هل بالإمكان تعويض الفرنسية بالانقليزية في تونس؟
محمد الحمّار
على عكس ما يعتقده الملايين من التونسيين، ليست اللغة الفرنسية لغة ثانية في تونس. حين يُقال عن لغة إنها ثانية ينبغي أن يتم التنصيص على ذلك في الدستور والقوانين والتشريعات بينما هذا لم يحصل في تونس.
فما هي الحالة أو المكانة statut الحقيقية للّغة الفرنسية في تونس؟ إن وضعيتها كلغة ثانية بعد العربية هي وضعية de fait ليس de droit. هذا يعني أنّ بزوال الاستعمار بقيَت الفرنسية مستعمَلة في جُل المجالات والفضاءات وبالتالي فهي راسخة في النسيج الثقافي العام ومن ثمة في النسيج الاجتماعي، ما جعَلها ذات قيمة في المجال التعليمي على امتداد العقود وإلى هذا اليوم. لقد أضحى التعامل بواسطة اللغة الفرنسية في بلادنا مسألةً متجذرة في الشخصية التونسية أي أنها باتت مسألة هوية.
في الأثناء، وعلى الأخص في السنوات الأخيرة، وتزامنًا مع هيمنة اللغة الانڨليزية عالميا على جميع الأصعدة، برزَت وجوهٌ وتعالت أصوات في بلادنا تنادي بتعويض الفرنسية بالانڨليزية. وهي عموما أصوات لا علاقة لها بعلم اللسانيات ولا بتدريس اللغات الأجنبية. هي فقط أصوات سياسيين لاهثين وراء "البوز" أو ظانين أنّ في تبديل لغة المستعمر بلغة عالمية سوف يقاومون من يسَمونهم "أبناء فرنسا" من التونسيين وسوف يحصل التقدم العلمي والتكنولوجي.
صحيح أنّ التأثير ما- بعد-الاستعماري للغة الفرنسية في تونس وفي التونسيين موجود وفعّال لا سيما أنّ فرنسا لا ترغب في رؤية الانڨليزية تقتحم المجالات التي تصُول فيها الفرنسية وتجول. لكن هذا لا يُبَرر الرغبة في مَحو هذه اللغة من تونس بجَرة قلم.
حسب رأيي كمدرس أسبق للفرنسية والانڨليزية (هذه الأخيرة هي تخصصي)، بما أنّ التعامل بالفرنسية أضحى مسألة هوية، فَحين يتعلق الأمر بالمناداة بشَطب هاته اللغة من تونس، هذا الصنيع سيكون بمثابة إزالة" الأنف من الوجه". حتى من الناحية السوسيولوجية فإنّ دعاة التبديل يُفكرون بما يسمى "مبدأ الرغبة" بينما المقاربة الصحيحة لا بُد أن تتوخى "مبدأ الواقع".
لنحاول الآن إيجاد الحل. هذا الأخير يتطلب شيئا من بيداغوجيا تدريس اللغات أكثر منه صُراخا سياسيا. والحل يتمثل في تصحيح الخطأ الذي ارتكبته فرنسا نفسها في تدريس لغتها ومن ثمة ستلوح معالم الطريق أمامنا بخصوص إصلاح تدريس الفرنسية في تونس عوضاً عن شطبها وتعويضها بأخرى. فكل الأخصائيين يعلمون أن التعليم الفرنسي في مجال اللغات عموما وانطلاقا من المبدأ الأصلي لتدريس الفرنسية للفرنسيين أنفسهم، كلهم يعلمون أن التعليم هناك متشبث بالمنقار والأظافر، كما يقول المثل الفرنسي، بالمقاربة البنيوية approche structurale وهي تلك التي ترتكز أساسا على تدريس النحو والصرف خصوصاً بشكل مباشر explicite عوضاً عن توخي المقاربات الانغلوساكسونية المتطورة المثمثلة بالخصوص في التوجه التواصلي و"الأكلَكتي" أي الانتقائي (انتقاء الأفضل من كل مقاربة وجمعها في مقاربة شاملة). من هذا المنظور تتراءَى لنا حالة التخبط التي وجدَ تدريس الفرنسية في تونس نفسه فيها. وهنا تكمُن تبَعية النظام التعليمي التونسي للنظام الفرنسي بخصوص تدريس اللغة الفرنسية. إذَن أيّ محاولة للاستقلال عن النظرة الفرنسية في هذا المجال (وربما في كل المجالات حسب قانون "توسيع الآفاق" extrapolation كانعكاس الفائدة على كل المجالات)، أيّ محاولة لا بدّ أن تمرّ باصلاح المقاربة الفرنسية التي ورثناها عن فرنسا.
في السياق نفسه، إذا حَوّلت الدولة في تونس واقعَ تدريس الفرنسية (لكأنها لغة ثانية) إلى تقنين تدريسها كلغة أجنبية (وهي المكانة التي تستحقها فعليا بالنظر إلى وضعية الدولة المستقلة عن الدولة المستعمِرة سابقا)، سوف يكون استيعابها من طرف المتعلمين أفضل بكثير مما هو عليه منذ عشرات السنين إلى الآن. أما مِعول مثل هذا التحَول المنشود (والمنطقي) فهو تحَول المقاربة البيداغوجية العامة لتدريس هذه اللغة من تقليد (غير متقن) للمقاربة البنيوية الاستعمارية (التي لم تتحسن في بلد المَنشأ و تدهورت في بلد المستعمَر السابق!) إلى مقاربة FLE أي Français Langue Étrangère.إنها المقاربة الملائمة لِوضعية اللغة الأجنبية، سواء كانت الفرنسية أو غيرها.
على عكس ما يعتقده الملايين من التونسيين، ليست اللغة الفرنسية لغة ثانية في تونس. حين يُقال عن لغة إنها ثانية ينبغي أن يتم التنصيص على ذلك في الدستور والقوانين والتشريعات بينما هذا لم يحصل في تونس.
فما هي الحالة أو المكانة statut الحقيقية للّغة الفرنسية في تونس؟ إن وضعيتها كلغة ثانية بعد العربية هي وضعية de fait ليس de droit. هذا يعني أنّ بزوال الاستعمار بقيَت الفرنسية مستعمَلة في جُل المجالات والفضاءات وبالتالي فهي راسخة في النسيج الثقافي العام ومن ثمة في النسيج الاجتماعي، ما جعَلها ذات قيمة في المجال التعليمي على امتداد العقود وإلى هذا اليوم. لقد أضحى التعامل بواسطة اللغة الفرنسية في بلادنا مسألةً متجذرة في الشخصية التونسية أي أنها باتت مسألة هوية.
في الأثناء، وعلى الأخص في السنوات الأخيرة، وتزامنًا مع هيمنة اللغة الانڨليزية عالميا على جميع الأصعدة، برزَت وجوهٌ وتعالت أصوات في بلادنا تنادي بتعويض الفرنسية بالانڨليزية. وهي عموما أصوات لا علاقة لها بعلم اللسانيات ولا بتدريس اللغات الأجنبية. هي فقط أصوات سياسيين لاهثين وراء "البوز" أو ظانين أنّ في تبديل لغة المستعمر بلغة عالمية سوف يقاومون من يسَمونهم "أبناء فرنسا" من التونسيين وسوف يحصل التقدم العلمي والتكنولوجي.
صحيح أنّ التأثير ما- بعد-الاستعماري للغة الفرنسية في تونس وفي التونسيين موجود وفعّال لا سيما أنّ فرنسا لا ترغب في رؤية الانڨليزية تقتحم المجالات التي تصُول فيها الفرنسية وتجول. لكن هذا لا يُبَرر الرغبة في مَحو هذه اللغة من تونس بجَرة قلم.
حسب رأيي كمدرس أسبق للفرنسية والانڨليزية (هذه الأخيرة هي تخصصي)، بما أنّ التعامل بالفرنسية أضحى مسألة هوية، فَحين يتعلق الأمر بالمناداة بشَطب هاته اللغة من تونس، هذا الصنيع سيكون بمثابة إزالة" الأنف من الوجه". حتى من الناحية السوسيولوجية فإنّ دعاة التبديل يُفكرون بما يسمى "مبدأ الرغبة" بينما المقاربة الصحيحة لا بُد أن تتوخى "مبدأ الواقع".
لنحاول الآن إيجاد الحل. هذا الأخير يتطلب شيئا من بيداغوجيا تدريس اللغات أكثر منه صُراخا سياسيا. والحل يتمثل في تصحيح الخطأ الذي ارتكبته فرنسا نفسها في تدريس لغتها ومن ثمة ستلوح معالم الطريق أمامنا بخصوص إصلاح تدريس الفرنسية في تونس عوضاً عن شطبها وتعويضها بأخرى. فكل الأخصائيين يعلمون أن التعليم الفرنسي في مجال اللغات عموما وانطلاقا من المبدأ الأصلي لتدريس الفرنسية للفرنسيين أنفسهم، كلهم يعلمون أن التعليم هناك متشبث بالمنقار والأظافر، كما يقول المثل الفرنسي، بالمقاربة البنيوية approche structurale وهي تلك التي ترتكز أساسا على تدريس النحو والصرف خصوصاً بشكل مباشر explicite عوضاً عن توخي المقاربات الانغلوساكسونية المتطورة المثمثلة بالخصوص في التوجه التواصلي و"الأكلَكتي" أي الانتقائي (انتقاء الأفضل من كل مقاربة وجمعها في مقاربة شاملة). من هذا المنظور تتراءَى لنا حالة التخبط التي وجدَ تدريس الفرنسية في تونس نفسه فيها. وهنا تكمُن تبَعية النظام التعليمي التونسي للنظام الفرنسي بخصوص تدريس اللغة الفرنسية. إذَن أيّ محاولة للاستقلال عن النظرة الفرنسية في هذا المجال (وربما في كل المجالات حسب قانون "توسيع الآفاق" extrapolation كانعكاس الفائدة على كل المجالات)، أيّ محاولة لا بدّ أن تمرّ باصلاح المقاربة الفرنسية التي ورثناها عن فرنسا.
في السياق نفسه، إذا حَوّلت الدولة في تونس واقعَ تدريس الفرنسية (لكأنها لغة ثانية) إلى تقنين تدريسها كلغة أجنبية (وهي المكانة التي تستحقها فعليا بالنظر إلى وضعية الدولة المستقلة عن الدولة المستعمِرة سابقا)، سوف يكون استيعابها من طرف المتعلمين أفضل بكثير مما هو عليه منذ عشرات السنين إلى الآن. أما مِعول مثل هذا التحَول المنشود (والمنطقي) فهو تحَول المقاربة البيداغوجية العامة لتدريس هذه اللغة من تقليد (غير متقن) للمقاربة البنيوية الاستعمارية (التي لم تتحسن في بلد المَنشأ و تدهورت في بلد المستعمَر السابق!) إلى مقاربة FLE أي Français Langue Étrangère.إنها المقاربة الملائمة لِوضعية اللغة الأجنبية، سواء كانت الفرنسية أو غيرها.




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 338008