خلف دخان الضربات... الملف النّـووي لا يزال بعيداً عن الحسم
بقلم وسام الأطرش
في خضم التصعيد الأخير الذي شهدته المنطقة، جاءت الضربات الأميركية على أهداف إيرانية رداً على حادثة استهداف المروحية الأميركية من طراز "أباتشي" فوق مضيق هرمز، لتضيف فصلاً جديداً إلى مسلسل التوتر المزمن بين واشنطن وطهران. فبينما تمسكت الإدارة الأميركية بحقها في الرد (وبقوّة)، نفت إيران أي مسؤولية متعمدة عن الحادث، وأكدت عبر الوسطاء استمرار تمسكها بخيار التفاوض، بل نقلت وسائل إعلامها عن مصدر عسكري تأكيده أن القوات الإيرانية لم تنفذ أي عمليات جوية في المنطقة خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة للحادثة، ومع ذلك فلا يبدو أن الرد الإيراني سيتأخر كثيرا. لكن خلف هذا السجال العسكري والسياسي، تبرز أزمة أعمق بكثير من حادثة ميدانية عابرة؛ أزمة يتداخل فيها النووي بالإقليمي، والدبلوماسية بالردع، والمفاوضات بحسابات القوّة.
فخلال الأشهر الماضية، غرقت المنطقة في سيل متواصل من الأخبار العاجلة والتصريحات النارية والضربات المتبادلة بين (إسرائيل) وإيران، ثم بين الولايات المتحدة وإيران. وفي موازاة ذلك، كرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عشرات المرات أن الاتفاق مع طهران أصبح وشيكاً، محدداً في كل مرة مهلة جديدة للحسم: أسبوعان، أيام معدودة، أو حتى 48 ساعة فقط. ومع مرور الوقت تحولت هذه المواعيد إلى ما يشبه "سياسة المهل المتحركة"، حيث يجري تأجيل لحظة الحسم باستمرار مع الحفاظ على الانطباع بأن الاتفاق بات قاب قوسين أو أدنى.
غير أن الضربات العسكرية والتهديدات المتبادلة والتصريحات المتفائلة لا ينبغي أن تحجب الحقيقة الأساسية في هذا المشهد: الملف النووي الإيراني لا يزال القضية المركزية التي تدور حولها جميع التحركات السياسية والعسكرية والدبلوماسية. فكل ما يجري على الأرض من ضغط وضغط مضاد، يبدو أقرب إلى إعادة تموضع للأطراف وتحسين لشروط التفاوض منه إلى اقتراب فعلي من تسوية شاملة.
ولهذا تبدو تصريحات رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم عزيزي أكثر التصاقاً بالواقع ومصداقية من الخطاب الأميركي المتناقض. فعزيزي أكد بتاريخ 09/06/2026 أن انعدام الثقة لا يزال قائماً بين الجانبين، وأن طهران لم تلمس بعد إرادة أميركية جادة لوضع اللمسات الأخيرة على إطار أي اتفاق، مشدداً على أن عقبات أساسية ما زالت قائمة بشأن البرنامج النووي الإيراني ومستقبل تخصيب اليورانيوم. (وكالة إيران بالعربية)
وفي المقابل، قدم نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس مفتاحاً مهماً لفهم الأولويات الأميركية عندما أوضح عبر قناة فوكس نيوز بتاريخ 08/06/2026 أن الهدف الأساسي لواشنطن يتمثل في ضمان عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً. وبينما قد تتعدد الأهداف الإسرائيلية والحسابات الإقليمية، يبقى هاجس الإدارة الأميركية متمحوراً حول حسم ملف التخصيب والقدرات النووية الإيرانية.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم التحرك الأميركي المكثف داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فواشنطن تسعى إلى حشد أكبر عدد ممكن من الدول خلف مشروع قرار يطالب إيران بالكشف عن مصير مواقعها النووية التي تعرضت للقصف، وتقديم بيانات دقيقة حول مخزونها من اليورانيوم المخصب، خصوصاً الكميات عالية التخصيب التي يعتقد أنها نجت من الضربات العسكرية الأخيرة.
وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة مع انعقاد اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (المتكون من 35 دولة) في فيينا هذا الأسبوع، حيث تعمل الولايات المتحدة على تأمين دعم كافٍ لمشروع القرار وتحويله إلى أداة ضغط دولية جديدة على طهران. (يورونيوز، 08/06/2026
) وتبدو هذه المحطة جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى نقل المواجهة من إطارها الثنائي بين واشنطن وطهران إلى إطار دولي أوسع يمنح الولايات المتحدة غطاءً سياسياً ودبلوماسياً أكبر في إدارة الملف النووي.
وهنا تبرز قراءة سياسية مختلفة لتأخر التوصل إلى اتفاق نهائي. فالمسألة لا تتعلق فقط بالخلافات التقنية حول نسب التخصيب أو آليات الرقابة الدولية، بل قد تعكس أيضاً رغبة أميركية في استكمال عملية الحشد الدولي ضد إيران، ولا سيما في الساحة الأوروبية، خاصة وقد مرت قرارات سابقة صادرة عن مجلس الوكالة بأغلبية مريحة بشأن إيران قدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. ومع ذلك، لم تقم إيران بإبلاغ الوكالة بوضع مخزونها من اليورانيوم المخصب والمواقع المتضررة إلى اليوم. وبالتالي، فإنه كلما ازداد الحديث عن غياب الشفافية النووية الإيرانية، ازدادت قدرة واشنطن على تعبئة حلفائها خلف مقاربتها للملف.
ومع ذلك فقد فشل مجلس الأمن الدولي بتاريخ 09/06/2026 في إدراج بند يتعلق بـعدم الانتشار النووي بشأن إيران على جدول أعماله، بعدما استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) لمنع تمرير المقترح.
وهنا يصبح تمديد أمد المفاوضات جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء إجماع دولي متين قبل الوصول إلى أي تسوية، وكذلك إلى بحث سبل تجاوز هذا الفيتو الداعم لإيران في مجلس الأمن. كما يمنح الإدارة الأميركية فرصة لتقديم نفسها بوصفها الطرف الذي استنفد كل الوسائل الدبلوماسية الممكنة قبل اللجوء إلى مزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. فإدارة ترامب تدرك أن أي اتفاق مع إيران لن يكون مجرد إنجاز دبلوماسي، بل ورقة سياسية قابلة للاستثمار داخلياً، خاصة إذا اكتملت صورة النصر الوهمي الذي يلهث خلفه ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي لهذا العام. ومن هذا المنظور، قد لا يكون الحسم السريع للملف أولوية بقدر ما هو مهم اختيار التوقيت المناسب لإعلان أي اختراق محتمل، بما يسمح بتقديمه للرأي العام الأميركي على أنه ثمرة مباشرة لسياسة الضغوط والعقوبات والردع العسكري.
لذلك تبدو واشنطن وكأنها لا تبحث عن اتفاق فحسب، بل عن اتفاق يمكن تسويقه بوصفه انتصاراً سياسياً واستراتيجياً. ومن هنا أيضاً يصبح من الصعب تصور رفع كامل للضغوط الاقتصادية والقيود البحرية المفروضة على إيران قبل الوصول إلى صيغة تسمح للإدارة الأميركية بإظهار نفسها في موقع المنتصر أمام جمهورها الداخلي وحلفائها الخارجيين.
وإلى جانب الملف النووي، يبرز الملف اللبناني باعتباره القضية الثانية الأكثر حساسية في مسار التفاوض. فقد أظهرت التطورات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في السلوك الإيراني تجاه لبنان، حيث تبدو طهران أكثر تمسكاً بالدفاع عن حزبها اللبناني (حزب الله) بوصفه أهم أذرعها الإقليمية، وأكثر استعداداً للربط بين مستقبل نفوذها الإقليمي وأي ترتيبات سياسية أو أمنية يجري التفاوض عليها مع الغرب.
ومع ذلك، يبقى هذا الملف مرتبطاً بالمسألة النووية أكثر مما ينافسها على الأولوية. فمستقبل التخصيب ومصير مخزون اليورانيوم وآليات الرقابة الدولية هي العناوين التي ستحدد شكل العلاقة المقبلة بين إيران والولايات المتحدة، فيما ستعاد صياغة الملفات الإقليمية الأخرى على ضوء ما ستنتهي إليه هذه المواجهة الأساسية، فيما ينظر الكيان الصهيوني للملفين كمخاطر حقيقية تهدد وجوده. أما الخاسر الأكبر إقليميا، فهي دول الخليج التي تحتضن القواعد العسكرية الأمريكية، فهي من جهة أهداف مشروعة للصواريخ الإيرانية، ومن جهة أخرى فقد أجبرتها الحرب على إغداق أموال النفط في صفقات جديدة من الأسلحة الأمريكية.
إن كل متابع لـالملف النووي الإيراني، يدرك جيدا أن نقطة التحول الحقيقية كانت منذ أفريل 2021؛ فمنذ ذلك التاريخ لم يعد الخلاف يدور فقط حول حجم البرنامج النووي الإيراني، بل حول كيفية التعامل مع مخزون من اليورانيوم المخصب عند مستوى 60%، وهو الملف الذي ما زال يشكل العقدة الأكثر حساسية في المفاوضات بين واشنطن وطهران حتى اليوم. لذلك فإن قراءة المشهد من خلال التصعيد العسكري أو التصريحات اليومية وحدها لا تكشف سوى نصف الحقيقة. فخلف الضجيج السياسي والدخان المتصاعد من ساحات المواجهة، تستمر المعركة الحقيقية حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني وشروط التعامل معه إقليميا ودوليا.
بل حتى وإن نجحت واشنطن وطهران في إنتاج اتفاق خلال المرحلة المقبلة، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بـتسوية تاريخية حاسمة بقدر ما تشير إلى تفاهم مؤقت يؤجل الانفجار ولا يعالج جذور الأزمة. فجوهر الخلاف لا يزال متمركزاً حول اليورانيوم عالي التخصيب ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، وهي قضايا يصعب تجاوزها عبر الصياغات الدبلوماسية أو الحلول المرحلية. ولذلك فإن أي اتفاق لا يحسم هذه الملفات سيبقى أقرب إلى هدنة سياسية منه إلى تسوية نهائية، وأقرب إلى إدارة للأزمة منه إلى حل لها، ما يجعله عرضة للتصدع عند أول اختبار جدي أو أول مواجهة حقيقية مع الاستحقاقات النووية المؤجلة.
في خضم التصعيد الأخير الذي شهدته المنطقة، جاءت الضربات الأميركية على أهداف إيرانية رداً على حادثة استهداف المروحية الأميركية من طراز "أباتشي" فوق مضيق هرمز، لتضيف فصلاً جديداً إلى مسلسل التوتر المزمن بين واشنطن وطهران. فبينما تمسكت الإدارة الأميركية بحقها في الرد (وبقوّة)، نفت إيران أي مسؤولية متعمدة عن الحادث، وأكدت عبر الوسطاء استمرار تمسكها بخيار التفاوض، بل نقلت وسائل إعلامها عن مصدر عسكري تأكيده أن القوات الإيرانية لم تنفذ أي عمليات جوية في المنطقة خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة للحادثة، ومع ذلك فلا يبدو أن الرد الإيراني سيتأخر كثيرا. لكن خلف هذا السجال العسكري والسياسي، تبرز أزمة أعمق بكثير من حادثة ميدانية عابرة؛ أزمة يتداخل فيها النووي بالإقليمي، والدبلوماسية بالردع، والمفاوضات بحسابات القوّة.
فخلال الأشهر الماضية، غرقت المنطقة في سيل متواصل من الأخبار العاجلة والتصريحات النارية والضربات المتبادلة بين (إسرائيل) وإيران، ثم بين الولايات المتحدة وإيران. وفي موازاة ذلك، كرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عشرات المرات أن الاتفاق مع طهران أصبح وشيكاً، محدداً في كل مرة مهلة جديدة للحسم: أسبوعان، أيام معدودة، أو حتى 48 ساعة فقط. ومع مرور الوقت تحولت هذه المواعيد إلى ما يشبه "سياسة المهل المتحركة"، حيث يجري تأجيل لحظة الحسم باستمرار مع الحفاظ على الانطباع بأن الاتفاق بات قاب قوسين أو أدنى.
غير أن الضربات العسكرية والتهديدات المتبادلة والتصريحات المتفائلة لا ينبغي أن تحجب الحقيقة الأساسية في هذا المشهد: الملف النووي الإيراني لا يزال القضية المركزية التي تدور حولها جميع التحركات السياسية والعسكرية والدبلوماسية. فكل ما يجري على الأرض من ضغط وضغط مضاد، يبدو أقرب إلى إعادة تموضع للأطراف وتحسين لشروط التفاوض منه إلى اقتراب فعلي من تسوية شاملة.
ولهذا تبدو تصريحات رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإيراني إبراهيم عزيزي أكثر التصاقاً بالواقع ومصداقية من الخطاب الأميركي المتناقض. فعزيزي أكد بتاريخ 09/06/2026 أن انعدام الثقة لا يزال قائماً بين الجانبين، وأن طهران لم تلمس بعد إرادة أميركية جادة لوضع اللمسات الأخيرة على إطار أي اتفاق، مشدداً على أن عقبات أساسية ما زالت قائمة بشأن البرنامج النووي الإيراني ومستقبل تخصيب اليورانيوم. (وكالة إيران بالعربية)
وفي المقابل، قدم نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس مفتاحاً مهماً لفهم الأولويات الأميركية عندما أوضح عبر قناة فوكس نيوز بتاريخ 08/06/2026 أن الهدف الأساسي لواشنطن يتمثل في ضمان عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً. وبينما قد تتعدد الأهداف الإسرائيلية والحسابات الإقليمية، يبقى هاجس الإدارة الأميركية متمحوراً حول حسم ملف التخصيب والقدرات النووية الإيرانية.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم التحرك الأميركي المكثف داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فواشنطن تسعى إلى حشد أكبر عدد ممكن من الدول خلف مشروع قرار يطالب إيران بالكشف عن مصير مواقعها النووية التي تعرضت للقصف، وتقديم بيانات دقيقة حول مخزونها من اليورانيوم المخصب، خصوصاً الكميات عالية التخصيب التي يعتقد أنها نجت من الضربات العسكرية الأخيرة.
وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة مع انعقاد اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (المتكون من 35 دولة) في فيينا هذا الأسبوع، حيث تعمل الولايات المتحدة على تأمين دعم كافٍ لمشروع القرار وتحويله إلى أداة ضغط دولية جديدة على طهران. (يورونيوز، 08/06/2026
) وتبدو هذه المحطة جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى نقل المواجهة من إطارها الثنائي بين واشنطن وطهران إلى إطار دولي أوسع يمنح الولايات المتحدة غطاءً سياسياً ودبلوماسياً أكبر في إدارة الملف النووي.وهنا تبرز قراءة سياسية مختلفة لتأخر التوصل إلى اتفاق نهائي. فالمسألة لا تتعلق فقط بالخلافات التقنية حول نسب التخصيب أو آليات الرقابة الدولية، بل قد تعكس أيضاً رغبة أميركية في استكمال عملية الحشد الدولي ضد إيران، ولا سيما في الساحة الأوروبية، خاصة وقد مرت قرارات سابقة صادرة عن مجلس الوكالة بأغلبية مريحة بشأن إيران قدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. ومع ذلك، لم تقم إيران بإبلاغ الوكالة بوضع مخزونها من اليورانيوم المخصب والمواقع المتضررة إلى اليوم. وبالتالي، فإنه كلما ازداد الحديث عن غياب الشفافية النووية الإيرانية، ازدادت قدرة واشنطن على تعبئة حلفائها خلف مقاربتها للملف.
ومع ذلك فقد فشل مجلس الأمن الدولي بتاريخ 09/06/2026 في إدراج بند يتعلق بـعدم الانتشار النووي بشأن إيران على جدول أعماله، بعدما استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) لمنع تمرير المقترح.
وهنا يصبح تمديد أمد المفاوضات جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء إجماع دولي متين قبل الوصول إلى أي تسوية، وكذلك إلى بحث سبل تجاوز هذا الفيتو الداعم لإيران في مجلس الأمن. كما يمنح الإدارة الأميركية فرصة لتقديم نفسها بوصفها الطرف الذي استنفد كل الوسائل الدبلوماسية الممكنة قبل اللجوء إلى مزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. فإدارة ترامب تدرك أن أي اتفاق مع إيران لن يكون مجرد إنجاز دبلوماسي، بل ورقة سياسية قابلة للاستثمار داخلياً، خاصة إذا اكتملت صورة النصر الوهمي الذي يلهث خلفه ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي لهذا العام. ومن هذا المنظور، قد لا يكون الحسم السريع للملف أولوية بقدر ما هو مهم اختيار التوقيت المناسب لإعلان أي اختراق محتمل، بما يسمح بتقديمه للرأي العام الأميركي على أنه ثمرة مباشرة لسياسة الضغوط والعقوبات والردع العسكري.
لذلك تبدو واشنطن وكأنها لا تبحث عن اتفاق فحسب، بل عن اتفاق يمكن تسويقه بوصفه انتصاراً سياسياً واستراتيجياً. ومن هنا أيضاً يصبح من الصعب تصور رفع كامل للضغوط الاقتصادية والقيود البحرية المفروضة على إيران قبل الوصول إلى صيغة تسمح للإدارة الأميركية بإظهار نفسها في موقع المنتصر أمام جمهورها الداخلي وحلفائها الخارجيين.
وإلى جانب الملف النووي، يبرز الملف اللبناني باعتباره القضية الثانية الأكثر حساسية في مسار التفاوض. فقد أظهرت التطورات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في السلوك الإيراني تجاه لبنان، حيث تبدو طهران أكثر تمسكاً بالدفاع عن حزبها اللبناني (حزب الله) بوصفه أهم أذرعها الإقليمية، وأكثر استعداداً للربط بين مستقبل نفوذها الإقليمي وأي ترتيبات سياسية أو أمنية يجري التفاوض عليها مع الغرب.
ومع ذلك، يبقى هذا الملف مرتبطاً بالمسألة النووية أكثر مما ينافسها على الأولوية. فمستقبل التخصيب ومصير مخزون اليورانيوم وآليات الرقابة الدولية هي العناوين التي ستحدد شكل العلاقة المقبلة بين إيران والولايات المتحدة، فيما ستعاد صياغة الملفات الإقليمية الأخرى على ضوء ما ستنتهي إليه هذه المواجهة الأساسية، فيما ينظر الكيان الصهيوني للملفين كمخاطر حقيقية تهدد وجوده. أما الخاسر الأكبر إقليميا، فهي دول الخليج التي تحتضن القواعد العسكرية الأمريكية، فهي من جهة أهداف مشروعة للصواريخ الإيرانية، ومن جهة أخرى فقد أجبرتها الحرب على إغداق أموال النفط في صفقات جديدة من الأسلحة الأمريكية.
إن كل متابع لـالملف النووي الإيراني، يدرك جيدا أن نقطة التحول الحقيقية كانت منذ أفريل 2021؛ فمنذ ذلك التاريخ لم يعد الخلاف يدور فقط حول حجم البرنامج النووي الإيراني، بل حول كيفية التعامل مع مخزون من اليورانيوم المخصب عند مستوى 60%، وهو الملف الذي ما زال يشكل العقدة الأكثر حساسية في المفاوضات بين واشنطن وطهران حتى اليوم. لذلك فإن قراءة المشهد من خلال التصعيد العسكري أو التصريحات اليومية وحدها لا تكشف سوى نصف الحقيقة. فخلف الضجيج السياسي والدخان المتصاعد من ساحات المواجهة، تستمر المعركة الحقيقية حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني وشروط التعامل معه إقليميا ودوليا.
بل حتى وإن نجحت واشنطن وطهران في إنتاج اتفاق خلال المرحلة المقبلة، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بـتسوية تاريخية حاسمة بقدر ما تشير إلى تفاهم مؤقت يؤجل الانفجار ولا يعالج جذور الأزمة. فجوهر الخلاف لا يزال متمركزاً حول اليورانيوم عالي التخصيب ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، وهي قضايا يصعب تجاوزها عبر الصياغات الدبلوماسية أو الحلول المرحلية. ولذلك فإن أي اتفاق لا يحسم هذه الملفات سيبقى أقرب إلى هدنة سياسية منه إلى تسوية نهائية، وأقرب إلى إدارة للأزمة منه إلى حل لها، ما يجعله عرضة للتصدع عند أول اختبار جدي أو أول مواجهة حقيقية مع الاستحقاقات النووية المؤجلة.




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 330825