الزيادات في الاجور: تدخل تعديلي من الدولة لدعم القدرة الشرائية وتكريسا للتوازن الاجتماعي

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/69c2bdd3b4b100.40381203_neomlqijghfpk.jpg>


وات - أقرت الحكومة  في إطار قانون المالية لسنة 2026، الترفيع في الأجور على امتداد ثلاث سنوات (2026–2028)، في خطوة تهدف إلى التخفيف من تداعيات ارتفاع الأسعار وتحسين القدرة الشرائية وتكريس التوازن الاجتماعي.
وفي متابعته لتنفيذ هذه الزيادات، اكد رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، أنّ هذا التوجّه يندرج ضمن التزام الدولة بالبعد الاجتماعي، مشدّدا على أنّ "العهد هو العهد، ولا يتمّ الوعد إلاّ للوفاء به"، في إشارة إلى حرص الدولة على الايفاء بتعهّداتها  (لقاءه امس الاثنين رئيسة الحكومة ووزيرة المالية ووزير الاقتصاد والتخطيط ووزير الشؤون الاجتماعيّة).
وقد رافق هذا الاجراء جدل عند بعض الاطراف حول  اقراره دون الدخول في مفاوضات مع الشركاء الاجتماعيين، إلا ان وزير الشؤون الاجتماعية، عصام الأحمر حسم هذا الجدل موضحا، خلال جلسة مشتركة على مستوى اللجان بالبرلمان والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، "أن قانون الشغل ينظم الزيادة في الاجور بثلاث طرق وهي إما الاتفاق التعاقدي الفردي، أو بمقتضى قانون أو أمر، أو باتفاق جماعي (المفاوضات الاجتماعية) مؤكدا على ان الزيادة تمت وفق الاجراءات القانونية.


حجم الاجور وتمويل الزيادة

وتشير التقديرات إلى أنّ كتلة الأجور في القطاع العمومي تمثّل حوالي 13  إلى 14 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، بما يفوق 20 مليار دينار سنويا ( م د) مقابل كتلة اجور وصلت الى 1ر16 خلال سنة 2020، بيد ان الحكومة قد نجحت بفضل مختلف الإجراءات التي اتخذتها من التقليص في نسبة هذه الكتلة من الناتج المحلي الإجمالي وبالتالي التخفيف من عبء الاجور على المالية العمومية، وفق قراءات تحليلية لبعض الخبراء.



ويشار الى ان آخر زيادة في الأجور، قبل قرار الزيادات المضمن في قانون المالية للسنة الحالية، كانت خلال سنة 2022 وشملت الفترة الممتدة إلى غاية سنة 2025 حيث تراوحت القيمة الجملية للزيادة بين 195 و300 دينار حسب الأصناف، موزعة على ثلاث أقساط. 
وبالنسبة لسنة 2026، رصدت الحكومة اعتمادات بعنوان نفقات التأجير في حدود 25267 م د، مقابل 24389 م د منتظرة لسنة 2025، أي بزيادة بنسبة 6ر3 بالمائة.
وقد اكدت وزارة المالية في تقريرها لميزانية الدولة لسنة 2026، ان كتلة الأجور ستستقر في حدود 4ر13 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي مقابل 1ر14 بالمائة منتظرة في سنة 2025، و9ر13 بالمائة مسجلة في سنة 2024.
وتتأتى  الزيادة  في هذه الاعتمادات، من مجهود استثنائي للمساهمة في دعم التشغيل وضمان العمل الآلي عبر الانتدابات وتسوية وضعيات التشغيل غير القار لحوالي 51878 خطة منها 22523 خطة إضافية جديدة بعنوان سنة 2026، وفق ذات التقرير.
هذا وتم تحديد نفقات التأجير في الوظيفة العمومية لسنة 2026 عند 267ر25 مليار دينار، مقابل 389ر24 مليار دينار سنة 2025، وهو ما يمثّل ارتفاعا بنسبة  6ر3 بالمائة . وتعود هذه الزيادة إلى العمل على بذل مجهود استثنائي لدعم التشغيل وتعزيز العمل اللائق، عبر الانتدابات الجديدة، وتسوية وضعيات الشغل الهشّة، ليبلغ مجموع مواقع الإدماج والانتدابات حوالي 878ر51 موطن شغل، منها 523ر22  موقعا إضافيا مرتقبا خلال سنة 2026.
وفي هذا السياق، شدّد رئيس الجمهورية، على أنّ هذه الإجراءات تأتي رغم "الإرث الثقيل نتيجة لاختيارات ترتقي إلى مرتبة الجريمة"، في إشارة إلى الأوضاع المالية التي ورثتها الدولة، مؤكدا في المقابل أنّه "لا مجال لبيع الأوهام" وأنّ المرحلة القادمة ستكون قائمة على العمل الفعلي في كل القطاعات.
وتعمل الدولة، بالتوازي مع هذه الزيادات، على تعبئة الموارد المالية، حيث يُتوقّع أن تبلغ مداخيل الجباية بين 45 و50 مليار دينار،   (زيادة بنسبة 3ر7 بالمائة مقارنة بالنتائج المنتظرة لسنة 2025) مع تعزيز آليات الاستخلاص ومكافحة التهرب الضريبي. كما أشار رئيس الدولة إلى توفّر "عديد خطوط التمويل"، دون تفصيلها، في إطار دعم التوازنات المالية.

التوازن بين العدالة الاجتماعية والاقتصادية 

وعلى مستوى القدرة الشرائية، تأتي هذه الزيادات في ظلّ تسجيل معدل تضخم تراوح بين 7 بالمائة و9 بالمائة في السنوات الأخيرة، ما جعل تحسين الأجور مطلبا ملحا. وتشمل هذه الإجراءات حوالي 687 ألف موظف في القطاع العمومي وأكثر من 800 ألف متقاعد، إضافة إلى العاملين في القطاع الخاص.
كما تحافظ الدولة على سياساتها الاجتماعية من خلال دعم المواد الأساسية بكلفة تقارب 4 مليارات دينار سنويا،    (في حدود 4079 مليون دينار مقابل 3801 م د منتظرة سنة 2025 أي زيادة بـ 278 م د)،  إلى جانب تكثيف مراقبة الأسعار.
 وفي هذا الإطار، دعا رئيس الجمهورية المسؤولين إلى تحمّل مسؤولياتهم كاملة، قائلا: 'أنّ من لا يستشعر معاناة المواطنين "فلا مكان له"، في تأكيد على الطابع الاجتماعي للسياسات المعتمدة.
وتشكل السنة الحالة، بالنسبة للحكومة، مرحلة محورية في تجسيد الخيارات الوطنية المتعلقة بمسار البناء والتشييد والتي ترمي الى توفير مقومات العيش الكريم وتحقيق العدالة والإنصاف وفتح افاق ارحب لكل الفئات، وفق البرنامج الاقتصادي والاجتماعي 2026.
كما تكتسي هذه السنة طابعا خاصا باعتبارها السنة الاولى في تنفيذ مخطط التنمية 2026-2030 الذي يرسخ لمنوال تنموي جديد يستجيب للتطلعات ويعزز مقومات السيادة الوطنية.
ورغم هذه الجهود، تبقى التحديات قائمة، خاصة في ظلّ نمو اقتصادي يُقدّر بحوالي 2 إلى 3 بالمائة فقط، وهو ما قد لا يكون كافيا لمواكبة الزيادة في النفقات اضافة الى ما قد تواجهه المؤسسات الخاصة من صعوبات للتأقلم مع ارتفاع الأجور..
في المقابل، يمكن أن تساهم هذه الزيادات في تنشيط الاستهلاك الداخلي، بما يدعم بعض القطاعات الاقتصادية، شرط أن تترافق مع إصلاحات هيكلية تعزّز الإنتاج وتحدّ من التضخم.
وتعكس سياسة الترفيع في الأجور في تونس  توجها اجتماعيا واضحا تدعمه إرادة سياسية معلنة، حيث أكّد رئيس الدولة قيس سعيّد أنّ "القادم قادم لا ببيانات ولكن بعمل"، ويبقى نجاح هذا التوجّه رهين تحقيق توازن دقيق بين متطلبات العدالة الاجتماعية واستحقاقات الاستقرار الاقتصادي في المرحلة القادمة .
ويرى خبراء أن برنامج الترفيع في   في الأجور من شأنه أن يساهم في تنشيط الطلب الداخلي ودعم قطاعات حيوية، خاصة في ظل تباطؤ النمو خلال السنوات الأخيرة. كما يُنتظر أن يعزز هذا التوجه مناخ الاستقرار الاجتماعي ويحدّ من الضغوط المعيشية على الفئات متوسطة ومحدودة الدخل، بما يدعم الثقة في السياسات العمومية. وفي السياق ذاته، يمثل إدماج آلاف العاملين في وضعيات تشغيل هشّة خطوة نوعية نحو تحسين جودة التشغيل وترسيخ العمل اللائق.   

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 326071

babnet