Bookmark article
Publié le Vendredi 25 Septembre 2026 - 15:20
قراءة: 4 د, 56 ث
منية كواش
يعود المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون في دورته السادسة والعشرين، من 21 إلى 24 سبتمبر 2026، موزّعا نشاطاته بين تونس والحمامات، مؤكّدا موقعه كأحد أبرز المواعيد المهنية في المشهد الإعلامي العربي. متّخذا شعارا لهذه السنة "نبض الصورة وصدى المستقبل" منتقلا من اهتمامه بتطوير المنتج الإذاعي والتلفزيوني في صيغته التقليدية إلى مواكبة التحولات العميقة التي تطال صناعة المحتوى ووسائط إنتاجه وتوزيعه وتلقيه.
هذا وقد اكتسبت الدورة الحالية بعداً رمزياً إضافياً بتزامنها مع مرور 45 سنة على تأسيس اتحاد إذاعات الدول العربية، ومضيّ خمسين سنة على انطلاق مؤسسة «عرب سات». كما شارك في مسابقات المهرجان نحو 300 مادة إذاعية وتلفزيونية، إلى جانب مشاركة مؤسسات إعلامية دولية ناطقة بالعربية، مستقطبا مجالا أوسع خارج الإطار التقليدي للمؤسسات العضوات في الاتحاد.
أربعة عقود ونصف من التحولات الإعلامية
انطلق المهرجان سنة 1981، وتطور على امتداد أكثر من أربعة عقود بالتوازي مع التحولات التي عرفها الإعلام العربي، من مرحلة هيمنة الإذاعة والتلفزيون العموميين إلى تعدد القنوات الخاصة والفضائيات، ثم الانتقال إلى الإعلام الرقمي ومنصات البث الجديدة. متخذا منذ 2015 موعداً سنوياً، منتظما ليصبح فضاءً للتنافس المهني وتبادل الخبرات ومتابعة التحولات التي يشهدها القطاع.
ولم يعد المهرجان مجرد مناسبة لتوزيع الجوائز على البرامج الفائزة، فإضافة الى المسابقات الاذاعية والتليفزيونية ، أصبح يولي اهتماما للندوات والحوارات المهنية، وأدخل عادة المعارض التكنولوجية، وأحدث سوق برامج، ولقاءات بين المنتجين والمؤسسات الإعلامية ومختلف المتدخلين في الصناعة السمعية والبصرية. فتحوّل إلى منظومة أوسع وأشمل ،تعمل على تطوير الإنتاج العربي والتعريف به وترويجه بفتح القنوات لتداوله خارج حدوده المحلية.
المسابقات آلية للإرتقاء بالإنتاج
تمثل المسابقات أحد أقدم مكونات المهرجان وأكثرها ارتباطاً بوظيفته المهنية. فهي تتيح للمؤسسات الإذاعية والتلفزيونية والمنتجين مقارنة أعمالهم بإنتاجات عربية أخرى، كما تعرّف بالتوجهات والمسارات الجديدة في البرامج والأخبار من وثائقيات ومبادرات وأعمال ثقافية وفنية.
وتتجاوز المسابقات بعدها الاحتفالي، إذ تندرج ضمن سياسة أوسع للاتحاد، تهدف في المقام الأول الى الإرتقاء بالإنتاج وتحسينه وذلك بشجيع الاتجاهات الإبداعية وروح الإبتكار بتنظيم المسابقات وتبادل ه الإنتاج بين المؤسسات الإعلامية المنخرطة في الإتحاد. فضلا عن تنظيمه لندوات دورية تتعلق بالإنتاج وطرق تطويره من بينها ندوات تناولت الإنتاج التلفزيوني العربي المشترك والتسويق للبرامج.
ومن هنا تبرز وظيفة المهرجان كحلقة وصل بين الإنتاج والتبادل: فالمؤسسة الإعلامية لا تعرض عملاً للمنافسة فقط، بل تعمل على ترويجه أيضا داخل سوق أوسع يمكن أن يفتح أمامه فرصاً للتداول وإعادة التوظيف والتعاون والإنتاج المشترك.
سوق البرامج: حوّل المهرجان إلى فضاء للتعاون
أصبح سوق البرامج الإذاعية والتلفزيونية من أبرز مكونات المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون ، إذ يثوم بتجميع إنتاجات المؤسسات الأعضاء والقنوات الخاصة وشركات الإنتاج ووكالات الأنباء والقنوات الناطقة بالعربية، ويتيح التعارف المباشر بين المنتجين والمشترين ومختلف الفاعلين في الصناعة.
وقد أكدت دورة سنة 2024 بوضوح هذا التوجّه الذي إختاره الإتحاد ، عندما قام سوق البرامج بتجميع انتاجات إعلامية وثقافية وفنية، بهدف توسيع نطاق تداولها داخل العالم العربي وخارجه، مع إتاحة اللقاءات المهنية التي يمكن أن تقود إلى مشاريع إنتاج مشترك بين القطاعين العام والخاص. كما فتحت التظاهرة المجال أمام شركات وقنوات غير عربية تنتج أو تبث بالعربية، بما يعكس اتساع دائرة التعاون حول المحتوى العربي.
وهكذا تحوّل المهرجان تدريجياً من فضاء للتنافس بين المؤسسات إلى شبكة مهنية تسمح بتبادل البرامج والخبرات والأفكار، وتساعد على بناء علاقات بين المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج ومزودي التكنولوجيا.
التكنولوجيا في قلب التحول
إذا كان المهرجان قد نشأ في عصر كانت فيه الإذاعة والتلفزيون يمثلان الشكل الأساسي للاتصال الجماهيري، فإن التكنولوجيا أصبحت اليوم في قلب هويته المهنية. فقد تحولت المعارض المصاحبة إلى مساحة لعرض أحدث التجهيزات والحلول المستخدمة في الإنتاج والبث، من تقنيات التصوير والمونتاج إلى الأنظمة الرقمية والوسائط المتعددة.
كما شارك خلال دورة 2024 نحو 90 عارضاً في المعرض التكنولوجي عبر 98 جناحاً، بينما ضمت دورة 2025 نحو 80 عارضاً في قرابة 100 جناح. أما الدورة السادسة والعشرون فقد توسع الحضور التكنولوجي بصفة أكبر وشارك أكثر من 85 عارضاً في 110 أجنحة، على مساحة تناهز 2500 متر مربع، بما يؤكد أن التكنولوجيا لم تعد مكوناً مكملاً للمهرجان، وإنما أصبحت إحدى قضاياه الأساسية.
والتزمت الندوات نبفس الهدف ونفس التمشي بإختارها لمواضيع
عن التحول التكنولوجي وتحدياته ففي دورة 2025 ناقش المهرجان مستقبل الإعلام في ظل صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، وصناعة الدراما العربية من السيناريو إلى المنصة، إلى جانب أزمة إنتاج إعلام الأطفال. أما دورة 2026 فطرحت قضايا البودكاست واتجاهات المحتوى وقوة التأثير، والعلاقة الجديدة بين الجمهور وصانع المحتوى، والإعلام السياحي باعتباره أداة لصناعة الوجهة وليس مجرد وسيلة لتغطية الأحداث.
من الذكاء الاصطناعي إلى الجمهور الجديد
تطرح التحولات التقنية تحديات تتجاوز اقتناء المعدات والبرمجيات. فالذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، و"البودكاست" والفيديو القصير، والبث عند الطلب، وتعدد الشاشات، كلها أعادت تعريف مفهوم المنتج الإعلامي نفسه.
ولم يعد الجمهور يتلقى المادة في موعد محدد عبر قناة واحدة، بل أصبح قادراً على اختيار المحتوى والوقت والمنصة، كما أصبح في الوقت نفسه منتجاً ومعلقاً ومشاركاً في إعادة توزيعه. ولذلك يتجه التفكير المهني داخل المهرجان بصورة متزايدة نحو العلاقة بين المحتوى والجمهور، وليس فقط نحو كيفية إنتاج المادة وبثها.
وتبرز هنا أهمية دعوة رئيس الاتحاد محمد بن فهد الحارثي إلى تطويع الأدوات الرقمية والسيبرانية والذكاء الاصطناعي، مع المحافظة على خصوصيات البيئات الثقافية المحلية. فالتحدي المطروح أمام الإعلام العربي لا يتعلق فقط بمجاراة التكنولوجيا، وإنما بكيفية استخدامها لإنتاج محتوى قادر على المنافسة والاستمرار، من دون فقدان خصوصيته الثقافية واللغوية.
فضاء عربي للتفكير في المستقبل
بهذا المسار، يبدو المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون أقرب إلى ملتقى مهني يجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة: الإنتاج والتنافس، والتبادل والتعاون، والتفكير في مستقبل الصناعة السمعية والبصرية.
وتؤكد برمجة الدورة السادسة والعشرين هذا الاتجاه، إذ جمعت بين المسابقات والعروض الفنية وسوق الإنتاج والمعرض التكنولوجي والندوات المهنية في فضاء واحد. وهي صيغة تسمح للمهني بأن يرى في المهرجان المنتج الإعلامي في مراحله المختلفة: من الفكرة إلى الإنتاج، ومن التقنية إلى التوزيع، ومن استقبال الجمهور إلى البحث عن نماذج جديدة للتعاون.
وبذلك يواصل المهرجان، بالرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على انطلاقه، في إعادة تعريف وبلورة وظيفته وفق التحولات التي يمرّ بها الإعلام في كل مرحلة زمنية. فالتحدي خلال هذه المرحلة لم يعد مجرد تحسين الصورة والصوت، وإنما فهم منظومة إعلامية تتغير فيها أدوات الإنتاج، وأنماط التلقي، وأدوار الصحفي والمبدع والجمهور بإستمرار وتفرض أسئلة جديدة دون إنقطاع حول التكنولوجيا والملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي والموثوقية والخصوصية والقدرة على إنتاج محتوى عربي قادر على الحضور في فضاء إعلامي عالمي شديد التنافس.
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 336714