JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

من هرمز إلى السويس.. عندما تعود الجغرافيا إلى صناعة التاريخ

<img src=http://www.babnet.net/images/4b/6a9c2550bd83e1.01497171_hqjnfkelogpim.jpg>



بقلم / م. وسام الأطرش



لم تعد الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية تجري في نطاق جغرافي محدد. فمنذ أن امتدت تداعياتها إلى مضيق هرمز والخليج والبحر الأحمر وقناة السويس، أخذت تكشف ما هو أعمق من نتائج المعارك نفسها: هشاشة شبكة الطرق التي يقوم عليها الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وحدود قدرة القوى الكبرى على ضمان استمرارها عندما تتحول الممرات البحرية إلى أوراق في الصراع.


شرايين تمتد عبر العالم



مضيق هرمز ليس مجرد ممر ضيق بين الخليج وبحر العرب، وباب المندب ليس مجرد بوابة تصل البحر الأحمر بالمحيط الهندي، كما أن قناة السويس ليست مجرد قناة تختصر الطريق بين آسيا وأوروبا. هذه المواقع الثلاثة تقع على خط واحد تقريباً، هو الخط الذي تتحرك عبره الطاقة والبضائع بين أهم مراكز الإنتاج والاستهلاك في العالم.
ولذلك فإن اضطراب أيٍّ منها لا يبقى محصوراً في نطاقه الجغرافي، بل تمتد ارتداداته عبر الأسعار والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد، لتصل إلى اقتصادات تمتد على طول الكتلة الأوراسية، من أقصى شرق آسيا إلى أقصى غرب أوروبا، فضلاً عن القارة الأفريقية.

جغرافيا كانت تصنع القوة

لكن أهمية هذه الجغرافيا تبدو أقدم من النظام العالمي المعاصر، إذ لم تكن يوماً هامشاً في تاريخ القوة، بل كانت في كثير من الأحيان أحد مفاتيحها. فقد كانت أوراسيا، كما يذكر بريجنسكي، مركز القوة العالمية لقرون، وكانت الخلافة الإسلامية واحدة من القوى الكبرى التي حضرت في قلب هذا المجال الأوراسي قبل أن تنقلب موازين القوة لمصلحة القوى الأوروبية. ومن هنا لا تبدو هرمز وباب المندب والسويس مجرد ممرات بحرية، بل عقداً استراتيجية ومفاصل في الرقعة الجغرافية التي ظل الصراع عليها، من عصر الخلافة والإمبراطوريات إلى عصر الهيمنة الأمريكية، صراعاً على مركز النظام العالمي. ولعل هذا يفسر جانباً من الأهمية الجيوسياسية التي احتفظت بها المنطقة حتى اليوم.

وتكشف تجربة الجزائر وطرابلس في العصر العثماني، على سبيل المثال، عن عالم كانت فيه الولايات الإسلامية قادرة على فرض شروطها على القوى البحرية الصاعدة. فقد اضطرت الولايات المتحدة الناشئة إلى التفاوض ودفع الأموال من أجل ضمان مرور سفنها، قبل أن تتحول موازين القوة لاحقاً لصالح القوى الغربية. ولم يكن ذلك استثناءً تاريخياً، بل كان تعبيراً عن حقيقة بسيطة: من يملك الممرات يستطيع أن يملك جزءاً من شروط التجارة. ثم انقلبت المعادلة...
انقلاب موازين القوة
مع التوسع الاستعماري الأوروبي، وتنامي القوة البحرية الغربية، ثم نشوء النظام الدولي الحديث بعد الحربين العالميتين، انتقلت السيطرة على معظم عقد التجارة العالمية تدريجياً إلى القوى الغربية. وأصبح البحر المتوسط والخليج وقناة السويس والموانئ المحيطة بها جزءاً من منظومة استراتيجية أوسع، هدفها تأمين طرق التجارة والطاقة وربط المراكز الصناعية والأسواق العالمية بشبكة من المصالح التي تقودها القوى الكبرى.

إيران وشرخ النظام الأحادي

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بدا النظام العالمي أكثر استقراراً تحت الهيمنة الأمريكية، على افتراض بقاء طرق الطاقة والتجارة مفتوحة وقدرة واشنطن على ردع من يحاول تعطيلها. لكن إيران كانت من أبرز القوى التي أحدثت شرخاً في هذه المعادلة برفضها الاندماج الكامل فيها، الأمر الذي التقت عنده مصالح روسيا والصين، وإن اختلفت غاياتهما: فموسكو تسعى إلى كسر النظام الأحادي، وبكين إلى إعادة توزيع القوة بما يرسخ تعدد الأقطاب ويحد من قدرة واشنطن على احتواء صعودها.
وفي هذا السياق، لا تبدو إيران مجرد حليف لهما، بل إحدى ساحات اختبار حدود النظام الأمريكي. وبصرف النظر عن سياساتها الإقليمية وما يُنسب إليها من أخطاء وانتهاكات، فقد أثبتت أن دولة إقليمية تستطيع، ولو بكلفة كبيرة، أن ترفض بعض قواعد النظام القائم وتبني هامشاً للحركة خارجه. وكان موقعها الجغرافي أحد أهم مصادر هذه القدرة؛ فهي لا تحتاج إلى إغلاق هرمز حتى تؤثر في العالم، إذ يكفي أن تجعل المرور فيه أكثر خطراً أو كلفة حتى تضطرب حسابات النقل والطاقة. وهنا تتحول الجغرافيا من موقع على الخريطة إلى أداة لصناعة القوة والسياسة.

ولهذا فإن ما يحدث في هرمز يتجاوز النفط. إنه اختبار لحدود النظام الدولي وقدرته على حماية حركة الطاقة والتجارة حين تمتلك قوة إقليمية إرادة تهديد أحد أهم مفاتيحه. وفي المقابل، تنظر الصين إلى هرمز والبحر الأحمر والسويس كسلسلة واحدة تمس أمنها الاقتصادي، فتسعى إلى تثبيت حضورها عند هذه العقد وتقليل تعرض تجارتها لاختناقات الحرب والعقوبات والصراع الدولي.
هرمز والسويس.. مفاتيح القوة في نظام عالمي متصدع
فإذا كان هرمز مفتاحاً للطاقة، فإن السويس مفتاح للتجارة، واضطراب أحدهما ينعكس على الآخر وعلى الاقتصاد العالمي بأسره. ومن هنا تكتسب الاستثمارات الصينية حول قناة السويس معناها الأوسع: بكين لا تستثمر في ممر فحسب، بل في موقع داخل شبكة القوة التي تمر عبرها تجارتها.، وهذا ما يمنح زيارة الرئيس الصيني مؤخرا إلى مصر بعدا إضافيا، يتجاوز حدود الاحتفال بمرور سبعة عقود على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

فهذه الزيارة تمتد إلى حسابات أوسع تتصل بمستقبل التجارة والطاقة والنفوذ الدولي. لأن موقع مصر وقناة السويس يجعلان منها، في الرؤية الصينية، أكثر من سوق أو شريك. إنها عقدة تلتقي عندها الصناعة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا واللوجستيات. وقد عكست القمة هذا التوجه بتوقيع خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم رئيسية، إلى جانب أكثر من عشرين وثيقة تعاون، شملت ربط رؤية مصر 2030 بالحزام والطريق، والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي وسلاسل الإمداد، وتعزيز الاستثمارات في محور قناة السويس. وبذلك تبدو القاهرة جزءاً من شبكة اقتصادية صينية أوسع تصل الإنتاج الآسيوي بالأسواق الأفريقية والأوروبية.

ومع ذلك، لا تبدو الصين إلى حد الآن راغبة في استبدال الهيمنة الأمريكية بأخرى صينية، بقدر ما تسعى إلى توسيع هامش حركتها وإعادة توزيع القوة. وهنا تتقاطع أزمات العقدين الأخيرين -من صعود الصين والحرب الروسية الأوكرانية إلى العقوبات واضطراب سلاسل الإمداد والتنافس التكنولوجي والحرب على إيران- لتكشف أن النظام الذي بدا راسخاً بعد الحرب الباردة لم يعد قادراً على فرض قواعده كما كان.

لم يسقط النظام الأمريكي بعد، ولم يولد نظام بديل مكتمل. لكن المسلّمات التي حكمت العالم لعقود بدأت تتصدع، وعادت الجغرافيا إلى قلب معادلة القوة. فالمفارقة التاريخية أن أهم الممرات التي يتصارع العالم على أمنها اليوم تقع في قلب العالم الإسلامي: مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، فضلاً عن موقع الخليج وثرواته وموقع البحر المتوسط وطرق التجارة التي تصل الشرق بالغرب.

من امتلاك الجغرافيا إلى صناعة التاريخ

ربما من أكثر الأمور السياسية وضوحا اليوم، أن العالم الإسلامي يمتلك هذه الجغرافيا الممتدة من دون أن يمتلك القرار السياسي الموحد القادر على تحويلها إلى قوة مستقلة. فالمشكلة ليست في غياب الموارد، ولا في فقدان الموقع، وإنما في غياب الإرادة السياسية القادرة على جمع عناصر القوة وتحويلها إلى مشروع مستقل عن حسابات قوى الشرق والغرب. وهذا هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هرمز.
فإيران لم تغيّر النظام العالمي بمفردها، وربما لا تستطيع ذلك. لكنها أظهرت أن النظام الذي يبدو محكماً يمكن إرباكه عندما تمتلك دولة إقليمية موقعاً استراتيجياً وإرادة سياسية وقدرة على تحمل كلفة المواجهة. والصين، من جهتها، لا تحتاج إلى السيطرة على الممرات حتى تستفيد من أهميتها؛ يكفي أن تبني حضوراً اقتصادياً حولها وتربط مصالحها بها.

أما المسلمون، فليست مشكلتهم أنهم يفتقرون إلى الجغرافيا، بل أنهم فقدوا القدرة على تحويلها إلى قوة وقرار. فهرمز وباب المندب والسويس لم تكن يوماً مجرد ممرات، وإنما كانت مفاتيح قوة حين كان وراءها كيان سياسي يحميها ويستخدمها. واليوم، بينما تتصدع قواعد النظام الدولي، يُطرح السؤال الأهم: هل يبقى العالم الإسلامي ساحةً يتنافس الآخرون على جغرافيتها وثرواتها، أم يستعيد القدرة على أن يكون طرفاً في صناعة النظام الذي يتشكل؟ فالقضية في نهاية المطاف ليست من يمر عبر المضائق، بل من يملكها سياسياً، ومن يملك إرادة استخدام الجغرافيا لصناعة التاريخ.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 335626

babnet