JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

القصرين: حصيرة الحلفاء ... تراث يقاوم الإندثار ويفتح آفاقا جديدة للعيش

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a733bc04e71e1.46114476_pqjiekolhgfnm.jpg>


وات - تحرير لطيفة مدوخي – بين ألياف الحلفاء التي تتشابك بهدوء على "السداية"، وأصابع نساء حفظن أسرار الحرفة جيلا بعد جيل، تواصل حصيرة الحلفاء بالقصرين رواية قصة تراث ضارب في عمق التاريخ، تجاوز وظيفته التقليدية كوسيلة للافتراش ليغدو اليوم عنوانا للهوية الثقافية وموردا اقتصاديا واعدا، بفضل جهود متواصلة لإحياء هذا الموروث وتأهيل جيل جديد من الحرفيين القادرين على ضمان استمراريته.
تعدّ حصيرة الحلفاء من أعرق الصناعات التقليدية في تونس، إذ يعود استعمال نبتة الحلفاء إلى العهدين النوميدي والروماني، حيث استخدمت في صناعة الحصر والحبال والسلال وغيرها من المستلزمات اليومية، قبل أن تتوارثها الأجيال في مناطق الوسط الغربي ومنها ولاية القصرين التي ظلت على امتداد قرون المعقل الأبرز لهذه الحرفة خاصة بمعتمديات سبيطلة وماجل بلعباس وتالة وفريانة وحاسي الفريد، واشتهرت نساؤها بمهارتهنّ في نسج الحصائر يدويا حتى أصبحت من أبرز رموز التراث الحرفي بالجهة.
وما زالت حصيرة الحلفاء، رغم تغير أنماط العيش، تحافظ على مكانتها كمنتوج طبيعي يجمع بين البعدين التراثي والوظيفي، حيث يعدّ هذا المنتوج إرثا حضاريا متوارثا عن الأجداد، يمتاز بخصائص صحية وطبيعية، يوفر الراحة للجسم ويمنح الدفء خلال فصل الشتاء والبرودة في فصل الصيف، وهو ما يفسر استمرار الإقبال عليه إلى اليوم، وفق ما بيّنه الإطار بالمندوبية الجهوية للصناعات التقليدية بالقصرين عادل محمدي في تصريح لصحفية وكالة تونس إفريقيا للأنباء.

لم تعد الحلفاء تقتصر على صناعاتها التقليدية بل نجحت في مواكبة متطلبات العصر لتصبح عنصرا أساسيا في التزويق الداخلي والتأثيث وصناعة المفروشات والإكسسوارات المنزلية والمنتجات الفنية، بما يعكس قدرة الحرفيين على تطوير هذا الموروث دون التفريط في أصالته، وفق محمدي.
وأضاف أنّ الصناعات المعتمدة على الحلفاء كانت تقتصر في الماضي على 5 أو 6 منتوجات من بينها "الحصيرة "و"العلاقة" و"الصناج "و"الزنبيل" ، قبل أن تعرف نقلة نوعية بفضل الإبتكار والتصميم، ليبلغ عدد المنتجات المصنوعة من الحلفاء اليوم أكثر من 140 منتوجا، وهو ما فتح آفاقا جديدة للتشغيل والإستثمار في هذا القطاع.
ورغم هذا التطور، ما زالت حرفة حصيرة الحلفاء تواجه تحديات حقيقية تهدّد استمراريتها، في مقدمتها تقلص عدد الحرفيات المتمكنات من تقنية "السداية" واقتصارها على النساء المتقدمات في السن، وهو ما دفع مختلف المتدخلين إلى إطلاق برامج لحماية هذا الموروث وضمان نقله إلى الأجيال الجديدة.



وفي هذا السياق، انخرطت المندوبية الجهوية للصناعات التقليدية بالقصرين عبر مركز التصميم بالقرية الحرفية، في برنامج متكامل لتثمين الحلفاء يقوم على التكوين والتأهيل وتطوير وسائل الإنتاج وإدماج الإبتكار في الصناعات التقليدية.
وفي إطار هذا التوجه، أطلق مركز التصميم (الذي افتتح في 17 نوفمبر 2025)، أوّل دورة تكوينية طويلة المدى في اختصاص "سداية حصيرة الحلفاء"، انطلقت خلال شهر جوان الفارط وتستمر طيلة ثلاثة أشهر، وذلك في إطار شراكة تجمع الديوان الوطني للصناعات التقليدية وبرنامج "تونس الإبداعية 2" والوكالة الوطنية للتشغيل والعمل المستقل والمركز الفني للزربية والحياكة، بهدف تكوين جيل جديد من الحرفيين والحرفيات القادرين على المحافظة على هذه الحرفة وتطويرها.
وبيّنت مديرة مركز التصميم رشيدة السعداوي لصحفية وكالة "وات" أنه تم احداث المركز في إطار برنامج "تونس الإبداعية" المموّل من الإتحاد الأوروبي والوكالة الإيطالية للتعاون من أجل التنمية والمنفّذ من قبل منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية بالشراكة مع الديوان الوطني للصناعات التقليدية.
ويمثل المركز فضاء للإبداع والإبتكار في مجال الصناعات التقليدية، يستهدف الحرفيين والشباب وخريجي المعاهد العليا للفنون والحرف والجمعيات ومراكز التكوين المهني، وهو يضم فضاءات مجهزة للتكوين والإجتماعات والمؤتمرات إلى جانب التجهيزات والمواد الأولية الضرورية لإنجاز مختلف الدورات، وفق السعداوي.
ونظم المركز منذ افتتاحه، 15 دورة تكوينية قصيرة المدى انتفع بها نحو 250 شابا وشابة فضلا عن دورات متوسطة وطويلة المدى، من بينها دورة سداية حصيرة الحلفاء التي تتواصل حاليا إلى موفى شهر أوت الجاري.
ومن داخل ورشة التكوين، تتجسّد عملية نقل هذا الإرث من جيل إلى آخر على يد الحرفية والمكونة مريم هلالي، التي ورثت أسرار المهنة عن والدتها ومن حرفيات في المجال، قبل أن تتحول بدورها إلى مكونة تعمل على إعداد جيل جديد من المقبلين على تعلم الحرفة.
وأوضحت هلالي أنها أشرفت، بدعم من برنامج "تونس الإبداعية"، على تكوين 12 فتاة بمنطقة الشرايع من معتمدية سبيطلة في مختلف مراحل صناعة حصيرة الحلفاء، بداية من إعداد "السداية" وصولا إلى تقنيات النسيج وإدراج زخارف عصرية تحافظ على روح المنتوج وتمنحه قيمة جمالية إضافية، وهي تواصل حاليا تكوين 10 شابات بمركز التصميم.
وبينت ان مرحلة "السداية" تعدّ الأصعب في هذه الحرفة، غير أن المتكونات تمكنّ في فترة وجيزة من اكتساب المهارات الأساسية بفضل سرعة استيعابهن ورغبتهن في تعلم هذا الإختصاص، مؤكدة أنّ تطوير تصميم "السداية" التقليدية، ساهم في إطار برنامج "تونس الإبداعية"، في التخفيف من مشقة العمل حيث كانت الحرفية تضطر إلى النسج وهي جاثية على ركبتيها لساعات طويلة، لتصبح عملية الإنتاج اليوم أكثر سهولة، بما يشجع الشباب على الإقبال على هذه الحرفة.
وأبرزت أن الطلب على حصيرة الحلفاء يشهد ارتفاعا متواصلا، سواء للإستعمال المنزلي أو في الديكور، بفضل خصائصها الطبيعية، فهي لا تحتفظ بالغبار وسهلة التنظيف، وتتميز بخفة وزنها مقارنة بالزرابي الصوفية، فضلا عن إمكانية تلوينها بأصباغ طبيعية مستخرجة من الكركم والحناء وقشور الرمان والشمندر وغيرها، أو بأصباغ صناعية، بما يثري تنوعها الجمالي.
واشارت في هذا الخصوص الى انّ توفير المادة الأولية ما زال يمثل أحد أبرز التحديات، إذ يعتمد جمع الحلفاء على عدد محدود من النساء اللاتي يقمن بقلعها من مناطق انتشارها خاصة بجبال سمامة، داعية إلى إحداث فضاء قانوني ومنظم لتجميع وبيع الحلفاء إلى جانب توفير "السداية"، حتى تتمكن المزيد من النساء من تعلم هذه الحرفة العريقة وممارستها.
وأضافت أن المتكونات سيتحصلن، في ختام الدورة، على شهادات تكوين تؤهلهن للحصول على شهادة الكفاءة المهنية والبطاقة الحرفية فضلا عن تمكينهن من النفاذ إلى آليات التمويل وخاصة عبر البنك التونسي للتضامن لبعث مشاريعهن الخاصة.
لم يقتصر أثر الدورة على تعلم تقنيات النسيج، بل فتح أمام المشاركات آفاقا جديدة للإندماج الإقتصاد، فقد أكدت المتكونة منية فريضي لصحفية "وات" أنها كانت تسمع عن حصيرة الحلفاء دون أن تدرك حجم المهارة التي تتطلبها صناعتها، معتبرة أن هذه التجربة شكلت اكتشافا حقيقيا وأنها تطمح إلى إتقان الحرفة وإطلاق مشروعها الخاص للمساهمة في المحافظة على هذا الكنز التراثي.
أمّا أحلام منصوري، وهي خريجة جامعية في اختصاص المالية، فقد رأت في الدورة فرصة لتحويل البطالة إلى مشروع حياة، مؤكدة أن احتكاكها اليومي بنساء منطقة الوساعية من معتمدية سبيطلة، اللواتي نجحن في تحويل الحلفاء إلى مصدر رزق، شجّعها على خوض التجربة خاصة في ظل تنامي الإقبال على المنتوجات البيئية المصنوعة من الحلفاء داخل تونس وخارجها.
وبين إرث تتناقله الأجيال وبرامج تكوين تراهن على الشباب وحرفيات يواصلن نقل أسرار المهنة، تبدو حصيرة الحلفاء اليوم أكثر من مجرد منتوج تقليدي فهي قصّة هوية محلية تتجدد، ورهان تنموي يجمع بين صون التراث وخلق مواطن الشغل، في سبيل الحفاظ على إحدى أبرز خصوصيات ولاية القصرين الثقافية والحرفية.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 334053

babnet