«رحبة القمل» وجائزة نوبل
د. عماد الحسين
المعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان
سألتُ يوماً أحد كبار الحومة، أطال الله عمره في الخير والبركة، عن سبب تسمية «رحبة القمل» بالقيروان، وهي الساحة الواقعة أمام «باب تونس» من الخارج. فحدّثني أن أبواب القيروان كانت تُغلق ليلاً وتُفتح نهاراً، وأن الوافدين على المدينة ليلاً، وخاصة الأعراب الذين يجلبون الخضر والغلال والدواب لأسواقها، كانوا يبيتون في وكالات (خانات) مقامة بهذه الرحبة. وكان بعضهم يجلس أمام الوكالات لفَلْي وتمشيط ونزع القمل من رؤوسهم، فسُمّي المكان «رحبة القمل». وهنا استحضر المثل الشعبي: «فلّيني ونفلّيك.. والشمس ضاوية عليك».
حكاية طريفة، قد يظنها القارئ من طرائف الحومة لا أكثر. لكنّ الغريب أن هذا القمل، الذي كان مجرد إزعاج يومي في المخيال الشعبي، كان في الوقت نفسه محور واحد من أهم الاكتشافات في تاريخ الطب الحديث، وقع بالضبط في المستشفى الصادقي (عزيزة عثمانة) بتونس العاصمة، على يد طبيب فرنسي اسمه شارل نيكول (Charles Nicolle).
من روان إلى تونس
وُلد شارل نيكول بمدينة روان الفرنسية سنة 1866، وتحصّل على الدكتوراه في الطب من جامعة باريس سنة 1893. عمل بعد ذلك بكلية الطب في روان، قبل أن يُعيَّن سنة 1903 مديرا لمعهد باستور بتونس، وهو المنصب الذي سيشغله إلى حين وفاته بتونس سنة 1936، أي طيلة ثلاثة وثلاثين عاماً حوّل خلالها المعهد إلى مركز عالمي في البحث البكتريولوجي.
وما إن حطّ نيكول الرحال بتونس حتى وجد نفسه أمام «التيفوس»، ذلك الداء الوبائي الذي كان يحصد الأرواح كل شتاء، وينتقل من الأرياف إلى المدينة ليستوطن السجون والنزل الشعبية. كان الأطباء في تونس يخشونه أكثر من أي مرض آخر؛ إذ أصيب به نحو ثلث الأطباء العاملين بالإدارة الصحية آنذاك، ومات ثلثهم تقريباً.
لغز المستشفى وسرّ «الحمّام»
لاحظ نيكول ظاهرة محيّرة في المستشفى الصادقي: المصاب بالتيفوس شديد العدوى في الشارع، فهو ينقل المرض لأهله وجيرانه ولمن يلامسه، بل حتى لموظفي استقبال المستشفى. لكنه بمجرد دخوله إلى قاعات المستشفى الداخلية، يتوقف فجأة عن نشر العدوى! يعيش وسط مرضى آخرين ويعالجه الأطباء والممرضون دون أن يُصابوا. فما الذي يتغيّر بين عتبة الباب وسرير المستشفى؟
يروي نيكول بنفسه في محاضرته أمام لجنة نوبل أنه كان، في طريقه اليومي إلى المستشفى، يضطر غالباً إلى تخطّي جثث مرضى تيفوس فارغي القوى، سقطوا عند الباب قبل أن يبلغوا قاعة الاستقبال. وفي أحد الأيام، بينما كان -كعادته- يتخطّى جثة مسجّاة عند الدرج، أشرق في ذهنه الحل: تلك الجثة الملقاة أمام الباب بالضبط هي التي رسمت له حدود العدوى.
فالمستشفى الصادقي (الذي كان في الأصل ثكنة عسكرية قديمة) كان يحتوي عند مدخله على حمام عربي (Bain maure)؛ وكان بروتوكول المستشفى يقضي بأن يدخل المريض الوافد أولاً إلى هذا الحمام ليتجرد من ملابسه، ويُحلق شعر رأسه وثنايا جسده، ويُغسل بالماء والصابون، قبل أن يُلبس ثياباً نظيفة خاصة بالمستشفى.
هنا أدرك نيكول السر: التيفوس يتوقف عن الانتشار فور تجاوز عتبة الحمّام! وبما أن المرض ينقطع بمجرد التخلص من الملابس القديمة وغسل الجسد، فإن «العامل الناقل» لا بد أنه يختبئ خارج الجسم، على الجلد أو في ألياف القماش.
والمرشّح الوحيد لهذا الدور، في نظره، كان قملة الجسم.
من الفرضية إلى البرهان
لم يكتفِ نيكول بالحدس؛ فأجرى بين جوان وسبتمبر 1909 سلسلة تجارب حاسمة، أولاً على الشمبانزي ثم على قرود الماكاك وخنازير غينيا، بالتعاون مع زملائه شارل كونت (Charles Comte) وإرنست كونساي (Ernest Conseil). أثبتت التجارب أن نقل دم مصاب أو قمل مصاب إلى حيوان سليم يكفي لنقل العدوى، بينما يظل الحيوان في مأمن إن حُمي من القمل. وتبيّن لاحقاً أن العدوى تحدث أساساً عبر فضلات القملة، لا عبر لسعتها وحدها: فحين يحكّ المصاب جلده المتهيّج، تعلق فضلات القمل الحاملة للجرثومة بأظافره، فينقلها إلى عينيه أو إلى خدوش في جلده.
هكذا حسم نيكول اللغز سنة 1909: التيفوس الوبائي مرض ينتقل بواسطة قملة الجسم لا بالتماس المباشر بين البشر. أما الجرثومة المسؤولة عن المرض نفسها فلم يكتشفها هو، بل توصّل إليها الطبيب البرازيلي هنريكي دا روشا ليما سنة 1916، وأطلق عليها اسم «ريكتسيا بروفاتسكي» (Rickettsia prowazekii) تخليداً لذكرى باحثَين، الأمريكي هوارد ريكتس والتشيكي ستانيسلاس فون بروفاتسك، ماتا وهما يدرسان هذا المرض نفسه.
نتائج أنقذت الملايين
خلال سنتين فقط من اكتشافه، وبتطبيق إجراءات بسيطة كتعقيم الثياب ونزع القمل عن الوافدين الجدد، نجح نيكول وفريقه في الحدّ بشكل كبير من وباء التيفوس في تونس العاصمة، الذي كان يتكرر فيها كل شتاء منذ قرون. غير أن الأثر الأكبر لاكتشافه ظهر مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، حين تفشّى التيفوس بشكل رهيب بين الجنود والأسرى في الخنادق والمعتقلات؛ فكانت طريقة «ازالة القمل» (Delousing) التي استنبطها من ملاحظاته في تونس هي السلاح الذي حدّ من كارثة بشرية محققة.
تقديراً لهذا الإنجاز، مُنح شارل نيكول جائزة نوبل في الطب سنة 1928 «عن أعماله حول التيفوس»، ليصبح بذلك أول اكتشاف علمي كبير مرتبط بتونس يُتوَّج بهذه الجائزة العالمية. ولم يكتفِ بالتيفوس، بل يُنسب إليه أيضاً، رفقة مساعدته البولندية هيلين سبارو (Hélène Sparrow)، التمييز بين التيفوس الوبائي الذي ينقله القمل والتيفوس المستوطن الذي ينقله برغوث الجرذان. كما اكتشف، رفقة لوي مانصو (Louis Manceaux)، طفيليَّ «التوكسوبلازما غوندي» (Toxoplasma gondii) المسبب لداء المقوسات، انطلاقاً من قارض صحراوي يُعرف بـ«الڨندي».
وحين حاول شارل نيكول تطوير لقاح ضد التيفوس، أجرى سلسلة من التجارب باستخدام مواد مأخوذة من القمل المصاب ومصل دم المتعافين. لم يكتمل هذا اللقاح على يديه، وسيواصل لاحقًا العالم البولندي رودولف فايغل (Rudolf Stefan Jan Weigl) تطوير لقاح فعّال، وأعلن عن نتائج أبحاثه في هذا المجال سنة 1930، لكن الطريق كان قد فُتح.
حين تلتقي ذاكرة الحومة بالعلم
تبقى «رحبة القمل» بالقيروان شاهداً طريفاً على أن أهل تونس، بحسّهم العملي، كانوا يمارسون منذ قرون، ودون أن يدروا، شكلاً بدائياً من «نزع القمل» الذي أثبت شارل نيكول علمياً أنه كفيل بوقف انتشار أخطر الأوبئة. فبينما كان الأعراب يجلسون في الشمس أمام وكالاتهم للتخلص من حشرة مزعجة، كانت تونس نفسها، بعد عقود قليلة، تتحول إلى مختبر عالمي يُنجز فيه أحد أهم اكتشافات الطب الحديث، ويُتوَّج بجائزة نوبل.
فمن رحبة قروية بسيطة إلى منصة ستوكهولم، مرّ قملٌ واحد بقصتين: إحداهما شعبية محفوظة في الذاكرة الجماعية، والأخرى علمية موثّقة في سجلات الطب العالمي. وكلتاهما، في النهاية، تروي الحكاية نفسها: أن هذه الأرض، حتى في أدق التفاصيل وأقساها، لطالما كانت صانعة للحدث وأكبر من حدودها على الخريطة.
المعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان
سألتُ يوماً أحد كبار الحومة، أطال الله عمره في الخير والبركة، عن سبب تسمية «رحبة القمل» بالقيروان، وهي الساحة الواقعة أمام «باب تونس» من الخارج. فحدّثني أن أبواب القيروان كانت تُغلق ليلاً وتُفتح نهاراً، وأن الوافدين على المدينة ليلاً، وخاصة الأعراب الذين يجلبون الخضر والغلال والدواب لأسواقها، كانوا يبيتون في وكالات (خانات) مقامة بهذه الرحبة. وكان بعضهم يجلس أمام الوكالات لفَلْي وتمشيط ونزع القمل من رؤوسهم، فسُمّي المكان «رحبة القمل». وهنا استحضر المثل الشعبي: «فلّيني ونفلّيك.. والشمس ضاوية عليك».
حكاية طريفة، قد يظنها القارئ من طرائف الحومة لا أكثر. لكنّ الغريب أن هذا القمل، الذي كان مجرد إزعاج يومي في المخيال الشعبي، كان في الوقت نفسه محور واحد من أهم الاكتشافات في تاريخ الطب الحديث، وقع بالضبط في المستشفى الصادقي (عزيزة عثمانة) بتونس العاصمة، على يد طبيب فرنسي اسمه شارل نيكول (Charles Nicolle).
من روان إلى تونس
وُلد شارل نيكول بمدينة روان الفرنسية سنة 1866، وتحصّل على الدكتوراه في الطب من جامعة باريس سنة 1893. عمل بعد ذلك بكلية الطب في روان، قبل أن يُعيَّن سنة 1903 مديرا لمعهد باستور بتونس، وهو المنصب الذي سيشغله إلى حين وفاته بتونس سنة 1936، أي طيلة ثلاثة وثلاثين عاماً حوّل خلالها المعهد إلى مركز عالمي في البحث البكتريولوجي.وما إن حطّ نيكول الرحال بتونس حتى وجد نفسه أمام «التيفوس»، ذلك الداء الوبائي الذي كان يحصد الأرواح كل شتاء، وينتقل من الأرياف إلى المدينة ليستوطن السجون والنزل الشعبية. كان الأطباء في تونس يخشونه أكثر من أي مرض آخر؛ إذ أصيب به نحو ثلث الأطباء العاملين بالإدارة الصحية آنذاك، ومات ثلثهم تقريباً.
لغز المستشفى وسرّ «الحمّام»
لاحظ نيكول ظاهرة محيّرة في المستشفى الصادقي: المصاب بالتيفوس شديد العدوى في الشارع، فهو ينقل المرض لأهله وجيرانه ولمن يلامسه، بل حتى لموظفي استقبال المستشفى. لكنه بمجرد دخوله إلى قاعات المستشفى الداخلية، يتوقف فجأة عن نشر العدوى! يعيش وسط مرضى آخرين ويعالجه الأطباء والممرضون دون أن يُصابوا. فما الذي يتغيّر بين عتبة الباب وسرير المستشفى؟يروي نيكول بنفسه في محاضرته أمام لجنة نوبل أنه كان، في طريقه اليومي إلى المستشفى، يضطر غالباً إلى تخطّي جثث مرضى تيفوس فارغي القوى، سقطوا عند الباب قبل أن يبلغوا قاعة الاستقبال. وفي أحد الأيام، بينما كان -كعادته- يتخطّى جثة مسجّاة عند الدرج، أشرق في ذهنه الحل: تلك الجثة الملقاة أمام الباب بالضبط هي التي رسمت له حدود العدوى.
فالمستشفى الصادقي (الذي كان في الأصل ثكنة عسكرية قديمة) كان يحتوي عند مدخله على حمام عربي (Bain maure)؛ وكان بروتوكول المستشفى يقضي بأن يدخل المريض الوافد أولاً إلى هذا الحمام ليتجرد من ملابسه، ويُحلق شعر رأسه وثنايا جسده، ويُغسل بالماء والصابون، قبل أن يُلبس ثياباً نظيفة خاصة بالمستشفى.
هنا أدرك نيكول السر: التيفوس يتوقف عن الانتشار فور تجاوز عتبة الحمّام! وبما أن المرض ينقطع بمجرد التخلص من الملابس القديمة وغسل الجسد، فإن «العامل الناقل» لا بد أنه يختبئ خارج الجسم، على الجلد أو في ألياف القماش.
والمرشّح الوحيد لهذا الدور، في نظره، كان قملة الجسم.
من الفرضية إلى البرهان
لم يكتفِ نيكول بالحدس؛ فأجرى بين جوان وسبتمبر 1909 سلسلة تجارب حاسمة، أولاً على الشمبانزي ثم على قرود الماكاك وخنازير غينيا، بالتعاون مع زملائه شارل كونت (Charles Comte) وإرنست كونساي (Ernest Conseil). أثبتت التجارب أن نقل دم مصاب أو قمل مصاب إلى حيوان سليم يكفي لنقل العدوى، بينما يظل الحيوان في مأمن إن حُمي من القمل. وتبيّن لاحقاً أن العدوى تحدث أساساً عبر فضلات القملة، لا عبر لسعتها وحدها: فحين يحكّ المصاب جلده المتهيّج، تعلق فضلات القمل الحاملة للجرثومة بأظافره، فينقلها إلى عينيه أو إلى خدوش في جلده.هكذا حسم نيكول اللغز سنة 1909: التيفوس الوبائي مرض ينتقل بواسطة قملة الجسم لا بالتماس المباشر بين البشر. أما الجرثومة المسؤولة عن المرض نفسها فلم يكتشفها هو، بل توصّل إليها الطبيب البرازيلي هنريكي دا روشا ليما سنة 1916، وأطلق عليها اسم «ريكتسيا بروفاتسكي» (Rickettsia prowazekii) تخليداً لذكرى باحثَين، الأمريكي هوارد ريكتس والتشيكي ستانيسلاس فون بروفاتسك، ماتا وهما يدرسان هذا المرض نفسه.
نتائج أنقذت الملايين
خلال سنتين فقط من اكتشافه، وبتطبيق إجراءات بسيطة كتعقيم الثياب ونزع القمل عن الوافدين الجدد، نجح نيكول وفريقه في الحدّ بشكل كبير من وباء التيفوس في تونس العاصمة، الذي كان يتكرر فيها كل شتاء منذ قرون. غير أن الأثر الأكبر لاكتشافه ظهر مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، حين تفشّى التيفوس بشكل رهيب بين الجنود والأسرى في الخنادق والمعتقلات؛ فكانت طريقة «ازالة القمل» (Delousing) التي استنبطها من ملاحظاته في تونس هي السلاح الذي حدّ من كارثة بشرية محققة.تقديراً لهذا الإنجاز، مُنح شارل نيكول جائزة نوبل في الطب سنة 1928 «عن أعماله حول التيفوس»، ليصبح بذلك أول اكتشاف علمي كبير مرتبط بتونس يُتوَّج بهذه الجائزة العالمية. ولم يكتفِ بالتيفوس، بل يُنسب إليه أيضاً، رفقة مساعدته البولندية هيلين سبارو (Hélène Sparrow)، التمييز بين التيفوس الوبائي الذي ينقله القمل والتيفوس المستوطن الذي ينقله برغوث الجرذان. كما اكتشف، رفقة لوي مانصو (Louis Manceaux)، طفيليَّ «التوكسوبلازما غوندي» (Toxoplasma gondii) المسبب لداء المقوسات، انطلاقاً من قارض صحراوي يُعرف بـ«الڨندي».
وحين حاول شارل نيكول تطوير لقاح ضد التيفوس، أجرى سلسلة من التجارب باستخدام مواد مأخوذة من القمل المصاب ومصل دم المتعافين. لم يكتمل هذا اللقاح على يديه، وسيواصل لاحقًا العالم البولندي رودولف فايغل (Rudolf Stefan Jan Weigl) تطوير لقاح فعّال، وأعلن عن نتائج أبحاثه في هذا المجال سنة 1930، لكن الطريق كان قد فُتح.
حين تلتقي ذاكرة الحومة بالعلم
تبقى «رحبة القمل» بالقيروان شاهداً طريفاً على أن أهل تونس، بحسّهم العملي، كانوا يمارسون منذ قرون، ودون أن يدروا، شكلاً بدائياً من «نزع القمل» الذي أثبت شارل نيكول علمياً أنه كفيل بوقف انتشار أخطر الأوبئة. فبينما كان الأعراب يجلسون في الشمس أمام وكالاتهم للتخلص من حشرة مزعجة، كانت تونس نفسها، بعد عقود قليلة، تتحول إلى مختبر عالمي يُنجز فيه أحد أهم اكتشافات الطب الحديث، ويُتوَّج بجائزة نوبل.فمن رحبة قروية بسيطة إلى منصة ستوكهولم، مرّ قملٌ واحد بقصتين: إحداهما شعبية محفوظة في الذاكرة الجماعية، والأخرى علمية موثّقة في سجلات الطب العالمي. وكلتاهما، في النهاية، تروي الحكاية نفسها: أن هذه الأرض، حتى في أدق التفاصيل وأقساها، لطالما كانت صانعة للحدث وأكبر من حدودها على الخريطة.









Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 336563