Bookmark article
Publié le Dimanche 02 Août 2026 - 09:27
قراءة: 3 د, 14 ث
وات -
على امتداد ساعتين، ظل المسرح الروماني بقرطاج معلقا بين صمت يفيض بالإنصات وتصفيق يتجدد مع نهاية كل لوحة موسيقية، في سهرة استثنائية حملت توقيع الفنان البريطاني من أصل أذري سامي يوسف، الذي قدم، مساء السبت، أحد أكثر عروض الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي اكتمالا من حيث الرؤية الفنية، جامعا بين الموسيقى الكلاسيكية والإنشاد الصوفي والتراث الشرقي في عمل احتفى بالتنوع الثقافي وجعل المسرح فضاء للتأمل والحوار بين الحضارات.
وسجل سامي يوسف أول حضور له على ركح مهرجان قرطاج الدولي، بعد أكثر من أربعة عشر عاما على آخر لقاء جمعه بالجمهور التونسي خلال حفله برادس في أفريل 2012، ليعود هذه المرة بمشروع موسيقي جديد يحمل عنوان "Sophiae Collective"، وهو إنتاج أوركسترالي يضم أربعين موسيقيا ومنشدا وعازفا من قارات وثقافات متعددة، يجمعهم إيمان مشترك بأن الموسيقى قادرة على اختزال المسافات بين الشعوب.
ولم يكن اختيار قرطاج مصادفة. فقد قال سامي يوسف، في تصريح سابق لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، إن هذا المسرح التاريخي "هو الفضاء المثالي لهذا المشروع"، مؤكداً أنه صاغ برنامج العرض خصيصا لقرطاج، انطلاقا من قناعته بأن لكل مكان ذاكرته، ولكل جمهور حساسيته الفنية، وأن جمهور قرطاج يستحق عرضا يتناغم مع عراقة هذا الفضاء وما يمثله في الوجدان الثقافي المتوسطي.
وجاءت بنية الحفل أشبه برحلة وجدانية موسيقية متدرجة، لا بمجموعة من الأغاني المنفصلة. فافتتح السهرة بمقطوعة "فيريتاس" التي مهدت لدخول عالم موسيقي يقوم على التأمل أكثر من الإبهار، قبل أن يتنقل بين "في الأندلس" و"تعالي يا روحي" و"رفع الحجاب"، حيث بدا واضحا حرصه على بناء جسور بين ضفاف المتوسط، مستلهماً إرث الأندلس، والإنشاد الصوفي، والموسيقى الكلاسيكية، ضمن كتابة موسيقية دقيقة لا تساوم على الجودة.
وكانت فلسطين حاضرة في قلب العرض، عندما أدى "نحب الحياة"، المستوحاة من قصيدة محمود درويش، مهداة إلى أهل غزة. وفي تلك اللحظة، لم يعد المسرح فضاء للحفل بقدر ما تحول إلى مساحة للتأمل في معنى الحياة والكرامة والأمل، وهي القيم التي شكلت الخيط الناظم لمجمل السهرة.
كما أعاد إحياء الموشح الأندلسي "لما بدا يتثنى" في صياغة أوركسترالية حافظت على أصالته وأبرزت ثراءه المقامي، قبل أن ينتقل إلى الأعمال ذات البعد الروحي، مثل "حسبي ربي" و"مدد" و"إلهنا"، إضافة إلى "من لي سواك"، فبدا صوته، بما يحمله من دفء ورهافة، جزءا من النسيج الأوركسترالي أكثر منه صوتا منفردا يتقدمه.
ولم تكن الأوركسترا مجرد مرافقة للمغني، بل كانت العمود الفقري للعرض. فقد نسج العازفون، القادمون من مدارس موسيقية متعددة، حوارا متواصلا بين الشرق والغرب، وبين الآلات التقليدية والكتابة السيمفونية الحديثة، في أداء اتسم بدقة تقنية عالية وانسجام لافت، جعل الانتقال بين المقامات والإيقاعات يتم بسلاسة تكاد لا تدرك، فضلا عن مشاركات المنشد المغربي إسماعيل بوجية والفنانة المغربية نبيلة معان والمنشد الاسباني اسرا مورو الذين أضفوا بأصواتهم وأدائهم ألوانا موسيقية متنوعة، عززت الطابع الكوني لمشروع "Sophiae Collective".
واكتملت هذه التجربة بسينوغرافيا شديدة الأناقة، استلهمت مفرداتها من جماليات الفن الإسلامي، عبر زخارف هندسية متناظرة، بدت وكأنها تتنفس مع الموسيقى. ومع توظيف مدروس للإضاءة، تحولت الخشبة إلى فضاء روحي يتغير لونه وإيقاعه مع كل مقطوعة، فتداخل الضوء مع الصوت، والصورة مع النغمة، في مشهد بصري حافظ على بساطته كمجلس إنشاد دون أن يفقد أثره الجمالي.
ولعل أكثر ما ميز هذه السهرة أن الجمهور، الذي ضم مختلف الأجيال، لم يبحث عن الفرجة الصاخبة، بل اختار الإصغاء. ظل المسرح غارقا في صمت عميق طوال المقاطع الموسيقية، قبل أن ينفجر بالتصفيق والزغاريد عند نهاياتها، في تفاعل عكس احتراما للفنان ولطبيعة المشروع الذي يقدمه.
ويعد سامي يوسف، خريج الأكاديمية الملكية للموسيقى في لندن، من أبرز الفنانين الذين نجحوا في بناء مشروع موسيقي عالمي يزاوج بين التقاليد الموسيقية الشرقية والكتابة الكلاسيكية الغربية، واضعا الحوار بين الثقافات في صميم تجربته الفنية.
ولم يغادر جمهور قرطاج السهرة وهو يردد أغنية بعينها، بقدر ما غادر حاملا تجربة موسيقية كاملة، تجربة أثبتت أن الفن، عندما يقوم على المعرفة والجمال والصدق، يستطيع أن يحول ركحا أثريا عمره آلاف السنين إلى فضاء نابض بالأمل، وأن يجعل من الموسيقى لغة يفهمها الجميع دون حاجة إلى ترجمة.
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 333868