Bookmark article
Publié le Samedi 02 Mai 2026 - 16:45
قراءة: 3 د, 17 ث
بقلم ريم بالخذيري
في خرائط العالم نقاطٌ لا تُقاس باتساعها، بل بقدرتها على شلّ الاقتصاد الكوني. مضيق هرمز إحدى هذه النقاط. ممرّ ضيق، لكنه يمرّر يوميًا قرابة خُمس النفط العالمي ونسبة معتبرة من الغاز الطبيعي المسال. وحين يصبح هذا الشريان مهدّدًا، لا ترتفع فقط وتيرة التوتر السياسي، بل ترتجف أسس الاقتصاد العالمي نفسه.
ما يجري اليوم يتجاوز منطق المواجهة العسكرية المباشرة. نحن أمام نموذج أكثر تعقيدًا: ابتزاز جيوسياسي بأدوات اقتصادية. لا يحتاج الأمر إلى إغلاق فعلي للمضيق؛ يكفي رفع منسوب المخاطر، وتكثيف الإشارات غير المطمئنة، لتبدأ الأسواق في إغلاقه بنفسها. هنا تتحول الجغرافيا إلى سلاح، ويصبح الخوف عملة تداول.
أول من يترجم هذا الخوف إلى أرقام هو قطاع التأمين. بمجرد تصنيف المنطقة كـ “عالية المخاطر”، تقفز أقساط التأمين البحري بنسب قد تصل إلى 100% وأكثر، وتُفرض شروط استثنائية على السفن، أو تُسحب التغطية بالكامل. النتيجة فورية: سفن لا تُؤمَّن لا تُبحر. والمضيق، وإن ظل مفتوحًا جغرافيًا، يُغلق اقتصاديًا. هذه هي المفارقة الحديثة للحروب: السوق ينجز ما كانت تفعله المدافع.
لكن التأثير لا يتوقف عند النقل والتأمين. الاقتصاد العالمي يعمل كسلسلة مترابطة، وأي خلل في حلقة واحدة يُحدث ارتدادات في كل الاتجاهات. ارتفاع أسعار النفط بنسبة قد تتراوح بين 50% و80% يرفع كلفة الإنتاج عالميًا، ويضغط على كل القطاعات: من الصناعة الثقيلة إلى الزراعة. الغاز الطبيعي، بدوره، يشهد زيادات قد تصل إلى 70%، ما ينعكس مباشرة على الكهرباء والتصنيع والأسمدة.
ومع ارتفاع المخاطر، تقفز تكاليف الشحن البحري بنسبة قد تصل إلى 300%، ليس فقط بسبب التأمين، بل أيضًا نتيجة إعادة توجيه السفن عبر مسارات أطول مثل رأس الرجاء الصالح، ما يضيف من 10 إلى 15 يومًا على زمن التسليم. هذا التأخير ليس تفصيلًا لوجستيًا، بل كلفة اقتصادية مباشرة: مخزونات تتآكل، عقود تتعطل، وسلاسل توريد تُصاب بالشلل.
في هذا السياق، تبدأ العدوى الاقتصادية في الانتشار. الصناعة تتباطأ أو تتوقف بسبب نقص المواد الأولية. الزراعة تتأثر بنقص الأسمدة الذي قد يصل إلى 30% من الإمدادات العالمية، ما يهدد المواسم الزراعية اللاحقة. أسعار الغذاء ترتفع بين 20% و40%، لتتحول أزمة الطاقة تدريجيًا إلى أزمة معيشية تمسّ الأمن الغذائي لملايين البشر.
الأثر الأكثر حساسية يظهر في سوق الشغل. حين ترتفع التكاليف وتتقلص هوامش الربح، تلجأ الشركات إلى تقليص الإنتاج ثم العمالة. التقديرات تشير إلى إمكانية فقدان ما بين 5 و15 مليون وظيفة عالميًا خلال أشهر في حال استمرار التعطيل. النقل واللوجستيك قد يخسران وحدهما ما يصل إلى مليوني وظيفة، فيما قد تفقد الصناعات التحويلية بين 2 و4 ملايين وظيفة نتيجة توقف خطوط الإنتاج. الطيران والسياحة يتأثران بارتفاع الوقود، والزراعة تتراجع تحت ضغط التكاليف، فيما تمتد الصدمة إلى قطاعات الخدمات والتوزيع.
هذه الأرقام لا تعكس فقط أزمة ظرفية، بل تكشف عن خطر نظامي يهدد بنية الاقتصاد العالمي. نحو 10 إلى 15 ألف شركة قد تجد نفسها في وضع هش، ليس فقط في قطاع الطاقة، بل عبر شبكة واسعة من الأنشطة المرتبطة بها بشكل مباشر أو غير مباشر. حالات الإفلاس قد ترتفع بنسبة 20 إلى 30% في القطاعات الأكثر تعرضًا، فيما تتراجع الاستثمارات الجديدة بنحو 25% نتيجة عدم اليقين.
في موازاة ذلك، تتشدد البنوك في تمويل التجارة، وترتفع تكلفة الاقتراض بنحو 1 إلى 2 نقطة مئوية. هذا التشدد المالي يضيف طبقة جديدة من الضغط، حيث لا تعاني الشركات فقط من ارتفاع التكاليف، بل أيضًا من صعوبة الوصول إلى التمويل. ومع تراجع القدرة الشرائية للأفراد تحت ضغط التضخم، ينخفض الطلب، فتدخل الاقتصادات في حلقة انكماشية معقّدة.
النتيجة النهائية ليست مجرد تباطؤ اقتصادي، بل اختناق تدريجي:
الطاقة ترتفع، النقل يتعطل، الإنتاج يتوقف، الأسعار ترتفع، الوظائف تتآكل، والثقة تهتز.
ما يكشفه مضيق هرمز اليوم هو مفارقة قاسية في بنية الاقتصاد العالمي. لقد بُني هذا النظام على السرعة والكفاءة، وعلى تدفقات مستمرة لا تحتمل الانقطاع، لكنه أهمل تأمين نقاط ضعفه الجغرافية. ممر مائي واحد قادر على إرباك سلاسل توريد تمتد عبر القارات، وعلى دفع أسواق بأكملها إلى إعادة تسعير المخاطر في لحظة واحدة.
في هذا المشهد، لا تبدو الأزمة مجرد حدث عابر، بل إنذارًا استراتيجيًا. العالم لا يواجه فقط احتمال إغلاق مضيق، بل يواجه حقيقة أعمق:
أن العولمة، بكل تعقيدها، لا تزال رهينة الجغرافيا…
وأن نقطة ضيقة على الخريطة قد تختصر مصير ملايين الوظائف، واستقرار دول، وتوازن أسواق بأكملها
Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 328525