ذكرى الاستقلال : وعي الأجيال بتضحيات التونسيين صمام أمان للسيادة الوطنية (الاستاذ خالد عبيد)
قال أستاذ التاريخ السياسي المعاصر بجامعة منوبة، خالد عبيد، في حوار متلفز أجرته معه /وات/ بمناسبة إحياء تونس الجمعة الذكرى السبعين لاستقلالها (20 مارس 1956)، إن "الاستقلال لم يكن نتيجة تحرك محدود أو مفاوضات عابرة إنما ثمرة نضال طويل وتضحيات جسيمة"، مشددا على أن وعي الأجيال بتضحيات التونسيين صمام أمان للسيادة الوطنية.
وذكر الأستاذ عبيد في هذا الصدد بسقوط آلاف الشهداء إبان فترة الاستعمار واستمرار التضحيات إلى غاية خروج آخر جندي فرنسي من بنزرت في أكتوبر 1963، مبينا أنه بفضل هذا العطاء المتواصل تحررت البلاد وأسست دعائم الدولة الوطنية وهو ما يجعل من "فهم هذه التضحيات مسؤولية أساسية تقع على عاتق الأجيال الحالية لضمان استدامة السيادة والوعي الوطني".
وتابع قوله إن هذه التضحيات تجسد لحظة مفصلية في صورة حصرية لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، تظهر اتصالا هاتفيا يوم 15 أكتوبر 1963 بين الزعيم الحبيب بورقيبة من مكتبه بالقصبة في تونس، والمسؤول الثاني بالدولة "الباهي الأدغم" في بنزرت، أثناء إشرافه على عملية تسلّم مواقع الجيش الفرنسي من قواعد وحصون وثكنات ومغادرة الباخرة وعليها آخر جندي فرنسي من أرض بنزرت.
ونقل في هذا السياق "رسالة مؤثرة"، وفق الأستاذ عبيد، تجسدت صوتا وصورة وفيها "الآن خرجت آخر باخرة من أرض تونس، وفيها آخر جندي فرنسي، وأُعلن الجلاء عن كامل التراب التونسي… والله لا يورينا استعمارا بعد هذا."
وشدد عبيد على أن الوعي بحجم هذه التضحيات هو ما يساهم في تعزيز الغيرة على الوطن وتحفيز الأجيال على العمل لبناء الإنسان التونسي الحديث مع ترسيخ قيم المسؤولية والانتماء الوطني التي صاغتها تجربة الاستقلال.
استقلال تونس جاء نتيجة النهوض بالفكر المجتمعي
وقال أستاذ التاريخ السياسي المعاصر بجامعة منوبة، خالد عبيد، إنّ الاستقلال لم يكن حدثا معزولا بل جاء نتيجة سنوات طويلة من العمل على النهوض بالفكر المجتمعي عبر المراهنة على التعليم ومقاومة الأمية.
وأوضح أنّ نخبة محدودة العدد أدركت مبكرا أن تفوق الاحتلال الفرنسي يعود أساسا إلى التقدم العلمي والتقني، مقابل مجتمع تونسي كان، قبل 1881، يعاني من الهشاشة وزاده نظام الحماية "تفكيكا وتفقيرا وإذلالا" مما خلق وعيا بأن التونسي يعيش "في زمن غير زمنه" وغير قادر على استيعاب واقعه وما يجري في الضفة المقابلة من البحر الأبيض المتوسط.
وأضاف أنّ "صدمة" هذا الفارق الحضاري دفعت تلك النخبة إلى البحث عن سبل نشر الوعي وإنارة الفكر بما يمكّن المجتمع من فهم واقعه ويمهّد لاحقا للتحرر من الاستعمار، مشددا على أن التعليم، وخاصة العلوم الحديثة، كان في صدارة الأولويات.
وفي هذا السّياق، أشار إلى أن جهود مقاومة الجهل والأمية انطلقت مبكرا مع الجمعية الخلدونية سنة 1896، بإشراف عدد من الرواد، من بينهم بشير صفر، إذ اضطلعت بدور مهم في إدخال العلوم الحديثة إلى طلبة جامع الزيتونة، رغم المعارضة الشديدة التي واجهتها، ومع هذا تواصل العمل من أجل ترسيخ التعليم وتعميمه وجعله متاحا لكافة المجتمع.
كما أوضح أن الحركة الوطنية التي قادت مسار الاستقلال تشكّلت أساسا من فئة شبابية آمنت بضرورة التغيير وبحق الشعب التونسي في بناء دولته المستقلة، مؤكدا أن هذا المسار لم يكن منقطعا عن جهود الأجيال السابقة بل جاء امتدادا لها، ليتواصل إلى حدود منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، وأفضي بعدها إلى اندلاع الثورة التونسية في جانفي 1952.
وخلص الأستاذ عبيد إلى أن مواجهة الاستعمار، انطلاقا من أحداث جانفي 1952، والصمود طيلة سنتين ونصف، لم يكن حكرا على نخبة بعينها، بل كان نتيجة التفاف واسع للشعب التونسي حولها والشعور بحجم مصداقية رسالة تلك النخبة التي جابت مختلف الجهات للتعريف بأهمية استعادة السيادة الوطنية في مواجهة آلة القمع الاستعماري التي سعت إلى مزيد تفكيك المجتمع وإنهاكه.
عودة على تاريخ الاستعمار
واعتبر الأستاذ خالد عبيد أن فرض الاستعمار الفرنسي على تونس سنة 1881 استند إلى جملة من العوامل الداخلية التي كانت تعيشها البلاد قبل ذلك التاريخ، فقد عرفت أزمات حادة من أبرزها أزمة الديون التي أدت إلى إعلان الإفلاس سنة 1869، وما تلاها من إحداث لجنة مالية دولية وضعت البلاد تحت الوصاية.
كما تفاقمت الأوضاع الاجتماعية خاصة مع ارتفاع الضرائب، من بينها "المجبى" زمن حكم الباي محمد الصادق باي في محاولة للحد من التداين وهو ما أدى إلى اندلاع انتفاضة علي بن غذاهم التي قمعت بشدة. وتزامن ذلك مع سنوات من المجاعة وانتشار الأوبئة بين سنتي 1867 و1868، ما أسفر عن وفاة نحو 20 بالمائة من السكان، وفق قوله.
وأشار إلى أن اعتماد فرنسا لنظام "الحماية" الذي وصفه بـ "أشد وطأة من الاستعمار" جاء أيضا في سياق تجربتها السابقة في الجزائر منذ 1830، التي تكبدت خلالها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد ما دفعها إلى اعتماد صيغة أقل كلفة سياسيا أمام الرأي العام الفرنسي لطمأنته، حسب ما جاء في الحوار.
وبيّن أن الوجود الفرنسي عمّق من هشاشة المجتمع التونسي، إذ اتجهت سلطات الحماية إلى استغلال ثروات البلاد ونهبها تدريجيا عبر سياسات موجهة من بينها مدّ خطوط السكك الحديدية نحو الجنوب الغربي لاستغلال الفوسفاط، واستغلت الغموض القانوني وضعف توثيق الملكية لافتكاك الأراضي من أصحابها الأصليين وهم التونسيون، قبل تشغيلهم فيها في ظروف قاسية.
وأضاف أن الاستعمار سعى إلى تفكيك البنية التقليدية للمجتمع التونسي وتعويضها بهيكل يخدم مصالحه ما جعل التونسي يتحول إلى مجرد أداة ضمن منظومة الاستغلال. وفي هذا السياق، برزت عدة انتفاضات من بينها أحداث تالة والقصرين سنة 1906، التي عكست رفض التونسيين للسياسات الاستعمارية وهيأت الطريق لبروز الحركة الوطنية وصولا إلى الثورة.
وذكر الأستاذ عبيد في هذا الصدد بسقوط آلاف الشهداء إبان فترة الاستعمار واستمرار التضحيات إلى غاية خروج آخر جندي فرنسي من بنزرت في أكتوبر 1963، مبينا أنه بفضل هذا العطاء المتواصل تحررت البلاد وأسست دعائم الدولة الوطنية وهو ما يجعل من "فهم هذه التضحيات مسؤولية أساسية تقع على عاتق الأجيال الحالية لضمان استدامة السيادة والوعي الوطني".
وتابع قوله إن هذه التضحيات تجسد لحظة مفصلية في صورة حصرية لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، تظهر اتصالا هاتفيا يوم 15 أكتوبر 1963 بين الزعيم الحبيب بورقيبة من مكتبه بالقصبة في تونس، والمسؤول الثاني بالدولة "الباهي الأدغم" في بنزرت، أثناء إشرافه على عملية تسلّم مواقع الجيش الفرنسي من قواعد وحصون وثكنات ومغادرة الباخرة وعليها آخر جندي فرنسي من أرض بنزرت.
ونقل في هذا السياق "رسالة مؤثرة"، وفق الأستاذ عبيد، تجسدت صوتا وصورة وفيها "الآن خرجت آخر باخرة من أرض تونس، وفيها آخر جندي فرنسي، وأُعلن الجلاء عن كامل التراب التونسي… والله لا يورينا استعمارا بعد هذا."
وشدد عبيد على أن الوعي بحجم هذه التضحيات هو ما يساهم في تعزيز الغيرة على الوطن وتحفيز الأجيال على العمل لبناء الإنسان التونسي الحديث مع ترسيخ قيم المسؤولية والانتماء الوطني التي صاغتها تجربة الاستقلال.
استقلال تونس جاء نتيجة النهوض بالفكر المجتمعي
وقال أستاذ التاريخ السياسي المعاصر بجامعة منوبة، خالد عبيد، إنّ الاستقلال لم يكن حدثا معزولا بل جاء نتيجة سنوات طويلة من العمل على النهوض بالفكر المجتمعي عبر المراهنة على التعليم ومقاومة الأمية. وأوضح أنّ نخبة محدودة العدد أدركت مبكرا أن تفوق الاحتلال الفرنسي يعود أساسا إلى التقدم العلمي والتقني، مقابل مجتمع تونسي كان، قبل 1881، يعاني من الهشاشة وزاده نظام الحماية "تفكيكا وتفقيرا وإذلالا" مما خلق وعيا بأن التونسي يعيش "في زمن غير زمنه" وغير قادر على استيعاب واقعه وما يجري في الضفة المقابلة من البحر الأبيض المتوسط.
وأضاف أنّ "صدمة" هذا الفارق الحضاري دفعت تلك النخبة إلى البحث عن سبل نشر الوعي وإنارة الفكر بما يمكّن المجتمع من فهم واقعه ويمهّد لاحقا للتحرر من الاستعمار، مشددا على أن التعليم، وخاصة العلوم الحديثة، كان في صدارة الأولويات.
وفي هذا السّياق، أشار إلى أن جهود مقاومة الجهل والأمية انطلقت مبكرا مع الجمعية الخلدونية سنة 1896، بإشراف عدد من الرواد، من بينهم بشير صفر، إذ اضطلعت بدور مهم في إدخال العلوم الحديثة إلى طلبة جامع الزيتونة، رغم المعارضة الشديدة التي واجهتها، ومع هذا تواصل العمل من أجل ترسيخ التعليم وتعميمه وجعله متاحا لكافة المجتمع.
كما أوضح أن الحركة الوطنية التي قادت مسار الاستقلال تشكّلت أساسا من فئة شبابية آمنت بضرورة التغيير وبحق الشعب التونسي في بناء دولته المستقلة، مؤكدا أن هذا المسار لم يكن منقطعا عن جهود الأجيال السابقة بل جاء امتدادا لها، ليتواصل إلى حدود منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، وأفضي بعدها إلى اندلاع الثورة التونسية في جانفي 1952.
وخلص الأستاذ عبيد إلى أن مواجهة الاستعمار، انطلاقا من أحداث جانفي 1952، والصمود طيلة سنتين ونصف، لم يكن حكرا على نخبة بعينها، بل كان نتيجة التفاف واسع للشعب التونسي حولها والشعور بحجم مصداقية رسالة تلك النخبة التي جابت مختلف الجهات للتعريف بأهمية استعادة السيادة الوطنية في مواجهة آلة القمع الاستعماري التي سعت إلى مزيد تفكيك المجتمع وإنهاكه.
عودة على تاريخ الاستعمار
واعتبر الأستاذ خالد عبيد أن فرض الاستعمار الفرنسي على تونس سنة 1881 استند إلى جملة من العوامل الداخلية التي كانت تعيشها البلاد قبل ذلك التاريخ، فقد عرفت أزمات حادة من أبرزها أزمة الديون التي أدت إلى إعلان الإفلاس سنة 1869، وما تلاها من إحداث لجنة مالية دولية وضعت البلاد تحت الوصاية. كما تفاقمت الأوضاع الاجتماعية خاصة مع ارتفاع الضرائب، من بينها "المجبى" زمن حكم الباي محمد الصادق باي في محاولة للحد من التداين وهو ما أدى إلى اندلاع انتفاضة علي بن غذاهم التي قمعت بشدة. وتزامن ذلك مع سنوات من المجاعة وانتشار الأوبئة بين سنتي 1867 و1868، ما أسفر عن وفاة نحو 20 بالمائة من السكان، وفق قوله.
وأشار إلى أن اعتماد فرنسا لنظام "الحماية" الذي وصفه بـ "أشد وطأة من الاستعمار" جاء أيضا في سياق تجربتها السابقة في الجزائر منذ 1830، التي تكبدت خلالها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد ما دفعها إلى اعتماد صيغة أقل كلفة سياسيا أمام الرأي العام الفرنسي لطمأنته، حسب ما جاء في الحوار.
وبيّن أن الوجود الفرنسي عمّق من هشاشة المجتمع التونسي، إذ اتجهت سلطات الحماية إلى استغلال ثروات البلاد ونهبها تدريجيا عبر سياسات موجهة من بينها مدّ خطوط السكك الحديدية نحو الجنوب الغربي لاستغلال الفوسفاط، واستغلت الغموض القانوني وضعف توثيق الملكية لافتكاك الأراضي من أصحابها الأصليين وهم التونسيون، قبل تشغيلهم فيها في ظروف قاسية.
وأضاف أن الاستعمار سعى إلى تفكيك البنية التقليدية للمجتمع التونسي وتعويضها بهيكل يخدم مصالحه ما جعل التونسي يتحول إلى مجرد أداة ضمن منظومة الاستغلال. وفي هذا السياق، برزت عدة انتفاضات من بينها أحداث تالة والقصرين سنة 1906، التي عكست رفض التونسيين للسياسات الاستعمارية وهيأت الطريق لبروز الحركة الوطنية وصولا إلى الثورة.




Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 325770