Bookmark article
Publié le Samedi 01 Août 2026 - 16:10
قراءة: 2 د, 54 ث
في الليلة التي احتفل فيها مهرجان الحمامات الدولي بمرور ستين عاما على بعثه، وأطفأ فيها المسرح الأثري بالحمامات شمعته الثانية والستين منذ تدشينه يوم 31 جويلية 1964 على يد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، اختار القائمون على الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي الاحتفاء بالجذور الإفريقية لتونس من خلال استضافة أحد أبرز رموز الموسيقى في إفريقيا الفنان المالي ساليف كايتا.
وواكب هذا الحفل الذي انتظم مساء أمس الجمعة على ركح مسرح الهواء الطلق بالحمامات كل من وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي وعدد من الشخصيات من ممثلي البعثات الدبلوماسية، من بينهم سفير جمهورية مالي موسى سورو سي، وسفير جمهورية السنغال مصطفى سو، وسفير جمهورية بوركينا فاسو أبولينار سوادوغو.
ومنذ اعتلائه الركح، اختار ساليف كايتا حضورا هادئا ينسجم مع مسيرته الفنية الممتدة لعقود. وارتدى زيا تقليديا ماليا باللون الأحمر القاني، تتوسطه زخارف هندسية، مع قبعة بيضاء بسيطة، في إطلالة جمعت بين الأناقة والهوية الإفريقية، واستحضرت رمزية اللون الأحمر في عدد من الثقافات الإفريقية بوصفه لون الحياة والطاقة والاحتفال.
وفي مستهل الحفل اختار الفنان العودة بالجمهور إلى سنوات التسعين من خلال أغنية "Mama" التي أطلقها في سنة 1999 ضمن ألبوم "Papa"، قبل أن يتوجه إلى الجمهور بكلمات حملت الكثير من عبارات المودة، شكر من خلالها التونسيين على حسن الاستقبال، ومعبرا عن فخره بالغناء في تونس وقائلا "أنا تونسي أيضا"، في إشارة إلى تقلده قبل سنوات الصنف الثاني من الوسام الوطني للاستحقاق، ومضيفا "كل ما يتعلق بتونس أنا أحبه، تحيا إفريقيا، تحيا تونس".
ورغم وضعه الصحي الذي استوجب أن يواصل العرض جالسا على كرسي عملا بتوصيات الأطباء، كما صرح في الحفل، إلا أن ذلك لم يضعف حضوره الفني على الركح، إذ ظل صوته كما عهده الجمهور محتفظا بذلك الدفء والقوة اللذين منحاه لقب "الصوت الذهبي لإفريقيا".
وتنقل كايتا خلال هذه السهرة بين محطات مختلفة من مسيرته الفنية، حيث أدى "Dery" و"TonTon" و"Zizou-Zizou"، ثم "AES" و"Laban" و"PaPa" و"Tèkènè"، وصولا إلى "Yamoré"، الأغنية التي أصدرها منذ سنوات، وعادت إلى الواجهة مؤخرا بعد إعادة توزيعها، لتستعيد حضورها لدى جمهور جديد دون أن تفقد روحها الأصلية.
وبين أداء مختلف الأغاني، حافظت الفرقة الموسيقية على التوازن بين الآلات التقليدية الإفريقية والآلات الحديثة، في تناغم أبرز ثراء الموسيقى الماندينغية التي حملها ساليف كايتا إلى المسارح العالمية، مع احتفاظها بصلتها الوثيقة بجذورها.
ولا تنفصل مسيرة ساليف كايتا الفنية عن التزامه الإنساني، فهذا الفنان، الذي ولد مصابا بالمهق في مجتمع أحاط هذه الحالة بكثير من الأحكام المسبقة والوصم، حول تجربته الشخصية إلى قضية للدفاع عن حقوق المصابين بالمهق، وأصبح صوته يحمل، إلى جانب الغناء، رسالة تدعو إلى احترام الاختلاف وصون الكرامة الإنسانية.
ومثلت نهاية السهرة إحدى أكثر لحظاتها دفئا وقربا للجمهور، فمع انطلاق أغنية "Madan – Nous Pas Bouger"، دعا ساليف كايتا الجمهور إلى مغادرة مقاعدهم والصعود إلى الركح، فاستجاب العشرات للدعوة، وسرعان ما امتلأت الخشبة بالحاضرين الذين التفوا حول الفرقة الموسيقية، لتختفي المسافة التقليدية بين الفنان وجمهوره، ويتحول المسرح إلى فضاء احتفالي تتمايل فيه الأجساد على إيقاعات الطبول والآلات الإفريقية، بينما واصل الموسيقيون العزف وسط تصفيق متواصل وهتافات احتفت بالموسيقى بوصفها لغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة.
وحملت برمجة هذه السهرة دلالة ثقافية تتجاوز بعدها الفني، إذ جاء حضور أحد أبرز رموز الموسيقى الإفريقية ضمن دورة تحتفل بستة عقود من تاريخ مهرجان الحمامات الدولي، وبمشاركة عدد من السفراء الأفارقة، ليعكس المكانة التي تحتلها الثقافة الإفريقية في برمجة المهرجان، ويؤكد استمرار انفتاحه على مختلف التعبيرات الفنية في القارة.كما أعادت الأمسية التذكير بالدور الذي يمكن أن تؤديه الثقافة في مد جسور الحوار والتقارب بين الشعوب، حيث تحولت الموسيقى، طوال السهرة، إلى لغة مشتركة جمعت الفنان وجمهوره على اختلاف انتماءاتهم. وفي تلك الليلة، حضرت إفريقيا على ركح الحمامات وفي مدارجه، في مشهد احتفى بالتنوع الثقافي وبالروابط التاريخية التي تجمع تونس بعمقها الإفريقي.
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 333836