سليانة: مواقع أثرية في انتظار التثمين والاستثمار السياحي
وات -
أميمة العرفاوي - تضم ولاية سليانة الواقعة شمال غرب البلاد التونسية مدخرات هامة من المواد الإنشائية ومعالم أثرية هامة تعكس موروثا حضاريا ثريا إذ تعد حوالي 1800 موقع أثري بأحجام مختلفة ودلالات متعددة منذ القرنين الثاني والثالث ميلادي، تتراوح بين المدن الملكية النوميدية والحواضر الرومانية، لتشكل مخزوناً حضارياً قادراً على تحويل الولاية إلى قطب سياحي وثقافي دولي، شريطة استكمال الحفريات وتطوير البنية التحتية..
زاما ريجيا مملكة نوميدية
على بُعد 9 كيلومترات من مركز ولاية سليانة، تقع "زاما" الأثرية، هذه المدينة التي يعود تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد، وهي ذات أصل نوميدي.
وأوضح منير الطرشاني، المحافظ الرئيس للتراث بسليانة، أن المدينة التي عُرفت بـ "زاما ريجيا" (جامة الملكية) كانت عاصمة إدارية أطلق عليها القرطاجيون اسم "لاتوسكا"، قبل أن تصبح سكناً ثانوياً للملوك النوميديين بـ "سيرتا" (قسنطينة). وتمتد المدينة على مساحة تتجاوز 70 هكتاراً، وشهدت أوج ازدهارها في العهد الروماني بفضل استقرار الجاليات الصقلية التي هيمنت على القرار السياسي آنذاك.
ويُذكر تاريخياً أن سكانها منعوا الملك المنهزم "يوغرطة" من دخولها سنة 46 ق.م خوفاً من انتقام "سيزار". وبين الطرشاني في تصريح لصحفية وكالة تونس إفريقيا للأنباء أنه رغم شهرة "زاما" العالمية بارتباطها بمعركة "زاما" الشهيرة (202 ق.م) التي انتصر فيها "ماسينيسا" والرومان على القائد "حنبعل"، إلا أن الموقع الدقيق للمعركة لا يزال محل نقاش علمي، مرجحاً أن يكون في اتجاه منطقة "السرس" من ولاية الكاف.
وأكد الطرشاني أن أبرز إشكالية للموقع تكمن في توقف الحفريات بعد انطلاقها سنة 1996، وأشار إلى أنه كان من بين المشاركين فيها في تلك الفترة كطالب سنة 1999 مؤكدا الحاجة الملحة لاستكمالها لإدراج المدينة رسمياً في المسالك السياحية.
مكتريس الموقع الوحيد المستغل سياحيا بالجهة
وإذا كانت "زاما" تنتظر استكمال الحفريات لكشف أسرارها، فإن الموقع الأثري "مكتريس" (مكثر) يظل الموقع الوحيد المستغل سياحياً في الجهة (بحضور المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث)، بحسب الطرشاني.
وكانت مكثر بمثابة العاصمة الإدارية في عهد الإمبراطور" تراجون" وتميزت بشبكة طرقات متطورة ربطتها بـ "سوسة" و"زاما" عن طريق منطقة القنطرة من معتمدية سليانة الجنوبية على وادي وزافة (تبعد عن الطريق الرئيسية بحوالي 7 أميال ).
وأشار الطرشاني إلى أن الموقع تطور في تلك الفترة حيث تم خلق معالم فريدة من بينها "الفوروم" (يضم نقائش عبادة الإمبراطور "أوغيست")، بالإضافة إلى "القبور الجلمدية" غرب الموقع ومعبد "أطور ميسكال" الذي يعود للقرن الأول قبل الميلاد، إلا أن كل هذه المقومات لم تساهم بعد في حسن استغلال المدينة سياحيا والترويج لها.
وفي ما يتعلق بالموقع الأثري "ميستي" بمنطقة الكريب التي تبعد أكثر من 40 كيلومترا على الموقع الأثري "زاما"، فتمثل المدينة نموذجاً للمدن النوميدية التي ازدهرت على الطريق الرابطة بين قرطاج و"حيدرة" في اتجاه تبسة (حاليا)، وهي تعود للقرن الأول بعد الميلاد بحسب الطرشاني.
وتكمن أهمية هذا الموقع في النقائش التي توثق استقرار جيش "ماروس"، وتضم "فوروم" قديماً وآخر جديداً وكنيسة. وقد شهدت مدينة "ميستي" حفريات حديثة (بين سنتي 2019 و2023) بهدف معرفة حقباتها التاريخية المتعاقبة لتوثيقها، ومن المنتظر نشر نتائجها قريبا.
// التحديات المعمارية
من منظور هندسي، تعتبر المهندسة المعمارية المختصة في المواقع الأثرية، أصالة القيطوني، أن الجهة تختزن ثروة تراثية وطبيعية كبيرة لا تزال غير مثمنة بما في ذلك مدينة مكثر أحد أهم الشواهد على تعاقب الحضارات التي يعكسها موقعها الأثري تاريخاً من العهد النوميدي إلى الفترة الرومانية"، وترى أنه يعكس قيمة تاريخية لا يجب أن تبقى معزولة، بل يمكن تحويلها إلى محرّك فعلي للتنمية المحلية.
ولفتت القيطوني إلى أن موقع "دقة" المصنف ضمن التراث العالمي، يجب أن يكون النموذج الملهم لسليانة ولعديد المواقع بالجهة، من حيث كيفية تثمين المواقع وربطها بالحركية السياحية مع الحفاظ على أصالتها.
وأشارت القيطوني إلى النقص الفادح في البنية التحتية السياحية بالجهة خاصة من حيث الإيواء، وهو ما يحدّ من قدرة الجهة على استقبال الزوّار مقترحة جملة من الحلول منها إعادة تأهيل الضيعات الفلاحية التقليدية وتحويلها إلى "بيوت ضيافة" ريفية للحفاظ على الطابع المعماري الأصيل، بما يوفّر تجربة سياحية مختلفة قائمة على العيش في الوسط الريفي واكتشاف الخصوصية المحلية مع ضرورة إحداث مسارات سياحية متكاملة تربط بين المواقع الأثرية، والمحيط الطبيعي، والنسيج الفلاحي، لتقديم تجربة تجمع بين الثقافة، الطبيعة، والهوية.
تأقلم معماري مع الطبيعة الجبلية
وأشارت القيطوني في ذات الصدد إلى أن منطقة "برقو" تعد مثالاً مميزاً على التأقلم المعماري مع الطبيعة الجبلية، واقترحت استلهام نموذج منطقة "برقو" في البناء المتدرج المنسجم مع التكوين الجيولوجي للموقع، وهو ما يعزّز جاذبية الجهة.
وأوضحت أنه من منظور معماري، يقتضي هذا التوجّه اعتماد تدخلات مدروسة وخفيفة تحترم القيمة التاريخية للمواقع، من خلال تصميم مسارات زيارة واضحة، وفضاءات استقبال وتفسير مندمجة في محيطها، مع توظيف المواد المحلية لضمان استمرارية الهوية البصرية والبيئية.
وأكدت أن دور المهندس المعماري لا يقتصر على التصميم فقط، بل يمتدّ إلى تثمين التراث وربط الماضي بالحاضر، والمساهمة في خلق تنمية مستدامة مما يطرح تكثيف الجهود لتكون ولاية سليانة وجهة حقيقية تحمل في طيّاتها إمكانيات كبيرة تنتظر رؤية واضحة واستثماراً واعياً لتحويل هذا التراث إلى قيمة مضافة حقيقية.
نحو تحويل المنطقة إلى وجهة سياحية متكاملة
وتتقاطع دعوات هؤلاء الخبرات مع توجهات وزارة السياحة، حيث أكدت مديرة إدارة الإحاطة بالمنتوج بالديوان الوطني التونسي للسياحة، أمال زروق في تصريح سابق لـ/وات/ على ضرورة العمل على ترسيخ السياحة الداخلية من خلال التوجه نحو استقطاب السائح وتشجيعه على السياحة الداخلية والصحراوية في مختلف المواسم، وتشجيع وكالات الأسفار على إدماج المواقع الأثرية بالمناطق الداخلية ضمن مسالكها.
ويهدف المسؤولون بجهة سليانة، ومنهم بالخصوص منير الطرشاني، إلى تهيئة المواقع الثلاثة (زاما، مكتريس، ميستي) وترميمها والتعريف بها عبر وسائط الاتصال الحديثة، بهدف خلق مردودية اقتصادية وتجارية حقيقية للجهة في غضون الـ 15 سنة القادمة، لتحويل التراث من "أطلال" جامدة إلى محرك للتنمية المستدامة.
زاما ريجيا مملكة نوميدية
على بُعد 9 كيلومترات من مركز ولاية سليانة، تقع "زاما" الأثرية، هذه المدينة التي يعود تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد، وهي ذات أصل نوميدي.وأوضح منير الطرشاني، المحافظ الرئيس للتراث بسليانة، أن المدينة التي عُرفت بـ "زاما ريجيا" (جامة الملكية) كانت عاصمة إدارية أطلق عليها القرطاجيون اسم "لاتوسكا"، قبل أن تصبح سكناً ثانوياً للملوك النوميديين بـ "سيرتا" (قسنطينة). وتمتد المدينة على مساحة تتجاوز 70 هكتاراً، وشهدت أوج ازدهارها في العهد الروماني بفضل استقرار الجاليات الصقلية التي هيمنت على القرار السياسي آنذاك.
ويُذكر تاريخياً أن سكانها منعوا الملك المنهزم "يوغرطة" من دخولها سنة 46 ق.م خوفاً من انتقام "سيزار". وبين الطرشاني في تصريح لصحفية وكالة تونس إفريقيا للأنباء أنه رغم شهرة "زاما" العالمية بارتباطها بمعركة "زاما" الشهيرة (202 ق.م) التي انتصر فيها "ماسينيسا" والرومان على القائد "حنبعل"، إلا أن الموقع الدقيق للمعركة لا يزال محل نقاش علمي، مرجحاً أن يكون في اتجاه منطقة "السرس" من ولاية الكاف.
وأكد الطرشاني أن أبرز إشكالية للموقع تكمن في توقف الحفريات بعد انطلاقها سنة 1996، وأشار إلى أنه كان من بين المشاركين فيها في تلك الفترة كطالب سنة 1999 مؤكدا الحاجة الملحة لاستكمالها لإدراج المدينة رسمياً في المسالك السياحية.
مكتريس الموقع الوحيد المستغل سياحيا بالجهة
وإذا كانت "زاما" تنتظر استكمال الحفريات لكشف أسرارها، فإن الموقع الأثري "مكتريس" (مكثر) يظل الموقع الوحيد المستغل سياحياً في الجهة (بحضور المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث)، بحسب الطرشاني. وكانت مكثر بمثابة العاصمة الإدارية في عهد الإمبراطور" تراجون" وتميزت بشبكة طرقات متطورة ربطتها بـ "سوسة" و"زاما" عن طريق منطقة القنطرة من معتمدية سليانة الجنوبية على وادي وزافة (تبعد عن الطريق الرئيسية بحوالي 7 أميال ).
وأشار الطرشاني إلى أن الموقع تطور في تلك الفترة حيث تم خلق معالم فريدة من بينها "الفوروم" (يضم نقائش عبادة الإمبراطور "أوغيست")، بالإضافة إلى "القبور الجلمدية" غرب الموقع ومعبد "أطور ميسكال" الذي يعود للقرن الأول قبل الميلاد، إلا أن كل هذه المقومات لم تساهم بعد في حسن استغلال المدينة سياحيا والترويج لها.
وفي ما يتعلق بالموقع الأثري "ميستي" بمنطقة الكريب التي تبعد أكثر من 40 كيلومترا على الموقع الأثري "زاما"، فتمثل المدينة نموذجاً للمدن النوميدية التي ازدهرت على الطريق الرابطة بين قرطاج و"حيدرة" في اتجاه تبسة (حاليا)، وهي تعود للقرن الأول بعد الميلاد بحسب الطرشاني.
وتكمن أهمية هذا الموقع في النقائش التي توثق استقرار جيش "ماروس"، وتضم "فوروم" قديماً وآخر جديداً وكنيسة. وقد شهدت مدينة "ميستي" حفريات حديثة (بين سنتي 2019 و2023) بهدف معرفة حقباتها التاريخية المتعاقبة لتوثيقها، ومن المنتظر نشر نتائجها قريبا.
// التحديات المعمارية
من منظور هندسي، تعتبر المهندسة المعمارية المختصة في المواقع الأثرية، أصالة القيطوني، أن الجهة تختزن ثروة تراثية وطبيعية كبيرة لا تزال غير مثمنة بما في ذلك مدينة مكثر أحد أهم الشواهد على تعاقب الحضارات التي يعكسها موقعها الأثري تاريخاً من العهد النوميدي إلى الفترة الرومانية"، وترى أنه يعكس قيمة تاريخية لا يجب أن تبقى معزولة، بل يمكن تحويلها إلى محرّك فعلي للتنمية المحلية.
ولفتت القيطوني إلى أن موقع "دقة" المصنف ضمن التراث العالمي، يجب أن يكون النموذج الملهم لسليانة ولعديد المواقع بالجهة، من حيث كيفية تثمين المواقع وربطها بالحركية السياحية مع الحفاظ على أصالتها.
وأشارت القيطوني إلى النقص الفادح في البنية التحتية السياحية بالجهة خاصة من حيث الإيواء، وهو ما يحدّ من قدرة الجهة على استقبال الزوّار مقترحة جملة من الحلول منها إعادة تأهيل الضيعات الفلاحية التقليدية وتحويلها إلى "بيوت ضيافة" ريفية للحفاظ على الطابع المعماري الأصيل، بما يوفّر تجربة سياحية مختلفة قائمة على العيش في الوسط الريفي واكتشاف الخصوصية المحلية مع ضرورة إحداث مسارات سياحية متكاملة تربط بين المواقع الأثرية، والمحيط الطبيعي، والنسيج الفلاحي، لتقديم تجربة تجمع بين الثقافة، الطبيعة، والهوية.
تأقلم معماري مع الطبيعة الجبلية
وأشارت القيطوني في ذات الصدد إلى أن منطقة "برقو" تعد مثالاً مميزاً على التأقلم المعماري مع الطبيعة الجبلية، واقترحت استلهام نموذج منطقة "برقو" في البناء المتدرج المنسجم مع التكوين الجيولوجي للموقع، وهو ما يعزّز جاذبية الجهة.وأوضحت أنه من منظور معماري، يقتضي هذا التوجّه اعتماد تدخلات مدروسة وخفيفة تحترم القيمة التاريخية للمواقع، من خلال تصميم مسارات زيارة واضحة، وفضاءات استقبال وتفسير مندمجة في محيطها، مع توظيف المواد المحلية لضمان استمرارية الهوية البصرية والبيئية.
وأكدت أن دور المهندس المعماري لا يقتصر على التصميم فقط، بل يمتدّ إلى تثمين التراث وربط الماضي بالحاضر، والمساهمة في خلق تنمية مستدامة مما يطرح تكثيف الجهود لتكون ولاية سليانة وجهة حقيقية تحمل في طيّاتها إمكانيات كبيرة تنتظر رؤية واضحة واستثماراً واعياً لتحويل هذا التراث إلى قيمة مضافة حقيقية.
نحو تحويل المنطقة إلى وجهة سياحية متكاملة
وتتقاطع دعوات هؤلاء الخبرات مع توجهات وزارة السياحة، حيث أكدت مديرة إدارة الإحاطة بالمنتوج بالديوان الوطني التونسي للسياحة، أمال زروق في تصريح سابق لـ/وات/ على ضرورة العمل على ترسيخ السياحة الداخلية من خلال التوجه نحو استقطاب السائح وتشجيعه على السياحة الداخلية والصحراوية في مختلف المواسم، وتشجيع وكالات الأسفار على إدماج المواقع الأثرية بالمناطق الداخلية ضمن مسالكها. ويهدف المسؤولون بجهة سليانة، ومنهم بالخصوص منير الطرشاني، إلى تهيئة المواقع الثلاثة (زاما، مكتريس، ميستي) وترميمها والتعريف بها عبر وسائط الاتصال الحديثة، بهدف خلق مردودية اقتصادية وتجارية حقيقية للجهة في غضون الـ 15 سنة القادمة، لتحويل التراث من "أطلال" جامدة إلى محرك للتنمية المستدامة.









Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 328887