية.
ومن أبرز معالم حديقة الظاهر الجيولوجية، جبل طباقة من ولاية مدنين الذي يحتوي على النتوء الصخري البحري الوحيد المعروف في القارة الإفريقية العائد إلى العصر البرمي الأعلى، ويختزن ثروة من الأحافير البحرية التي تعود إلى أكثر من 250 مليون سنة، فضلا عن بنى حيوية مرجانية أحفورية، وهي شعاب من العصر البرمي شيدتها كائنات بحرية قديمة مثل المرجان، وتكشف هذه التفاصيل جانبا من الحياة البحرية التي عرفتها المنطقة في تلك الفترة.
نوع جديد من الديناصورات وتمساح بحري عملاق
تتميز المنطقة أيضا بتراثها الأحفوري، إذ أسهمت الانكشافات (التعرية) المتعاقبة بين نهاية العصر الجوراسي وبداية العصر "الكريتاسي" (الطباشيري)، أي منذ 150 إلى 100 مليون سنة، في الحفاظ على بقايا ديناصورات ثيروبودية (théropodes) وصوروبودية (sauropodes) وزواحف، ومن بين هذه الكائنات نوعان جديدان، هما الديناصور العاشب من فصيلة الريباكيسوريات (Rebbachisaurid)، وهو "Tataouinea hannibalis"، و" Machimosaurus rex"، أحد أضخم التماسيح البحرية المعروفة.
وتضم منطقة الظاهر، تبعا لذلك، مواقع مهمة للديناصورات تعود إلى العصر الجوراسي الأعلى والعصر الطباشيري الأدنى، انكشفت بمفعول "الرفع التكتوني" الذي تم خلال فترات متعاقبة وساهم في اكتشاف المنصة الصحراوية واستمرارها. وخلال هذه الفترة، جابت الديناصورات الثيروبودية والصوروبودية والزواحف في هذه المنطقة.
الحدائق الجيولوجية رافعة للتنمية المستدامة
توفر الحدائق الجيولوجية العالمية لليونسكو للمجتمعات المحلية آليات تمكنها من النشاط ومن تطوير شراكات بهدف التعريف بالخصوصيات الجيولوجية والخصائص والفترات التاريخية المرتبطة بهذه المناطق.
ويتم تصنيف الحدائق الجيولوجية العالمية في إطار مسار تشاركي بين مختلف الفاعلين والسلطات المحلية والجهوية المعنية بالمنطقة، (على غرار مالكي العقارات ومسديي الخدمات السياحية، والمنظمات المحلية...)، غير أن هذا المسار يتطلب التزاما فعليا من مكونات المجتمعات المحلية لتطوير شراكات محلية قوية ومتعددة الأطراف، بدعم عمومي وسياسي طويل الأمد، إلى جانب وضع استراتيجية شاملة تستجيب لمختلف أهداف المجتمعات المحلية، مع تثمين التراث الجيولوجي للمنطقة وحمايته.
أهداف تصنيف الحدائق الجيولولجية العالمية: ربط الجيولوجيا بالمجتمع البشري
تضم قائمة الحدائق الجيولوجية العالمية لليونسكو تراثا جيولوجيا ذا أهمية دولية. ومن الأهداف المركزية لهذا التصنيف، إعادة ربط المجتمعات البشرية بالكوكب الذي يحتضنها، والاحتفاء بكيفية إسهام كوكب الأرض على مدى التاريخ الممتد على 4.6 مليار سنة في تشكيل مختلف جوانب حياة الأفراد والمجتمعات، وفق ما توضحه اليونسكو.
كما يهدف هذا التصنيف إلى استكشاف الروابط بين هذا التراث الجيولوجي وجميع الجوانب الأخرى للتراث الطبيعي والثقافي المادي وغير المادي للمنطقة، فضلا عن تطوير هذه الروابط والاحتفاء بها، والتوعية بأهميتها وتثمينها على مر الأجيال.
وبين طبقاتها الجيولوجية ومواقعها الأحفورية ومناظرها الطبيعية، تحتفظ المنطقة أيضا بتراث معماري وثقافي يجسد قدرة الإنسان على التكيف مع بيئة قاحلة، وقد توج هذا الثراء الطبيعي والثقافي بإدراج حديقة الظاهر ضمن شبكة الحدائق الجيولوجية العالمية لليونسكو، لتُصبح وجهة فريدة تجمع بين السياحة الجيولوجية والثقافية والبيئية، ورافعة محتملة للتنمية المحلية والجهوية بالمنطقة.
ومن أبرز معالم هذا الموقع، جبل طباقة الذي يحتوي على النتوء الصخري البحري الوحيد المعروف في أفريقيا الذي يعود إلى أكثر من 250 مليون سنة.
إدراج جيوبارك الظاهر على قائمة الحدائق الجيولوجية العالمية لليونسكو
خلال الدورة 224 للمجلس التنفيذي لليونسكو التي التأمت بباريس يوم 15 أفريل 2026، تمت المصادقة بالإجماع على الإدراج الرسمي لحديقة الظاهر على قائمة الحدائق الجيولوجية لليونسكو، وبذلك أصبحت تونس ثالث دولة إفريقية يتم تصنيف أحد مواقعها ضمن الحدائق الجيولوجية لليونسكو بعد المغرب (جيوبارك مكون) وتنزانيا (جيوبارك نجورونجورو Géoparc Ngorongoro-Lengai)، كما أصبحت تونس ضمن الدول العربية التي سجلت حدائق جيولوجية، بعد المملكة العربية السعودية التي سجلت موقعين وهما جيوبارك شمال الرياض وجيوبارك سلمى.وبلغ العدد الجملي للمواقع التي تم تسجيلها إلى حدود اليوم 241 حديقة جيولوجية عالمية موزعة على 51 دولة، وتمتد على مساحة تقارب 885 ألف كلم².
وجاء تسجيل جيوبارك الظاهر بتونس، ثمرة تنسيق بين الوزارات والهياكل العمومية المعنية، والجماعات المحلية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وأكد السفير المندوب الدائم لتونس لدى اليونسكو، ضياء خالد، خلال اجتماع المجلس التنفيذي لليونسكو "الأهمية الاستراتيجية لإدراج حديقة الظاهر" ضمن قائمة التراث العالمي، معتبرا أن ذلك يعكس التزام تونس الراسخ بالمحافظة على تراثها الجيوثقافي وتثمينه على المستويين الوطني والإقليمي.
وبين بالمناسبة أن هذا الإدراج من شأنه أن يساهم في خلق ديناميكية جديدة تدفع التنمية الجهوية والمحلية، ويعزز تموقع تونس ضمن أبرز وجهات السياحة الثقافية والبديلة والسياحة المسؤولة بيئيا.
ثراء معماري يجسد عبقرية هندسية في مواجهة الطبيعة القاحلة
على المستوى المعماري، تتكون الحديقة الجيولوجية الظاهر من مساكن محفورة في الصخر، وقصور ("صوامع" (مخازن الحبوب المحصَّنة)، وكهوف منحوتة في السفوح الشرقية والجنوبية وتتميز بخصائص عازلة للحرارة، إلى جانب "الجسور" وهي أنظمة تقليدية عريقة للري.وتجسد هذه التقنيات عبقرية بشرية متوارثة على مدى آلاف السنين، وتثبت قدرة الأمازيغ، أحفاد المجتمعات الأصلية في المنطقة، على التكيف مع هذه الجغرافيا القاحلة، كما تعكس العلاقة الوثيقة بين الجيولوجيا والتراث الثقافي. وتبعا لذلك، يمثل جيوبارك الظاهر رافعة تنموية قوية جديرة بالتثمين، بما يخدم الصمود الاقتصادي والسياحة البيئية والسياحة الجيولوجية لفائدة المنطقة.
ويتميز الموقع بتنوع استثنائي في الأوساط الطبيعية والموارد الجيولوجية والأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحلية، لنحو 330 ألف شخص يعيشون في هذه المنطقة التي تضم 12 جماعة محلية تمتد من مطماطة شمالا إلى رمادة جنوبا، حيث تُمثل الزراعة وتربية الماشية النشاطين الاقتصاديين الرئيسيين. ورغم تأثر هذين النشاطين بالظروف المناخية الجافة، فإن هناك عديد العوامل بالمنطقة تُظهر التكيف البشري مع هذه البيئة الصعبة، من بينها أساسا أنظمة المياه التقليدية، ومعاصر الزيتون، والقصور، والمساكن الكهفية، مما يربط الجيولوجيا بالتراث الثقافي والحلول المبتكرة لمشكلة ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة، وفق ما توضحه اليونسكو.
وقد أدى تحسين شبكة الطرقات والقرب من مطار جربة جرجيس إلى نمو السياحة، حيث تعمل الحديقة على تقديم تجربة أصيلة إلى الزوار، تتيح لهم استكشاف الحرف التقليدية وفنون الطبخ والممارسات المحلية المتوارثة، وفق اليونسكو.
ما هي الحدائق الجيولوجية العالمية؟
الحدائق الجيولوجية العالمية لليونسكو (جيوبارك) هي منطقة جغرافية متميزة تضم مواقع ومناظر طبيعية ذات أهمية جيولوجية دولية، تقع إدارتها وفق استراتيجية شاملة تقوم على الحماية والتثقيف والتنمية المستدامة. وتجمع هذه المقاربة، القائمة على تشريك مختلف الفاعلين المحليين في المحافظة على التراث والتنمية المستدامة، مع إشراك المجتمعات المحلية.ووفق ما جاء على موقعها، منذ سنة 2015، تطلق اليونسكو تسمية "حديقة جيولوجية عالمية" لأقاليم تتميز جميعها بغنى تراثها الجيولوجي. إذ تقف هذه التكوينات الصخرية، والسلاسل الجبلية أو البركانية، والكهوف، والأودية، ومواقع الأحافير، والمناظر الصحراوية القديمة، شاهدة على تاريخ كوكبنا وتطوّره ومناخه. وتجمع هذه المواقع بين جهود الحفظ، والتثقيف البيئي، واعتماد نهجٍ مستدام لتحقيق التنمية، مع دعم الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في ترويج ثقافاتها ومعارفها العملية.
ويجري سنويا إدراج حدائق جديدة في الشبكة العالمية للحدائق الجيولوجية بناء على قرار يتخذه المجلس التنفيذي لليونسكو، وذلك عقب تقييم ، لطلبات الإدراج، يجريه مجلس الحدائق الجيولوجية العالمية، المؤلف من خبراء دوليين.
التصنيف الأخضر للحدائق الجيولوجية العالمية مؤقت وقد يتحول إلى بطاقة صفراء أو حمراء
تحصل كل منطقة مصنفة كحديقة جيولوجية عالمية لدى اليونسكو على هذا التصنيف لمدة أربع سنوات، يعاد إثرها تقييم دور الموقع وجودته بصورة معمقة ضمن مسار إعادة التصنيف، وفق ما تؤكده منظمة اليونسكو.وفي إطار عملية إعادة التصنيف، يتعين على القائمين على الموقع الخاضع للتقييم إعداد تقرير حول أنشطته، كما يتولى خبيران تنفيذ مهمة ميدانية لإعادة تقييم مدى استيفائه لمعايير الجودة، استنادا إلى التقرير المُقدم.
وفي حال واصلت الحديقة استيفاء المتطلبات، تحتفظ بتصنيفها كحديقة جيولوجية عالمية لمدة أربع سنوات إضافية، وهذا التصنيف يطلق عليه "البطاقة الخضراء".
أما إذا لم يعد الموقع مستجيبا للمعايير، فيتم إعلام هيئة إدارته بذلك، وتمنح مهلة سنتين لاتخاذ التدابير المناسبة لإعادة تأهيله، وهو ما يعرف بـ"البطاقة الصفراء".
وفي حال لم يستجب الموقع للشروط المطلوبة خلال السنتين المواليتين لحصوله على "البطاقة الصفراء"، يفقد صفته كحديقة جيولوجية عالمية لليونسكو، بما يمثل "البطاقة الحمراء".
جيوبارك الظاهر.. شاهد بارز على 250 مليون سنة من تاريخ الأرض يحمل خصائص جيولوجية ذات أهمية دولية
يمثل جيوبارك الظاهر شاهدا جيولوجيا بارزا على 250 مليون سنة من تاريخ الأرض، ويبرز تطور الكوكب عبر العصور.
وحسب ما جاء في تعريف اليونسكو لحديقة الظاهر الجيولوجية، فإن هذه المنطقة التي تتموقع في الطرف الشمالي الشرقي من الصحراء، تتميز بوجود طبقات صخرية مسطحة محفوظة جيدا، تعود إلى حقبة الحياة الوسطى (حوالي 250- 66 مليون سنة)، فضلا عن وجود خصائص بتروغرافية ومعدنية وشكلية متنوعة تشكَّلت بفعل التعرية والتغيير. كما تقع بالقرب من "الصدع العظيم"، ويطلق عليه أيضا الأخدود الإفريقي العظيم، وهو أحد أقدم وأهم أنظمة الصدوع في إفريقيا وقد تناوله العديد من العلماء بالدرس خاصة ضمن مجالي الجيولوجيا وعلم الفلك.
تقع حديقة الظاهر ضمن منطقة الصدع العظيم، الذي انفتح قبل حوالي 200 مليون سنة، وأدى إلى تكوُّن محيط "تيثيس" وتفكك قارة "بانغيا" العملاقة إلى قارتَي "غوندوانا" و"لوراسيا"، في سياق ارتبط بتسجيل المنطقة لعمليات تكتونية وفيضانات بحرية وترسبات أحفورية.
ومن أبرز معالم حديقة الظاهر الجيولوجية، جبل طباقة من ولاية مدنين الذي يحتوي على النتوء الصخري البحري الوحيد المعروف في القارة الإفريقية العائد إلى العصر البرمي الأعلى، ويختزن ثروة من الأحافير البحرية التي تعود إلى أكثر من 250 مليون سنة، فضلا عن بنى حيوية مرجانية أحفورية، وهي شعاب من العصر البرمي شيدتها كائنات بحرية قديمة مثل المرجان، وتكشف هذه التفاصيل جانبا من الحياة البحرية التي عرفتها المنطقة في تلك الفترة.
نوع جديد من الديناصورات وتمساح بحري عملاق
تتميز المنطقة أيضا بتراثها الأحفوري، إذ أسهمت الانكشافات (التعرية) المتعاقبة بين نهاية العصر الجوراسي وبداية العصر "الكريتاسي" (الطباشيري)، أي منذ 150 إلى 100 مليون سنة، في الحفاظ على بقايا ديناصورات ثيروبودية (théropodes) وصوروبودية (sauropodes) وزواحف، ومن بين هذه الكائنات نوعان جديدان، هما الديناصور العاشب من فصيلة الريباكيسوريات (Rebbachisaurid)، وهو "Tataouinea hannibalis"، و" Machimosaurus rex"، أحد أضخم التماسيح البحرية المعروفة.وتضم منطقة الظاهر، تبعا لذلك، مواقع مهمة للديناصورات تعود إلى العصر الجوراسي الأعلى والعصر الطباشيري الأدنى، انكشفت بمفعول "الرفع التكتوني" الذي تم خلال فترات متعاقبة وساهم في اكتشاف المنصة الصحراوية واستمرارها. وخلال هذه الفترة، جابت الديناصورات الثيروبودية والصوروبودية والزواحف في هذه المنطقة.
الحدائق الجيولوجية رافعة للتنمية المستدامة
توفر الحدائق الجيولوجية العالمية لليونسكو للمجتمعات المحلية آليات تمكنها من النشاط ومن تطوير شراكات بهدف التعريف بالخصوصيات الجيولوجية والخصائص والفترات التاريخية المرتبطة بهذه المناطق.ويتم تصنيف الحدائق الجيولوجية العالمية في إطار مسار تشاركي بين مختلف الفاعلين والسلطات المحلية والجهوية المعنية بالمنطقة، (على غرار مالكي العقارات ومسديي الخدمات السياحية، والمنظمات المحلية...)، غير أن هذا المسار يتطلب التزاما فعليا من مكونات المجتمعات المحلية لتطوير شراكات محلية قوية ومتعددة الأطراف، بدعم عمومي وسياسي طويل الأمد، إلى جانب وضع استراتيجية شاملة تستجيب لمختلف أهداف المجتمعات المحلية، مع تثمين التراث الجيولوجي للمنطقة وحمايته.
أهداف تصنيف الحدائق الجيولولجية العالمية: ربط الجيولوجيا بالمجتمع البشري
تضم قائمة الحدائق الجيولوجية العالمية لليونسكو تراثا جيولوجيا ذا أهمية دولية. ومن الأهداف المركزية لهذا التصنيف، إعادة ربط المجتمعات البشرية بالكوكب الذي يحتضنها، والاحتفاء بكيفية إسهام كوكب الأرض على مدى التاريخ الممتد على 4.6 مليار سنة في تشكيل مختلف جوانب حياة الأفراد والمجتمعات، وفق ما توضحه اليونسكو.كما يهدف هذا التصنيف إلى استكشاف الروابط بين هذا التراث الجيولوجي وجميع الجوانب الأخرى للتراث الطبيعي والثقافي المادي وغير المادي للمنطقة، فضلا عن تطوير هذه الروابط والاحتفاء بها، والتوعية بأهميتها وتثمينها على مر الأجيال.




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 334581