إشكاليات الإنصاف والحوكمة في تطبيق المرسوم عدد 3 لسنة 2025 المتعلّق بالشركات الأهلية
بدرالدين الصغير (*)
في سياق تطوّر الإطار القانوني المنظّم للشركات الأهلية، وخاصة إثر صدور المرسوم عدد 3 لسنة 2025، يكتسي تحليل هذا النص من زاوية أكاديمية أهمية خاصة، بالنظر إلى ما يطرحه من تساؤلات تتعلّق بمدى اتساقه مع المبادئ المؤطرة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ومع متطلبات الحوكمة الرشيدة والعدالة بين الفاعلين الاقتصاديين.
لقد مثّل المرسوم عدد 15 لسنة 2022 حجر الزاوية في إرساء نموذج تنموي بديل، يقوم على المبادرة الجماعية والتسيير التشاركي، ضمن مسار تأسيسي يتّسم بقدر معتبر من الصرامة المؤسسية، سواء من حيث شروط الانخراط أو من حيث إلزامية إعداد دراسات جدوى اقتصادية واجتماعية دقيقة. وقد أسهم هذا التوجّه في تكريس حدّ أدنى من الجدية والقدرة على الاستدامة لدى المشاريع المنبثقة عنه.
غير أنّ المرسوم عدد 3 لسنة 2025، ورغم ما يتضمّنه من توجهات ترمي إلى تبسيط الإجراءات وتوسيع قاعدة النفاذ إلى هذا الصنف من الشركات، يثير جملة من الإشكاليات البنيوية التي تستوجب التوقّف والتحليل، خاصة في ما يتعلّق بمفاهيم الإنصاف، والحوكمة، ووضوح القاعدة القانونية.
أولًا: إشكالية التوقيت ومخاطر الفراغ القانوني
إنّ دخول المرسوم حيّز النفاذ في غياب النصوص الترتيبية المصاحبة له يفرز وضعية قانونية انتقالية غير مكتملة، من شأنها أن تفتح المجال أمام تعدّد التأويلات والاجتهادات غير المؤطرة. ويؤدّي ذلك
إلى إضعاف مبدأ الأمن القانوني، بما ينعكس سلبًا على استقرار المعاملات وثقة الفاعلين في الإطار المنظّم.
ثانيًا: إشكالية الإنصاف وإعادة تعريف آليات التنافس
يثير اعتماد آلية القرعة كوسيلة للفصل بين المترشحين لإسناد الموارد أو المشاريع إشكالًا جوهريًا على مستوى الإنصاف الفعلي (Equity)، إذ تقوم هذه الآلية على مساواة شكلية بين فاعلين تختلف أوضاعهم الموضوعية من حيث مسار التأسيس، ودرجة الجاهزية، ومستوى الاستثمار البشري والتنظيمي. ومن شأن ذلك أن يحدّ من فاعلية مبدأ الاستحقاق القائم على الجدارة، ويؤثّر بالتالي على جودة المشاريع المنتقاة.
ثالثًا: إشكالية الحوكمة وحدود التدخّل العمومي
إنّ إمكانية إلغاء قرارات صادرة عن جلسات عامة خارقة للعادة، أو حلّ مجالس الإدارة وتعويضها بأعوان دولة، تطرح إشكالًا دقيقًا يتعلّق بحدود التدخّل العمومي في تسيير الشركات الأهلية. ففي حين تظلّ الرقابة ضرورة لضمان حسن التصرف، فإنّ توسيع نطاق التدخّل قد يمسّ بمبدأ استقلالية القرار، ويضعف الطابع التشاركي الذي يُفترض أن يميّز هذا النموذج.
رابعًا: إشكالية الغموض التشريعي وتباين التأويلات
يلاحظ وجود قدر من الغموض في صياغة بعض أحكام المرسوم، وهو ما من شأنه أن يفضي إلى تعدّد القراءات والتفسيرات بين مختلف المتدخلين. ويؤثّر هذا الوضع على توحيد الممارسات الإدارية والقانونية، ويحدّ من قابلية النص للتطبيق المنسجم والفعّال.
خامسًا: إشكالية تحوّل طبيعة الشركة الأهلية
إنّ إدراج صيغ جديدة على غرار 10+ و15+ من شأنه أن يؤدّي إلى إعادة تشكيل تركيبة الشركات الأهلية، بما قد يدفع في بعض الحالات نحو نماذج أقرب إلى الطابع العائلي أو المغلق. ويطرح هذا التحوّل تساؤلات حول مدى الحفاظ على الفلسفة الأصلية لهذا النموذج، القائمة على الانخراط الواسع والمشاركة المجتمعية.
تُبرز هذه الإشكاليات الحاجة إلى مقاربة مراجعة متأنّية للإطار القانوني المنظّم للشركات الأهلية، بما يضمن تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التبسيط الإجرائي من جهة، وضرورات الإنصاف، والنجاعة، واستقلالية القرار من جهة أخرى. كما تظلّ مسألة استكمال النصوص الترتيبية وتدقيق الصياغة القانونية عناصر حاسمة لتعزيز الأمن القانوني وترسيخ الثقة في هذا النموذج التنموي الواعد.
* بدرالدين الصغير:
رئيس مجلس إدارة الشركة الاهلية المحلية للثقافة والترفيه والسياحةالقباب برج السدرية حمام الشط ولاية بن عروس
في سياق تطوّر الإطار القانوني المنظّم للشركات الأهلية، وخاصة إثر صدور المرسوم عدد 3 لسنة 2025، يكتسي تحليل هذا النص من زاوية أكاديمية أهمية خاصة، بالنظر إلى ما يطرحه من تساؤلات تتعلّق بمدى اتساقه مع المبادئ المؤطرة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ومع متطلبات الحوكمة الرشيدة والعدالة بين الفاعلين الاقتصاديين.
لقد مثّل المرسوم عدد 15 لسنة 2022 حجر الزاوية في إرساء نموذج تنموي بديل، يقوم على المبادرة الجماعية والتسيير التشاركي، ضمن مسار تأسيسي يتّسم بقدر معتبر من الصرامة المؤسسية، سواء من حيث شروط الانخراط أو من حيث إلزامية إعداد دراسات جدوى اقتصادية واجتماعية دقيقة. وقد أسهم هذا التوجّه في تكريس حدّ أدنى من الجدية والقدرة على الاستدامة لدى المشاريع المنبثقة عنه.
غير أنّ المرسوم عدد 3 لسنة 2025، ورغم ما يتضمّنه من توجهات ترمي إلى تبسيط الإجراءات وتوسيع قاعدة النفاذ إلى هذا الصنف من الشركات، يثير جملة من الإشكاليات البنيوية التي تستوجب التوقّف والتحليل، خاصة في ما يتعلّق بمفاهيم الإنصاف، والحوكمة، ووضوح القاعدة القانونية.
أولًا: إشكالية التوقيت ومخاطر الفراغ القانوني
إنّ دخول المرسوم حيّز النفاذ في غياب النصوص الترتيبية المصاحبة له يفرز وضعية قانونية انتقالية غير مكتملة، من شأنها أن تفتح المجال أمام تعدّد التأويلات والاجتهادات غير المؤطرة. ويؤدّي ذلكإلى إضعاف مبدأ الأمن القانوني، بما ينعكس سلبًا على استقرار المعاملات وثقة الفاعلين في الإطار المنظّم.
ثانيًا: إشكالية الإنصاف وإعادة تعريف آليات التنافس
يثير اعتماد آلية القرعة كوسيلة للفصل بين المترشحين لإسناد الموارد أو المشاريع إشكالًا جوهريًا على مستوى الإنصاف الفعلي (Equity)، إذ تقوم هذه الآلية على مساواة شكلية بين فاعلين تختلف أوضاعهم الموضوعية من حيث مسار التأسيس، ودرجة الجاهزية، ومستوى الاستثمار البشري والتنظيمي. ومن شأن ذلك أن يحدّ من فاعلية مبدأ الاستحقاق القائم على الجدارة، ويؤثّر بالتالي على جودة المشاريع المنتقاة.ثالثًا: إشكالية الحوكمة وحدود التدخّل العمومي
إنّ إمكانية إلغاء قرارات صادرة عن جلسات عامة خارقة للعادة، أو حلّ مجالس الإدارة وتعويضها بأعوان دولة، تطرح إشكالًا دقيقًا يتعلّق بحدود التدخّل العمومي في تسيير الشركات الأهلية. ففي حين تظلّ الرقابة ضرورة لضمان حسن التصرف، فإنّ توسيع نطاق التدخّل قد يمسّ بمبدأ استقلالية القرار، ويضعف الطابع التشاركي الذي يُفترض أن يميّز هذا النموذج.رابعًا: إشكالية الغموض التشريعي وتباين التأويلات
يلاحظ وجود قدر من الغموض في صياغة بعض أحكام المرسوم، وهو ما من شأنه أن يفضي إلى تعدّد القراءات والتفسيرات بين مختلف المتدخلين. ويؤثّر هذا الوضع على توحيد الممارسات الإدارية والقانونية، ويحدّ من قابلية النص للتطبيق المنسجم والفعّال.خامسًا: إشكالية تحوّل طبيعة الشركة الأهلية
إنّ إدراج صيغ جديدة على غرار 10+ و15+ من شأنه أن يؤدّي إلى إعادة تشكيل تركيبة الشركات الأهلية، بما قد يدفع في بعض الحالات نحو نماذج أقرب إلى الطابع العائلي أو المغلق. ويطرح هذا التحوّل تساؤلات حول مدى الحفاظ على الفلسفة الأصلية لهذا النموذج، القائمة على الانخراط الواسع والمشاركة المجتمعية.تُبرز هذه الإشكاليات الحاجة إلى مقاربة مراجعة متأنّية للإطار القانوني المنظّم للشركات الأهلية، بما يضمن تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التبسيط الإجرائي من جهة، وضرورات الإنصاف، والنجاعة، واستقلالية القرار من جهة أخرى. كما تظلّ مسألة استكمال النصوص الترتيبية وتدقيق الصياغة القانونية عناصر حاسمة لتعزيز الأمن القانوني وترسيخ الثقة في هذا النموذج التنموي الواعد.
* بدرالدين الصغير:
رئيس مجلس إدارة الشركة الاهلية المحلية للثقافة والترفيه والسياحةالقباب برج السدرية حمام الشط ولاية بن عروس




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 327954