مسرحية "القرهمانة المخبل في كبة" لمعز التومي : عرض كوميدي يراوح بين نقد الواقع وإعادة إنتاج تمثلاته النمطية
وات -
خديجة السويسي - أمام حضور جماهيري كثيف ضم في صفوفه كوكبة من الفنانين المطربين والمسرحيين التونسيين، قدم الفنان معز التومي مساء الأحد عمله المسرحي "القرهمانة المخبل في كبة"، وهو العمل المسرحي الوحيد المبرمج ضمن الدورة الستين من مهرجان قرطاج الدولي.
هذا العرض الذي امتد على ساعتين من الزمن هو مونودراما كتب نصها وأخرجها معز التومي، وقُدمت في نسخة جديدة أعاد التومي الاشتغال عليها نصا وإخراجا، لتتلاءم مع خصوصية فضاء المسرح الأثري بقرطاج، وفق ما صرح به صاحب العمل خلال الندوة الصحفية التي انعقدت في بداية شهر جويلية الجاري للإعلان عن تفاصيل الدورة الحالية من المهرجان.
استهل التومي العرض بلوحة راقصة مستوحاة من الطقوس المرافقة لموسيقى السطمبالي، حيث ظهر الممثل مرتديا وشاحا يغطي رأسه وجسده وهو يرقص متمايلا على المسرح على وقع الإيقاعات التقليدية لهذا الفن، وإن كانت هذه الافتتاحية في الظاهر تعكس طقوسا احتفالية إلا أنها تمثل أيضا محاولة لتأصيل العرض وتأطيره ضمن الخصوصيات الثقافية الشعبية التونسية، من خلال ربط المسرحية بذاكرة جماعية تستند إلى التراث الموسيقي.
وعلى مستوى الديكور، اقتصر الفضاء الركحي للعرض على غرفة نوم وآلة خياطة من أعتق الآلات التي اعتمدها من يمتهنون مهنة الخياطة على مدى عقود من الزمن، وقد عكس هذان العنصران بشكل واضح تركيبة الإطار المكاني الذي تدور فيه أحداث العمل، وتحديدا منزل "الخياطة" التي تتمتع بخمسين سنة من الخبرة، بوصفه فضاء للعمل وللمعيش اليومي لها.
وتُمثل آلة الخياطة في هذا العرض وسيلة عيش الشخصية المحورية، وهي في الآن ذاته الخيط الناظم بين مختلف المواضيع التي طرحها التومي في المسرحية إذ ينسب عديد التفاصيل لما تسمعه "الخياطة" من زبائنها.
ومثل السرير فضاء تتقاطع فيه الخيبات والأحلام في مشاهد جمعت بين شخصيتيْ "القرهمانة" و"الجيلاني"، الذي يتبين في خاتمة العرض أنه ليس سوى شخصية متخيلة نسجتها "القرهمانة" لتؤنس وحدتها.
ومن خلال القماش والإبرة والمقص الذين تعتمدهم الخياطة في عملها، يعيد النص المسرحي "تفصيل" المجتمع التونسي، ويقدم سلسلة من المواقف التي تكشف تناقضاته الاجتماعية والسياسية والثقافية.
وفي هذا السياق يقوم العرض أساسا على أسلوب الترميز، إذ تصبح أنواع الأقمشة وألوانها علامات دالة على أنماط من الشخصيات والسلوكات داخل المجتمع، في استعارة تجعل من المصطلحات التقنية للنسيج لغة موازية لقراءة العلاقات الإنسانية.
ويكتسي هذا الاختيار جذورا ثقافية من خلال استحضار معجم تونسي صرف يرتبط بعالم الأقمشة والألوان من خلال نسبتها إلى مواد تُستعمل في اليومي ، على غرار "الفتلى" (الخيط)، و"الفزدقي" (لون الفستق) و"اللوزي" (لون اللوز) و"الياجوري" (لون الأحمر الآجري) و"الغبرة" (إشارة الى اللون الوردي) وغيرها وغيرها من المفردات التي لا يقف توظيفها عند أداء معنى لغوي، وإنما تنبش أيضا في الذاكرة الاجتماعية، بما تحمله من إحالات على جزء من التراث غير المادي التونسي الذي تُعد الخصوصيات اللغوية جزءا منه، ويتعزز هذا التوجه من خلال كثرة استخدام الأمثلة الشعبية داخل النص.
وعلى مستوى المضمون، ينتقد صاحب العمل عددا من المسائل الاجتماعية التي يعيشها المواطن خلال حياته اليومية من بينها، التعطيلات التي يواجهها أثناء استخراج وثائق إدارية، والرشوة، والصعوبات التي يواجهها المتقاعدون شهريا خلال عملية الحصول على جراياتهم، وغيرها من التفاصيل المرتبطة بنقد البيروقراطية. ويُقدم الفنان المسرحي هذه المواضيع في قالب ساخر، بالاعتماد على مفارقات الحياة اليومية موظفا قدراته المسرحية، خلال أدائه لدور الشخصية الرئيسية، على الانتقال السلس بين السرد والتعليق، مع فسح المجال لقدر من الارتجال الذي عزز التفاعل مع الجمهور وجعل الفرجة متغيرة بحسب تفاعلات الحاضرين.
وقد اعتمد معز التومي في هذا السياق على تقنية سقوط أو كسر الجدار الرابع، المعروف بجدار بريشت في إحالة إلى إلغاء الحاجز الوهمي بين الفنان على الخشبة والجمهور. ويُقصد به مخاطبة الممثلين أو الشخصيات للجمهور مباشرة، وهي تقنية تُستعمل في المسرح التفاعلي الذي تُبنى فيه العروض على قاعدة التفاعل مع الجمهور أي حين يصبح هذا الأخير طرفا في العرض.
غير أن هذا الخيار الكوميدي لم يخل من التناقضات البنيوية على مستوى النص، فبينما راهن العرض على السخرية بوصفها أداة للنقد الاجتماعي والسياسي، انزلق في الآن ذاته في عدد من مشاهده نحو الإفراط في توظيف العنف اللفظي من خلال الشتم والتهكم و"الدعاء"، وقام على الاستغلال المتواتر للإيحاءات الجنسية باعتبارها وصفة جاهزة للإضحاك وهو خيار فني تلجأ إليه عادة الكثير من الأعمال الفنية التجارية والاشهارية لجذب الجمهور.
وفي العديد من المشاهد، بدت هذه العناصر منفصلة عن البناء الدرامي للعرض، مما أضعف القيمة النقدية للقضايا المطروحة في النص وحوله في مرحلة من العرض إلى آلية لإعادة إنتاج الصور النمطية المرتبطة بالنساء والرجال وتقسيم الأدوار الاجتماعية فيما بينهم ، فضلا عن الوصم الاجتماعي لبعض الفئات الاجتماعية والشخصيات. ف"القرهمانة" في المعجم التونسي مصطلح يشير إلى المرأة المسنة حادة الطباع، وقد كانت الشخصية الرئيسية للعمل تُجسد فعلا هذا البعد، لكن بشيء من المبالغة للإضحاك، لكنه جعل الشخصية في صورة منتجة للعنف اللفظي ومعادية لحقوق النساء أكثر من كونها شخصية ساخرة تكشف تناقضات المجتمع.
ولم تتجه السخرية في نص المسرحية دائما نحو الظواهر الاجتماعية أو البنى المنتجة للاشكاليات المطروحة، بل طالت أيضا بعض الفئات الاجتماعية ذاتها، وهو ما يدفع نحو التساؤل حول دور الفن وتحديدا الكوميديا السوداء كأداة لتفكيك البنى الاجتماعية وكشف تناقضاتها، أم أن هدف الإضحاك يسمح بتحويلها في بعض العروض إلى وسيلة لإعادة إنتاج الوصم والسخرية، فضلا عن التساؤل عن مدى وعي الفنان بالأثر الرمزي الذي تتركه التمثلات التي يعيد إنتاجها في أذهان المتلقين. وفي هذا الجانب يمكن الاستدلال بانزلاق نص المسرحية في أحد المشاهد التي جمعت "القرهمانة" ب"الجيلاني" نحو اختزال مفهوم التربية الجنسية في العلاقات الحميمية، في حين أن هذا المفهوم التربوي، له تعريف أشمل ويقوم أساسا على التربية على الجسد والصحة الإنجابية والحقوق والسلامة وغيرها من الجوانب.
ويمكن القول إن مسرحية "القرهمانة" تجمع بين الخصوصيات الثقافية التونسية، من خلال اللهجة المستعملة والتراث غير المادي المحلي، وبين محاولة مساءلة الواقع الاجتماعي والسياسي عبر الكوميديا، غير أن هذا التوجه يصطدم في بعض المشاهد بخيارات كتابية تراهن على الإيحاء والتهكم أكثر مما تراهن على الكوميديا السوداء وتتأرجح بين ثنائية النقد واستسهاله.
واختتم عرض "القرهمانة" بفقرة إنسانية تنهل من حياة الفنان الشخصية، إذ قدم وصلة تكريمية لوالدته من خلال فيديو يوثق بعض اللحظات التي عاشاها معا ويُصاحبه نص أدبي مسجل بصوت التومي يوضح من خلاله فكرة العمل ويربطها بشخصيته التي ساهمت والدته في صقلها من خلال زرع بذرة الحلم داخله حتى أصبح اليوم فنانا قادرا على تقديم عرض مونودرامي على مسرح قرطاج العريق في دورة يحتفي فيها المهرجان بستينيته.
هذا العرض الذي امتد على ساعتين من الزمن هو مونودراما كتب نصها وأخرجها معز التومي، وقُدمت في نسخة جديدة أعاد التومي الاشتغال عليها نصا وإخراجا، لتتلاءم مع خصوصية فضاء المسرح الأثري بقرطاج، وفق ما صرح به صاحب العمل خلال الندوة الصحفية التي انعقدت في بداية شهر جويلية الجاري للإعلان عن تفاصيل الدورة الحالية من المهرجان.
استهل التومي العرض بلوحة راقصة مستوحاة من الطقوس المرافقة لموسيقى السطمبالي، حيث ظهر الممثل مرتديا وشاحا يغطي رأسه وجسده وهو يرقص متمايلا على المسرح على وقع الإيقاعات التقليدية لهذا الفن، وإن كانت هذه الافتتاحية في الظاهر تعكس طقوسا احتفالية إلا أنها تمثل أيضا محاولة لتأصيل العرض وتأطيره ضمن الخصوصيات الثقافية الشعبية التونسية، من خلال ربط المسرحية بذاكرة جماعية تستند إلى التراث الموسيقي.
وعلى مستوى الديكور، اقتصر الفضاء الركحي للعرض على غرفة نوم وآلة خياطة من أعتق الآلات التي اعتمدها من يمتهنون مهنة الخياطة على مدى عقود من الزمن، وقد عكس هذان العنصران بشكل واضح تركيبة الإطار المكاني الذي تدور فيه أحداث العمل، وتحديدا منزل "الخياطة" التي تتمتع بخمسين سنة من الخبرة، بوصفه فضاء للعمل وللمعيش اليومي لها.
وتُمثل آلة الخياطة في هذا العرض وسيلة عيش الشخصية المحورية، وهي في الآن ذاته الخيط الناظم بين مختلف المواضيع التي طرحها التومي في المسرحية إذ ينسب عديد التفاصيل لما تسمعه "الخياطة" من زبائنها.
ومثل السرير فضاء تتقاطع فيه الخيبات والأحلام في مشاهد جمعت بين شخصيتيْ "القرهمانة" و"الجيلاني"، الذي يتبين في خاتمة العرض أنه ليس سوى شخصية متخيلة نسجتها "القرهمانة" لتؤنس وحدتها.
ومن خلال القماش والإبرة والمقص الذين تعتمدهم الخياطة في عملها، يعيد النص المسرحي "تفصيل" المجتمع التونسي، ويقدم سلسلة من المواقف التي تكشف تناقضاته الاجتماعية والسياسية والثقافية.
وفي هذا السياق يقوم العرض أساسا على أسلوب الترميز، إذ تصبح أنواع الأقمشة وألوانها علامات دالة على أنماط من الشخصيات والسلوكات داخل المجتمع، في استعارة تجعل من المصطلحات التقنية للنسيج لغة موازية لقراءة العلاقات الإنسانية.
ويكتسي هذا الاختيار جذورا ثقافية من خلال استحضار معجم تونسي صرف يرتبط بعالم الأقمشة والألوان من خلال نسبتها إلى مواد تُستعمل في اليومي ، على غرار "الفتلى" (الخيط)، و"الفزدقي" (لون الفستق) و"اللوزي" (لون اللوز) و"الياجوري" (لون الأحمر الآجري) و"الغبرة" (إشارة الى اللون الوردي) وغيرها وغيرها من المفردات التي لا يقف توظيفها عند أداء معنى لغوي، وإنما تنبش أيضا في الذاكرة الاجتماعية، بما تحمله من إحالات على جزء من التراث غير المادي التونسي الذي تُعد الخصوصيات اللغوية جزءا منه، ويتعزز هذا التوجه من خلال كثرة استخدام الأمثلة الشعبية داخل النص.
وعلى مستوى المضمون، ينتقد صاحب العمل عددا من المسائل الاجتماعية التي يعيشها المواطن خلال حياته اليومية من بينها، التعطيلات التي يواجهها أثناء استخراج وثائق إدارية، والرشوة، والصعوبات التي يواجهها المتقاعدون شهريا خلال عملية الحصول على جراياتهم، وغيرها من التفاصيل المرتبطة بنقد البيروقراطية. ويُقدم الفنان المسرحي هذه المواضيع في قالب ساخر، بالاعتماد على مفارقات الحياة اليومية موظفا قدراته المسرحية، خلال أدائه لدور الشخصية الرئيسية، على الانتقال السلس بين السرد والتعليق، مع فسح المجال لقدر من الارتجال الذي عزز التفاعل مع الجمهور وجعل الفرجة متغيرة بحسب تفاعلات الحاضرين.
وقد اعتمد معز التومي في هذا السياق على تقنية سقوط أو كسر الجدار الرابع، المعروف بجدار بريشت في إحالة إلى إلغاء الحاجز الوهمي بين الفنان على الخشبة والجمهور. ويُقصد به مخاطبة الممثلين أو الشخصيات للجمهور مباشرة، وهي تقنية تُستعمل في المسرح التفاعلي الذي تُبنى فيه العروض على قاعدة التفاعل مع الجمهور أي حين يصبح هذا الأخير طرفا في العرض.
غير أن هذا الخيار الكوميدي لم يخل من التناقضات البنيوية على مستوى النص، فبينما راهن العرض على السخرية بوصفها أداة للنقد الاجتماعي والسياسي، انزلق في الآن ذاته في عدد من مشاهده نحو الإفراط في توظيف العنف اللفظي من خلال الشتم والتهكم و"الدعاء"، وقام على الاستغلال المتواتر للإيحاءات الجنسية باعتبارها وصفة جاهزة للإضحاك وهو خيار فني تلجأ إليه عادة الكثير من الأعمال الفنية التجارية والاشهارية لجذب الجمهور.
وفي العديد من المشاهد، بدت هذه العناصر منفصلة عن البناء الدرامي للعرض، مما أضعف القيمة النقدية للقضايا المطروحة في النص وحوله في مرحلة من العرض إلى آلية لإعادة إنتاج الصور النمطية المرتبطة بالنساء والرجال وتقسيم الأدوار الاجتماعية فيما بينهم ، فضلا عن الوصم الاجتماعي لبعض الفئات الاجتماعية والشخصيات. ف"القرهمانة" في المعجم التونسي مصطلح يشير إلى المرأة المسنة حادة الطباع، وقد كانت الشخصية الرئيسية للعمل تُجسد فعلا هذا البعد، لكن بشيء من المبالغة للإضحاك، لكنه جعل الشخصية في صورة منتجة للعنف اللفظي ومعادية لحقوق النساء أكثر من كونها شخصية ساخرة تكشف تناقضات المجتمع.
ولم تتجه السخرية في نص المسرحية دائما نحو الظواهر الاجتماعية أو البنى المنتجة للاشكاليات المطروحة، بل طالت أيضا بعض الفئات الاجتماعية ذاتها، وهو ما يدفع نحو التساؤل حول دور الفن وتحديدا الكوميديا السوداء كأداة لتفكيك البنى الاجتماعية وكشف تناقضاتها، أم أن هدف الإضحاك يسمح بتحويلها في بعض العروض إلى وسيلة لإعادة إنتاج الوصم والسخرية، فضلا عن التساؤل عن مدى وعي الفنان بالأثر الرمزي الذي تتركه التمثلات التي يعيد إنتاجها في أذهان المتلقين. وفي هذا الجانب يمكن الاستدلال بانزلاق نص المسرحية في أحد المشاهد التي جمعت "القرهمانة" ب"الجيلاني" نحو اختزال مفهوم التربية الجنسية في العلاقات الحميمية، في حين أن هذا المفهوم التربوي، له تعريف أشمل ويقوم أساسا على التربية على الجسد والصحة الإنجابية والحقوق والسلامة وغيرها من الجوانب.
ويمكن القول إن مسرحية "القرهمانة" تجمع بين الخصوصيات الثقافية التونسية، من خلال اللهجة المستعملة والتراث غير المادي المحلي، وبين محاولة مساءلة الواقع الاجتماعي والسياسي عبر الكوميديا، غير أن هذا التوجه يصطدم في بعض المشاهد بخيارات كتابية تراهن على الإيحاء والتهكم أكثر مما تراهن على الكوميديا السوداء وتتأرجح بين ثنائية النقد واستسهاله.
واختتم عرض "القرهمانة" بفقرة إنسانية تنهل من حياة الفنان الشخصية، إذ قدم وصلة تكريمية لوالدته من خلال فيديو يوثق بعض اللحظات التي عاشاها معا ويُصاحبه نص أدبي مسجل بصوت التومي يوضح من خلاله فكرة العمل ويربطها بشخصيته التي ساهمت والدته في صقلها من خلال زرع بذرة الحلم داخله حتى أصبح اليوم فنانا قادرا على تقديم عرض مونودرامي على مسرح قرطاج العريق في دورة يحتفي فيها المهرجان بستينيته.





Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 333560