مطالب بتنقيحه..اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي بين الموجود والمنشود

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/67c44b120ddca3.71670034_jkomlefnphqgi.jpg>


بقلم ريم بالخذيري

تعدّ أوروبا شريكًا تاريخيًا لبلادنا منذ كانت تُعرف بـ"إفريقية"، حيث ارتبطت معها بعلاقات تجارية متميزة بحكم الموقع الجغرافي وتقارب الثقافات. غير أنّ هذه العلاقات تحوّلت لاحقًا إلى استعمار مباشر من طرف فرنسا دام قرابة الثمانين عامًا، كانت خلاله الهيمنة التجارية مطلقة لفائدة لفائدتها،حيث بسطت نفوذها على الموانئ التونسية والطرق البرية، وسيطرت على ثروات البلاد من نفط وفسفاط ومنتوجات فلاحية.


وبعد الاستقلال، انتقلت هذه العلاقة من هيمنة مباشرة إلى شراكة تجارية، كانت فرنسا محورها وأوروبا رحاها، في إطار توازنات دولية جديدة فرضتها العولمة والانفتاح الاقتصادي.




وقد شكّل منح تونس صفة "الشريك المتميز" مع الاتحاد الأوروبي منعرجًا حقيقيًا في مسار هذه العلاقة، تُرجم بإمضاء اتفاق الشراكة بتاريخ 17 جويلية 1995، والذي دخل حيّز التنفيذ في 1 مارس 1998، في سياق مسار برشلونة. وقد نصّ الاتفاق على إرساء منطقة تبادل حر تدريجيًا، خاصة في المجال الصناعي، وهو ما تحقق فعليًا سنة 2008 بإلغاء المعاليم الديوانية على أغلب المنتجات الصناعية الأوروبية.

غير أنّ هذا الانفتاح لم يكن متكافئًا، إذ بقيت القطاعات الفلاحية والخدماتية التونسية خاضعة لقيود، مما أفرز اختلالًا واضحًا في ميزان المبادلات. وتشير الأرقام إلى أنّ الاتحاد الأوروبي يستحوذ على حوالي 70% من الصادرات التونسية ونحو 50% من وارداتها، فيما تستحوذ أوروبا على أكثر من 80% من الاستثمارات الأجنبية ببلادنا، وهو ما يعكس عمق الارتباط، لكنه يكشف في الآن ذاته عن هشاشة التوازن.

كما سجّل الميزان التجاري عجزًا متفاقمًا تجاوز في بعض السنوات 10 مليار دينار، في حين تستورد تونس أكثر من 60% من حاجياتها من الحبوب، وتتكبد فاتورة طاقية تفوق 10 مليار دينار سنويًا، مع تراجع الاكتفاء الذاتي من الطاقة إلى أقل من 50%.

وعند مقارنة هذه الاتفاقية بتجارب دول أخرى، يتضح التباين في النتائج. فالمغرب، الذي وقّع اتفاقًا مماثلًا سنة 1996، استطاع تعزيز صادراته الفلاحية نحو أوروبا لتبلغ ما يفوق 45 مليار درهم سنويًا، مستفيدًا من شروط نفاذ أفضل. أما تركيا، المرتبطة مع الاتحاد الأوروبي باتحاد ديواني منذ 1995، فقد تجاوزت صادراتها الصناعية نحو أوروبا 100 مليار دولار سنويًا، بفضل قاعدة صناعية قوية وآليات تفاوض أكثر فاعلية.

في المقابل، ظلّ الاقتصاد التونسي محدود التنويع، قائمًا أساسًا على صناعات تركيبية ضعيفة القيمة المضافة، مما عمّق تبعيته للأسواق الأوروبية.

أمام هذه المعطيات، تسعى تونس اليوم إلى مراجعة هذا الاتفاق، استنادًا إلى مبررات موضوعية، من أبرزها اختلال ميزان القوى الاقتصادية، والعجز التجاري المزمن، وتضرر المؤسسات الصغرى والمتوسطة، إلى جانب التحولات العالمية الكبرى مثل الأزمة المالية العالمية 2008 وجائحة كوفيد19، والتي أعادت طرح مسألة السيادة الاقتصادية كأولوية وطنية.

كما تندرج هذه المراجعة في إطار قانوني مشروع، وفق قواعد اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، التي تتيح تعديل الاتفاقيات أو إعادة التفاوض بشأنها في حال تغيّر الظروف.

لقد أثبتت التجربة، وبعد أكثر من ربع قرن من هذا الاتفاق، أنّ الانفتاح غير المتكافئ لم يُحقق التنمية المنشودة، بل ساهم في إضعاف عديد القطاعات، على غرار النسيج والأحذية، وأدى إلى غلق مؤسسات وتراجع أخرى، خاصة في الجهات الداخلية، التي بقيت خارج ديناميكية النمو.

واليوم لم يعد النقاش حول مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي مجرّد طرح نظري، بل دخل طور القرار السياسي المعلن، بعد أن دعا رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى تنقيح هذا الاتفاق في اخر مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في إشارة واضحة إلى أنّ تونس لم تعد تقبل باستمرار علاقة غير متوازنة.
وجاء في بلاغ المكالمة "وتناول رئيس الدّولة في هذه المكالمة جملة من المواضيع ومن بينها على وجه الخصوص العلاقات مع الإتحاد الأوروبي وضرورة مراجعة إتفاق الشراكة حتى يكون متوازنا وأكثر عدلا وإنصافا."
كما تبنّت الدبلوماسية التونسية نفس التوجه، مؤكدة على لسان وزير الخارجية ضرورة إعادة صياغة الإطار المنظم لهذه الشراكة بما ينسجم مع المصالح الوطنية.

غير أنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان المواقف فحسب، بل في القدرة على تحويلها إلى مسار تفاوضي فعلي. فمراجعة اتفاق بهذا الحجم تقتضي إعدادًا دقيقًا، يبدأ بتقييم وطني شامل يكشف مكامن الخلل، ويمرّ بتشكيل فريق تفاوضي قوي قادر على إدارة حوار معقّد مع شريك يمتلك خبرة طويلة في هذا المجال، وصولًا إلى تحديد أولويات واضحة تضع حماية الاقتصاد الوطني في صدارة الاهتمام.

كما تفرض هذه المرحلة توحيد الجبهة الداخلية الاقتصادية عبر إشراك مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، حتى لا تتحول المراجعة إلى قرار فوقي معزول، بل إلى خيار وطني جامع. وفي الآن ذاته، يتعيّن على تونس استثمار ما يتيحه القانون الدولي، وخاصة اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، لفرض إعادة التفاوض على أسس جديدة تكرّس مبدأ التوازن.

لكن في المقابل، من المنتظر أن تكون استجابة الاتحاد الأوروبي حذرة ومحسوبة، إذ قد يتمسّك أولًا بالإطار العام للاتفاق باعتباره جزءًا من سياسة متوسطية شاملة، مع إبداء استعداد لإدخال تعديلات جزئية لا تمسّ جوهر حرية المبادلات. كما قد يدفع نحو ربط أي مراجعة بتوسيع مجالات التعاون، خاصة في الخدمات والاستثمار، في إطار مشاريع مثل اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق (ALECA).

وقد يلجأ أيضًا إلى استخدام أدواته التقليدية، مثل الدعم المالي والتقني، لاحتواء المطالب التونسية وتوجيهها، أو اشتراط إصلاحات اقتصادية وهيكلية مقابل أي تنازلات محتملة. وفي المقابل، يبقى خيار التصلّب قائمًا، خاصة إذا اعتبر أنّ مراجعة الاتفاق قد تفتح الباب أمام مطالب مماثلة من شركاء آخرين في الضفة الجنوبية.
وعموما فالاتحاد الاوروبي يدرك أن مراجعة الاتفاق والاستجابة للشروط التونسية أفضل من خسارة شريك استراتيجي مميز مثل تونس التي اعربت علنا عن نيتها في تنويع شراكاتها التجارية وعدم تركها حصرا على الاتحاد الاوروبي.
*اتفاق الشراكة الشاملة..بديلا؟

يمكن أن يشكل اتفاق الشراكة الشامل الذي أبرمته تونس مع الاتحاد الاوروبي في 2023 اطارا لتنقيح اتفاق الشراكة التجاري المتحدث عنه.
والمعضلة في هذا الاتفاق الذي سنبين ملامحه لاحقا أن أغلب بنوده بقيت خبرة على ورق ولم تنفذ.
و اتفاق الشراكة الشاملة هذا لايختص بالتجارة وحدها وانما عدد من المجالات الحيوية.بينها تعزيز التجارة ومكافحة الهجرة غير النظامية.
ويركز الاتفاق،على عدة محاور أهمها الهجرة والاقتصاد ومجال الزراعة والتجارة والطاقة والانتقال الرقمي.
-الهجرة: اعتماد مقاربة مشتركة تعالج أسباب الهجرة غير النظامية، مع دعم التنمية والتدريب، والتشديد على مكافحة الهجرة غير القانونية وتعزيز الهجرة النظامية والتنسيق في مراقبة الحدود والإنقاذ.
-الاقتصاد الكلي: دعم الاتحاد الأوروبي للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في تونس بهدف تحقيق النمو، مع تقديم دعم مالي مباشر للميزانية.
-الاقتصاد والتجارة: تعزيز المبادلات التجارية وتحسين مناخ الاستثمار، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
-الزراعة والمياه: تطوير التعاون لضمان الأمن الغذائي، خاصة الحبوب، وتحسين إدارة الموارد المائية باستخدام تقنيات حديثة ومصادر بديلة.
-الاقتصاد الدائري: دعم الانتقال نحو اقتصاد مستدام يقلل من التلوث ويعتمد على إعادة التدوير والاستخدام الأمثل للموارد.
-التحول الرقمي: تعزيز التعاون التكنولوجي وتمويل المشاريع الرقمية، مع الاستفادة من البنية التحتية مثل الكابل البحري، والانخراط في برامج أوروبية رقمية.
-النقل الجوي: تقييم قطاع الطيران وتهيئة تونس لمزيد من التنافسية، مع إمكانية توقيع اتفاق شامل يدعم السياحة.
-الاستثمار: تنظيم مؤتمر دولي للاستثمار في تونس، وتشجيع مشاركة المستثمرين الأوروبيين، مع دعم جهود مكافحة الفقر والبطالة وتعزيز الاقتصاد الاجتماعي.

إن تنقيح اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي تعبير صريح عن تحوّل عميق في تموقع تونس وخياراتها الجديدة. فالدولة التونسية اليوم، وهي تعيد ترتيب أولوياتها على قاعدة السيادة الوطنية وتنويع الشراكات، لم تعد تقبل بعلاقات غير متكافئة، بل تتحرّك من موقع قوة يفرض مراجعة جدّية وشاملة لهذا الاتفاق. وعليه، فإنّ المرحلة القادمة لن تكون مجرّد بحث عن تحسين الشروط، بل تأسيسًا لعلاقة جديدة تُبنى على الندية والمصلحة المتبادلة، حيث تملك تونس من الأوراق والبدائل ما يمكّنها من فرض رؤيتها، لا التكيّف مع إملاءات غيرها.

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 326470

babnet