JavaScript is required. Redirecting... If not redirected, click here.

القطاع البنكي في تونس: أرباح قياسية... ومواطنون خارج المنظومة

<img src=http://www.babnet.net/images/3b/6a02ca005faf49.61651304_gilmpeohqfknj.jpg>


بقلم: مختار العماري

يحقق القطاع البنكي في تونس أرباحا طائلة سنة بعد أخرى، ويوزع عائدات سخية على المساهمين، ويواصل تسجيل نمو متصاعد في نتائجه المالية، لكنه في المقابل يواصل إقصاء ملايين التونسيين من أبسط الخدمات البنكية، وسط صمت لافت من البنك المركزي ولامبالاة من دعاة العدالة الاجتماعية.


أخبار ذات صلة:
Tunisie: Deux adultes sur trois n'ont pas de compte bancaire...


لنبدأ بسؤال اقتصادي بسيط: أي قطاع في تونس يحقق أرباحا قياسية كل سنة، ويوزع أرباحا سخية على مساهميه، ويعرض ميزانيات في نمو متواصل، لكنه في الوقت نفسه يقصي ثلثي التونسيين من خدماته؟




إذا كانت إجابتكم: “القطاع البنكي”، فأنتم تدركون جوهر مفارقة لم يكلف لا محافظ البنك المركزي ولا المعنيون بالشأن الاجتماعي أنفسهم عناء تفسيرها للتونسيين، رغم أن الأرقام واضحة وصادمة.

مأدبة للبعض… وصيام للبقية

خلال سنة 2024، حقق القطاع البنكي التونسي أرباحا صافية بلغت 1.6 مليار دينار، بزيادة قدرها 11.9 بالمائة مقارنة بالسنة السابقة.

وتصدرت “BIAT” قائمة البنوك الأكثر ربحا بأرباح بلغت 357.8 مليون دينار، تلتها “التجاري بنك” بـ232 مليون دينار، ثم “AMEN Bank” بـ230 مليون دينار.

وتأتي هذه الأرباح أساسا من العائدات المتأتية من شراء أذون الخزينة وتمويل الدولة، حيث أصبحت البنوك تحقق أرباحا أكبر من إقراض الدولة مقارنة بتمويل الأسر أو المؤسسات الخاصة.

وفي المقابل، ماذا يفعل التونسي البسيط؟ الحرفي في المدينة العتيقة، البائعة المتجولة في صفاقس، الفلاح في سيدي بوزيد، سائق التاكسي في بنزرت أو بائع “القلب اللوز” في جربة؟

بحسب البنك الدولي، لا يمتلك سوى 36 بالمائة من التونسيين الذين تفوق أعمارهم 15 سنة حسابا بنكيا، من بينهم 29 بالمائة فقط من النساء.

وتأتي تونس، بنسبة إدماج مالي تبلغ 36.9 بالمائة، خلف المغرب والجزائر وحتى مصر في بعض المؤشرات.

أما بطاقات الدفع البنكية، فما تزال شبه غائبة، إذ لا يمتلكها سوى ما بين 3 و4 بالمائة من البالغين، في بلد يتحدث عن الرقمنة والحداثة سنة 2026.

والنتيجة واضحة: ثلثا التونسيين يعيشون ويدخرون ويدفعون ويستثمرون خارج المنظومة البنكية الرسمية، ليس لأنهم يرفضونها فكريا، بل لأنهم مقصيون منها منذ البداية.

خمسة أسباب تجعل البنك يغلق الباب في وجهك

أولا: المصاريف البنكية

فتح الحساب، معلوم التصرف، العمولات، البطاقات البنكية… كل شيء بمقابل.

وبالنسبة إلى العامل محدود الدخل أو صاحب النشاط غير المنتظم، تتحول الخدمات البنكية إلى عبء مالي ثقيل. فمن غير المنطقي الاشتراك في خدمة تكلف أكثر مما توفره.

ثانيا: شرط الدخل الرسمي

تشترط البنوك التونسية كشوفات أجور أو إثباتات دخل قار حتى لفتح حساب جار بسيط.

لكن الاقتصاد غير المنظم يمثل ما بين 38 و40 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، وهو ما يجعل مئات الآلاف من الحرفيين والتجار الصغار والفلاحين خارج المنظومة البنكية، ليس لأنهم لا يملكون المال، بل لأن أموالهم “بلا أوراق”.

ثالثا: جغرافيا الإقصاء

تتركز 86 بالمائة من الفروع البنكية في المناطق الساحلية، بينها 41 بالمائة في تونس الكبرى وحدها.

أما في ولايات الداخل مثل القصرين وسيدي بوزيد وتطاوين والكاف، ففرع بنكي واحد قد يغطي آلاف السكان على امتداد عشرات الكيلومترات.

رابعا: عدم اهتمام البنوك بصغار الحرفاء

ويختصر خبير بنكي تونسي الوضع قائلا: “البنوك التونسية اقتنعت بأن الحريف الصغير يكلّف أكثر مما يربح”.

ليست مسألة سوء نية، بل منطق ربح سريع… لكن النتيجة واحدة: الإقصاء.

خامسا: غياب الثقافة المالية

لا الدولة ولا البنوك ولا الجمعيات استثمرت فعليا في التربية المالية الأساسية للفئات الشعبية.

كيفية الادخار، استعمال التحويلات البنكية، فهم التأمين أو القروض… كلها مفاهيم تبقى مجهولة بالنسبة إلى شرائح واسعة من التونسيين.

صمت البنك المركزي… وتصفيق للأرباح

المشكل الحقيقي ليس في تحقيق البنوك للأرباح، فالربح ليس جريمة.

لكن الفضيحة تكمن في الصمت الرسمي تجاه هذا الشرخ الاجتماعي والمالي.

وفي نهاية سنة 2024، فرض البنك المركزي مجانية بعض الخدمات الأساسية لفائدة أصحاب الدخل المحدود، مثل فتح الحساب أو الاطلاع على الرصيد أو بعض التحويلات.

خطوة إيجابية، لكنها جاءت متأخرة بثلاثة عقود، ولا تعالج أصل الأزمة.

وفي المقابل، وزعت البنوك خلال سنة 2024 ما يقارب 850 مليون دينار كأرباح على المساهمين، أي ما يعادل 48.4 بالمائة من أرباحها الصافية.

بينما ما تزال المؤسسات الصغرى والمتوسطة عاجزة عن الحصول على التمويل.

خمس إجراءات عاجلة قبل فوات الأوان

الحكومة ورئاسة الجمهورية تملكان أدوات التدخل، والحلول موجودة وواضحة:

* إقرار حساب بنكي مجاني وإجباري لكل تونسي بالغ دون شرط الدخل أو العمل.
* تعميم خدمات الدفع والتمويل عبر الهاتف الجوال لدمج غير المتعاملين مع البنوك.
* إلزام البنوك بتخصيص ما لا يقل عن 15 بالمائة من القروض لفائدة المؤسسات الصغرى والعاملين في الاقتصاد الموازي.
* فرض توزيع عادل للفروع البنكية داخل الجهات الداخلية.
* إطلاق برنامج وطني للتربية المالية داخل المدارس والأحياء الشعبية.

لقد أصبح ثلثا التونسيين خارج المنظومة البنكية، في وقت يحقق فيه القطاع أرباحا بمليارات الدنانير.

وهو ما يجعل الحديث عن “قطاع يمثل ركيزة الاقتصاد الوطني” فاقدا للمعنى، طالما أن هذه الركيزة نفسها تقصي أغلبية المواطنين بدل أن تدمجهم.


ترجمة للنص الأصلي
Tunisie: Deux adultes sur trois n’ont pas de compte bancaire

   تابعونا على ڤوڤل للأخبار تابعونا على ڤوڤل للأخبار

Comments

0 de 0 commentaires pour l'article 329120

babnet