Bookmark article
Publié le Mercredi 05 Août 2026 - 16:27
قراءة: 4 د, 8 ث
وات -
احتضنت الدورة الستون لمهرجان قرطاج الدولي مساء الثلاثاء الحفل الوداعي الرسمي للمايسترو الإيطالي جيان بييرو ريفيربيري (Gian Piero Reverberi )، مؤسس فرقة "روندو فينيزيانو Rondò Veneziano"، الذي اختار المسرح الأثري بقرطاج ليكون محطة الختام لمسيرة فنية امتدت قرابة نصف قرن.
تأسست فرقة "روندو فينيزيانو" في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ونجحت في فرض حضورها على الساحة العالمية بفضل مشروع فني متفرد يمزج بين التراث الموسيقي لمدينة البندقية والإيقاعات المعاصرة، وذلك ضمن عالم بصري يستلهم أزياء القرن الثامن عشر وخصوصياته الجمالية.
وامتد الحفل نحو ساعتين، ظلت خلالها الفرقة وفية لهويتها الفنية التي تجمع بين الجمالية البصرية والأجواء الهادئة التي تميز حفلات موسيقى الحجرة (musique de chambre)، في عرض حافظ على التوازن بين الأداء الموسيقي والانضباط المسرحي.
ورغم أن المسرح الأثري لم يشهد حضورا جماهيريا كثيفا، فإن عشاق الموسيقى الإيطالية ممن واكبوا السهرة أظهروا مستوى عاليا من الإنصات والتركيز، إذ خيم الهدوء على المدارج، واختار أغلب الحاضرين متابعة المقطوعات في صمت، منشغلين بدقة الأداء التقني للعازفين أكثر من التفاعل الصاخب مع العرض.
وعلى ركح قرطاج الأثري، ظل جيان بييرو ريفيربيري وفيا لتقاليد القيادة الكلاسيكية، فلم يقدم المقطوعات الموسيقية ولم يخاطب الجمهور طوال السهرة الا بالموسيقى، مكتفيا بتحية مقتضبة عقب نهاية كل معزوفة.
ولم يكسر هذا الوقار إلا قبيل الختام، حين التفت نحو الجمهور داعيا إياه إلى مشاركته إيقاع إحدى أكثر مقطوعاته حيوية، في لحظة احتفالية بددت الطابع الرسمي الذي هيمن على معظم فقرات العرض.
وخلال هذه السهرة تحول ركح قرطاج إلى لوحة بصرية تفاعل فيها عالمان مختلفان، فعلى يسار المايسترو جلست العازفات بفساتين مستوحاة من أزياء القرن الثامن عشر، مع شعر مستعار أبيض، إلى جانب موسيقيين ارتدوا أزياء عصرية داكنة، في تجسيد بصري لفكرة المزج بين الماضي والحاضر التي تقوم عليها هوية الفرقة.
ومن أبرز مشاهد السهرة ظهور قمر أزرق عملاق بتدرجات الضوء والظل على الشاشة العملاقة التي تعلو الجدران الحجرية للمسرح، فيما انعكست عليه ظلال موسيقيين بملابس "باروكية"، في مشهد عزز البعد المسرحي للعرض وأضفى عليه طابعا شاعريا.
كما أحدثت تقاليد الحفلات الكلاسيكية بعض الالتباس لدى الجمهور، إذ غادر أعضاء الفرقة الركح مرتين قبل العودة استجابة للتصفيق. واعتقد عدد من الحاضرين أن السهرة انتهت بالفعل، فاتجهوا للخروج قبل أن يعودوا أدراجهم مع انطلاق النغمات الأولى لمقطوعة "La Serenissima".
المايسترو جيان بييرو ريفيربيري من الصرامة الأدائية على المسرح إلى التلقائية والروح المرحة في اللقاء مع الصحافة التونسية
وفي الندوة الصحفية التي أعقبت الحفل، بدا المايسترو مختلفا تماما عن صورته الوقورة على الركح، إذ اتسمت إجاباته بروح مرحة وابتسامة لم تفارقه. وأعلن تسليم المشعل إلى عازف البيانو في الفرقة ليكون قائدها مستقبلا، قائلا: "لقد أصبحت متقدما في السن قليلا لمواصلة هذه المهنة."
وتحدث عن فلسفته الفنية وعلاقته بالعصر الرقمي، مؤكدا أنه لا يستعمل شبكات التواصل الاجتماعي، ولا يزال مؤمنا بأن الموسيقى تجربة شخصية وعميقة لا ينبغي أن تخضع لمنطق "الإعجابات" الذي تفرضه المنصات الرقمية.
واستعاد بالمناسبة بدايات مشروعه الفني، موضحا أن تأسيس الفرقة جاء ردا على المشهد الموسيقي السائد في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين كانت موسيقى "الديسكو" والرقص تهيمن على الساحة، وأصبح كل شيء إلكترونيا ونمطيا. ومن هنا ولدت فكرة إعادة الاعتبار للآلات الموسيقية "الأكوستيكية" وتقديم موسيقى أكثر "طبيعية"، مع الحفاظ على إيقاع معاصر قادر على استقطاب الشباب.
وأكد أن مشروعه الموسيقي قام على قطيعة مع التقاليد الكلاسيكية السائدة، مبينا أنه وإن كانت ألبوماته الأولى تستلهم روح "الباروك"، فإن أعماله اللاحقة اتجهت نحو موسيقى يغلب عليها التفاؤل والبهجة، على خلاف الطابع الدرامي الذي يميز كثيرا من الأعمال الكلاسيكية.
وأوضح في هذا السياق أن أعمال غوستاف مالر (Gustav Mahler) وريتشارد فاغنر (Richard Wagner) وبيتر إليتش تشايكوفسكي (Piotr Ilitch Tchaïkovski)، إلى جانب الميلودراما الإيطالية، تحمل في الغالب بعدا تشاؤميا أو مأساويا قد يكون ثقيلا على المتلقي، مشيرا إلى أن هذا الطابع لا ينسجم مع شخصيته المتفائلة، وأنه سعى إلى ابتكار موسيقى خفيفة في وقعها، عميقة في مضمونها، ومشبعة بروح إيجابية.
وردا على سؤال لوكالة تونس إفريقيا للأنباء حول اللقاء الرمزي بين البندقية وقرطاج على ركح واحد، أكد المايسترو أن جميع اللقاءات الثقافية تكتسي أهمية خاصة، غير أن وقوفه لأول مرة على ركح قرطاج يحمل بالنسبة إليه قيمة استثنائية، معربا عن سعادته بتمثيل بلاده إيطاليا، رغم أنه ليس من أبناء مدينة البندقية.
وكشف قائد الأوركسترا أنه كان قد توقف في السابق عن مرافقة الفرقة في حفلاتها بعد أن أصبحت مستقلة، غير أن الدعوة للمشاركة في مهرجان قرطاج الدولي دفعته إلى العودة، قائلا إنه رحب بالدعوة فور علمه بإقامة الحفل على ركح هذا المسرح العريق، معتبرا أن الوقوف فوق هذا المعلم التاريخي يمثل شرفا كبيرا بالنسبة إليه.
وعن الإرث الذي يتمنى تركه للأجيال القادمة، أعرب جيان بييرو ريفيربيري عن أمله في أن يواصل فنانون آخرون الدفاع عن موسيقى مختلفة عن تلك التي تفرضها اعتبارات السوق، وأن تتذكر الأجيال القادمة أن هناك أنماطا موسيقية أخرى تتجاوز ما تبثه الإذاعات وتمليه الصناعة الموسيقية، مذكرا بأن مشروعه الفني شكل في ثمانينيات القرن الماضي ثورة على موسيقى الديسكو والرقص، ومعربا عن أمله في أن يظهر اليوم من يقدم موسيقى أكثر جودة وثراء.
وفي قرطاج، أسدل جيان بييرو ريفيربيري الستار على مسيرة امتدت قرابة نصف قرن، محافظا حتى اللحظة الأخيرة على الرؤية الفنية التي صنعت هوية فرقة "روندو فينيزيانو"، والقائمة على الحوار بين موسيقى الباروك والإيقاعات المعاصرة، في تجربة موسيقية ظلت وفية لقيم الجمال والتفاؤل.
تغطية فاطمة شرودي
ترجمة خديجة السويسي
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 334052