Bookmark article
Publié le Lundi 05 Octobre 2026 - 11:35
قراءة: 3 د, 58 ث
في قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، عاش جمهور أيام قرطاج الموسيقية مساء الأحد 4 أكتوبر 2026 على إيقاعات الفنانة المغربية "أوم"، في عرض موسيقي استعاد شيئا من الذاكرة الصحراوية والمغربية، وفتحها في الآن ذاته على روافد إفريقية وشرقية، ضمن تجربة تقوم على الصوت والإيقاع والتفاعل المباشر مع الجمهور.
وحضر العرض جمهور محترم، تابع الفنانة المغربية وهي تقدم جانبا من ألبومها الجديد "ديال الدار"، في تجربة بدت مختلفة في اختياراتها الموسيقية وفي طريقة بنائها على الركح. فبعيدا عن الاستعراض البصري الطاغي أو كثافة التوزيع، اتجهت أوم إلى منح الصوت والإيقاع مساحة أوسع، مستندة إلى موروث موسيقي مغربي وصحراوي وإلى أشكال من الإيقاعات الإفريقية والشرقية التي تتقاطع داخل مشروعها الفني.
وكان للضوء حضوره في تشكيل المشهد الركحي، إذ لم يأت مجرد عنصر مكمل للعرض، بل ساهم في مواكبة التحولات الموسيقية وإبراز اختلاف الحالات الإيقاعية والمزاجية للأغاني. فتبدلت الأجواء الضوئية بتبدل النبض الموسيقي، من لحظات أكثر هدوءا وحميمية إلى مقاطع تتصاعد فيها الإيقاعات وتشتد حركتها، بما منح العرض بعدا بصريا ينسجم مع طبيعته الموسيقية القائمة على التدرج والتفاعل.
وفي انسجام مع هذا البناء، بدت "أوم" حريصة على إقامة صلة مباشرة مع الحاضرين، فتحدثت إليهم عن علاقتها السابقة بتونس واستعادت حضورها الأخير أمام الجمهور التونسي، مستحضرة المسار الذي جمعها بالمشهد الموسيقي في البلاد. كما عبرت عن اعتزازها بالانتماء إلى فضاء موسيقي مغاربي وإفريقي واسع، معتبرة أن هذا التنوع الثقافي والموسيقي يشكل أحد مصادر ثراء تجربتها الفنية.
ولم يكن هذا التواصل مع الجمهور منفصلا عن طبيعة مشروعها الجديد، الذي يقترب أكثر من الجذور ومن الأشكال الموسيقية التي تشكلت في محيطها الأول. ففي "ديال الدار"، الذي صدر سنة 2026، تعود "أوم" إلى عناصر من الذاكرة الموسيقية المغربية، مستلهمة أنماطا إيقاعية تقليدية، من بينها الدقة والتقيتيقات المراكشية، وتعيد تقديمها في بناء معاصر يمنح الصوت والإيقاع دورا مركزيا.
وتحمل تسمية الألبوم، التي تعني "صنع في البيت"، دلالة على هذا الاقتراب من الأصل ومن التفاصيل الحميمة التي تنتمي إلى الحياة اليومية والذاكرة العائلية. وقد اختارت أوم في هذا المشروع أن تقلص حضور الآلات الموسيقية التقليدية المعتادة، وتعتمد بدرجة أكبر على الصوت والآلات الإيقاعية، بما فيها آلات مصنوعة يدويا وبعض الأدوات والأشياء التي يمكن تحويلها إلى مصادر للصوت.
ومن خلال هذا الاختيار، تبدو أوم وكأنها تعيد ترتيب العلاقة بين المغني والإيقاع، فلا يعود الإيقاع مجرد خلفية للصوت، بل يصبح شريكا أساسيا في بناء الأغنية. وتتيح هذه المقاربة أيضا استحضار طابع جماعي متجذر في عدد من أشكال الغناء التقليدي، حيث يتقدم الإيقاع وتتقاطع الأصوات وتتشكل الموسيقى من تفاعل المجموعة.
ويأتي هذا المشروع امتدادا لمسار فني اشتغلت خلاله أوم على الجمع بين مكونات من التراث المغربي والصحراوي والحساني وبين مؤثرات إفريقية وموسيقى الجاز والسول، من دون أن تتخلى عن حضور اللهجة المغربية في أغانيها. وهي مسيرة جعلت منها واحدة من الأصوات المغربية التي اختارت أن تنطلق من المحلي لتبني خطابا موسيقيا أكثر انفتاحا على العالم.
وتنحدر أوم، واسمها الكامل أم الغيث بنت الصحراوي، من أصول صحراوية، وقد نشأت في المغرب، وهو ما ترك أثرا واضحا في تجربتها الفنية. ومنذ ألبوم "Soul of Morocco" الصادر سنة 2013، ثم "Zarabi" سنة 2015 و"Daba" سنة 2019، واصلت البحث عن صيغة تجمع بين المرجعيات المغربية والصحراوية وموسيقى العالم. ويؤكد مسارها الفني أن علاقتها بالتراث لا تقوم على استعادته كما هو، وإنما على إعادة قراءته وإدخاله في حوار مع الحاضر.
ولم يكن لقاء "أوم" بالجمهور التونسي في هذه الأمسية هو الأول، إذ تعود أولى مشاركاتها في تونس إلى سنة 2015، قبل أن تعود سنة 2022 للمشاركة في الدورة السادسة والخمسين لمهرجان الحمامات الدولي، حيث قدمت عرضا موسيقيا من مشروعها "Daba". وقد شكل حضورها في الحمامات آنذاك مناسبة أخرى للقاء جمهور تونسي بتجربتها القائمة على التفاعل بين الثقافة المغاربية وموسيقى العالم.
وبعد أربع سنوات، عادت أوم إلى تونس بمشروع جديد أكثر التصاقا بالذاكرة وبالموسيقى الإيقاعية، لتجد أمامها جمهورا تابَع فقرات العرض وتفاعل مع انتقالاته. وقد بدا هذا التواصل أحد العناصر اللافتة في السهرة، إذ لم تتعامل الفنانة مع الركح باعتباره مساحة للأداء فقط، بل جعلت منه مجالا للحوار والإنصات المتبادل، مستحضرة علاقتها السابقة بتونس ومؤكدة في حديثها مع الحاضرين اعتزازها بالموسيقى المغاربية والإفريقية وبقدرتها على بناء جسور بين الثقافات.
وفي "ديال الدار"، كما في تجربتها عموما، لا تبحث أوم عن فصل الموسيقى إلى هويات مغلقة، بل عن نقاط الالتقاء بينها. فالصوت المغربي يجاور الإيقاع الصحراوي، والنبض الإفريقي يتقاطع مع ظلال شرقية، فيما تظل الأغنية مفتوحة على الجاز والسول وموسيقى العالم. ومن هذه المساحة المشتركة تتشكل تجربة فنية تراهن على الاختلاف بوصفه مصدرا للتنوع لا عائقا أمام التواصل.
ومع نهاية العرض، بدت السهرة في قاعة الأوبرا أقرب إلى رحلة موسيقية بين الذاكرة والحاضر، وبين الخصوصية والانفتاح، وهي ثنائية تلازم تجربة أوم التي اختارت، منذ بداياتها، أن تجعل من جذورها نقطة انطلاق لا حدودا نهائية لموسيقاها.
وتندرج مشاركة "أوم" ضمن برمجة الدورة الحادية عشرة لأيام قرطاج الموسيقية التي تتواصل من 3 إلى 10 أكتوبر 2026، وتضم 26 عرضا في عدد من فضاءات مدينة الثقافة وفضاءات أخرى، بمشاركة تجارب موسيقية من تونس ومن بلدان عربية وإفريقية وأوروبية.
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 337238