مخيم العودة الطوعية بالعامرة ..حكايات انتظار بين الحنين إلى الوطن وإنهاء رحلة الهجرة غير النظامية
(وات/ هادي الحريزي) في قلب الضيعات الفلاحية الشاسعة بمنطقة العامرة من ولاية صفاقس، ينتصب مخيم العودة الطوعية الذي أحدثته السلطات التونسية مؤخرا بإشراف من وحدات الحرس الوطني والهلال الأحمر التونسي، ليصبح نقطة عبور إنسانية للمهاجرين غير النظاميين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، والراغبين في العودة إلى بلدانهم ضمن رحلات جوية تنظم تباعا في إطار برنامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج.
ومنذ الإعلان عن إحداث هذا المخيم اواسط جوان من العام الماضي، بدأت أصداؤه تنتشر بسرعة داخل التجمعات العشوائية للمهاجرين المنتشرة بأحواز العامرة وجبنيانة، حيث بات يستقطب يوميا أعدادا متزايدة من الراغبين في التسجيل ضمن قائمات العودة، خاصة مع ما يوفره من ظروف إقامة منظمة، وإحاطة صحية واجتماعية، إلى جانب تسهيلات إدارية تساعد على تسريع إجراءات الترحيل الإنساني والآمن.
في البداية، كان بعض المهاجرين يتوافدون على المخيم فقط طلبا للإسعافات أو المؤونة ومواد التنظيف، غير أن كثيرين منهم اقتنعوا تدريجيا بأن العودة إلى أوطانهم قد تبدأ من هذا المكان، بعد سنوات من الإقامة غير القانونية وما رافقها من صعوبات اجتماعية وإنسانية.
داخل المخيم، تبدو الحياة اليومية هادئة ومنظمة. مهاجرون يصطفون لتسجيل أسمائهم استعدادا للرحلات المقبلة، وآخرون يتبادلون أطراف الحديث ويمارسون كرة القدم، فيما ينشغل بعضهم بتنظيف محيط الخيام والعناية بأشجار الزيتون المنتشرة بالمكان. وفي إحدى الزوايا، كان شاب مهاجر يردد أغانٍ شعبية من بلده، بينما أخذ طفل صغير يرقص على وقع الموسيقى، في مشهد امتزجت فيه مشاعر الحنين إلى الوطن بالارتياح لقرب العودة.
ويقول سليمان، وهو مهاجر من إحدى دول إفريقيا جنوب الصحراء، بينما كان ينظف محيط شجرة زيتون، "أريد العودة إلى عائلتي… تعبت من حياة المخيمات". وعلى مقربة منه، كان آخرون يطلبون الصابون ومواد التنظيف والأغراض الأساسية، في محاولة لاستعادة نسق حياة عادية ولو بشكل مؤقت، إلى حين موعد الرحيل.
وسادت اجواء من التفاعل الايجابي بين العاملين بالمخيم والمهاجرين المقيمين به، حيث يتبادل الطرفان الأحاديث بشكل يومي، فيما يحرص أعوان الأمن على معاملة الأطفال بلطف وممازحتهم في أجواء إنسانية خففت من وطأة الانتظار. وفوق المخيم ترتفع الراية الوطنية التونسية، بينما تحولت بعض الأسلاك الشائكة المحيطة بالمكان إلى حبال علقت عليها الملابس والأغراض الشخصية، في صورة تختزل حالة اندماج عابرة تسبق لحظة المغادرة.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن حصيلة برنامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج لفائدة المهاجرين غير النظاميين تجاوزت أربعة آلاف مهاجر.
وتشرف وزارة الداخلية على هذا البرنامج بمشاركة الحرس الوطني وإدارة الحدود والأجانب، حيث يرتكز على استقبال المهاجرين وإيوائهم داخل مخيمات العودة الطوعية قبل ترحيلهم إلى بلدانهم.
ويتولى أعوان الحرس الوطني ميدانيا توفير الإحاطة والرعاية اليومية، إضافة إلى المؤونة والإيواء، في حين يضطلع الهلال الأحمر التونسي بتقديم الرعاية الصحية والخدمات الأساسية، خاصة لفائدة النساء والأطفال. كما تنظم الفرق المشتركة حملات تحسيسية داخل تجمعات المهاجرين للتعريف ببرامج العودة الطوعية وآليات التسجيل فيها، إلى جانب زيارات ميدانية لتحديد احتياجات الراغبين في العودة ومساعدتهم على استكمال الإجراءات القانونية اللازمة.
ويؤكد المشرفون على المخيم أن عدد طالبي العودة الطوعية يشهد ارتفاعا متواصلا، خصوصا بعد تناقل أخبار الخدمات المتوفرة داخله، حيث بادر عدد كبير من المهاجرين المقيمين خارج المخيم إلى تقديم طلبات العودة بعد اقتناعهم بجدية المبادرة وتوفر شروط الترحيل الإنساني الآمن.
ومن بين هؤلاء زكرياء، وهو مهاجر من الكوت ديفوار يقيم في تونس بشكل غير قانوني منذ ست سنوات، اختار التسجيل طوعا ضمن برنامج العودة. ويقول في تصريح له "أتطلع إلى العودة قريبا إلى بلدي… هناك عائلتي". كما عبر عن امتنانه للسلطات التونسية المشرفة على المخيم، مشيدا بما وصفه ب"كرم المعاملة وحسن الضيافة".
وأوضح زكرياء أن إجراءات تنظيم الرحلات تتم بسرعة وبتنسيق محكم بين السلطات التونسية وسفارات الدول المعنية، خاصة في الحالات التي لا تتوفر فيها جوازات سفر للمهاجرين. ووجه رسالة إلى كل من يفكر في الهجرة غير النظامية قائلا "لا تأتوا إذا كنتم تظنون أن الأمور سهلة. لا توجد إقامة سهلة ولا أوراق ولا شيء. الأفضل أن يحقق الإنسان أحلامه في بلده، وإذا أراد الهجرة فليكن ذلك عبر الطرق القانونية".
وتعد منطقتا العامرة وجبنيانة من أبرز المناطق التي شاهدت خلال سنوات ما بعد 2011 توافد المهاجرين غير النظاميين في ولاية صفاقس، وهو ما جعل السلطات التونسية والمنظمات الإنسانية أمام تحديات متواصلة تتعلق بالإحصاء والإيواء وتوفير الخدمات الأساسية، خاصة مع تزايد أعداد الوافدين من جنسيات مختلفة.
وبينما تفرض ظاهرة الهجرة غير النظامية نفسها كملف إنساني واجتماعي، يتطلب حلولا مستدامة لا تقتصر فقط على تنظيم العودة الطوعية، بل تشمل أيضا جهدا دوليا لمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع آلاف الشباب من افريقيا جنوب الصحراء إلى مغادرة بلدانهم بحثا عن مستقبل أفضل.
وبين الخيام وحقول الزيتون المحيطة به في معتمدية العامرة لولاية صفاقس ، تتقاطع قصص الانتظار مع أحلام العودة، في مشهد إنساني تختلط فيه مشاعر الأمل والحنين والرغبة في بداية جديدة.
ومنذ الإعلان عن إحداث هذا المخيم اواسط جوان من العام الماضي، بدأت أصداؤه تنتشر بسرعة داخل التجمعات العشوائية للمهاجرين المنتشرة بأحواز العامرة وجبنيانة، حيث بات يستقطب يوميا أعدادا متزايدة من الراغبين في التسجيل ضمن قائمات العودة، خاصة مع ما يوفره من ظروف إقامة منظمة، وإحاطة صحية واجتماعية، إلى جانب تسهيلات إدارية تساعد على تسريع إجراءات الترحيل الإنساني والآمن.
في البداية، كان بعض المهاجرين يتوافدون على المخيم فقط طلبا للإسعافات أو المؤونة ومواد التنظيف، غير أن كثيرين منهم اقتنعوا تدريجيا بأن العودة إلى أوطانهم قد تبدأ من هذا المكان، بعد سنوات من الإقامة غير القانونية وما رافقها من صعوبات اجتماعية وإنسانية.
داخل المخيم، تبدو الحياة اليومية هادئة ومنظمة. مهاجرون يصطفون لتسجيل أسمائهم استعدادا للرحلات المقبلة، وآخرون يتبادلون أطراف الحديث ويمارسون كرة القدم، فيما ينشغل بعضهم بتنظيف محيط الخيام والعناية بأشجار الزيتون المنتشرة بالمكان. وفي إحدى الزوايا، كان شاب مهاجر يردد أغانٍ شعبية من بلده، بينما أخذ طفل صغير يرقص على وقع الموسيقى، في مشهد امتزجت فيه مشاعر الحنين إلى الوطن بالارتياح لقرب العودة.
ويقول سليمان، وهو مهاجر من إحدى دول إفريقيا جنوب الصحراء، بينما كان ينظف محيط شجرة زيتون، "أريد العودة إلى عائلتي… تعبت من حياة المخيمات". وعلى مقربة منه، كان آخرون يطلبون الصابون ومواد التنظيف والأغراض الأساسية، في محاولة لاستعادة نسق حياة عادية ولو بشكل مؤقت، إلى حين موعد الرحيل.
وسادت اجواء من التفاعل الايجابي بين العاملين بالمخيم والمهاجرين المقيمين به، حيث يتبادل الطرفان الأحاديث بشكل يومي، فيما يحرص أعوان الأمن على معاملة الأطفال بلطف وممازحتهم في أجواء إنسانية خففت من وطأة الانتظار. وفوق المخيم ترتفع الراية الوطنية التونسية، بينما تحولت بعض الأسلاك الشائكة المحيطة بالمكان إلى حبال علقت عليها الملابس والأغراض الشخصية، في صورة تختزل حالة اندماج عابرة تسبق لحظة المغادرة.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن حصيلة برنامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج لفائدة المهاجرين غير النظاميين تجاوزت أربعة آلاف مهاجر.
وتشرف وزارة الداخلية على هذا البرنامج بمشاركة الحرس الوطني وإدارة الحدود والأجانب، حيث يرتكز على استقبال المهاجرين وإيوائهم داخل مخيمات العودة الطوعية قبل ترحيلهم إلى بلدانهم.
ويتولى أعوان الحرس الوطني ميدانيا توفير الإحاطة والرعاية اليومية، إضافة إلى المؤونة والإيواء، في حين يضطلع الهلال الأحمر التونسي بتقديم الرعاية الصحية والخدمات الأساسية، خاصة لفائدة النساء والأطفال. كما تنظم الفرق المشتركة حملات تحسيسية داخل تجمعات المهاجرين للتعريف ببرامج العودة الطوعية وآليات التسجيل فيها، إلى جانب زيارات ميدانية لتحديد احتياجات الراغبين في العودة ومساعدتهم على استكمال الإجراءات القانونية اللازمة.
ويؤكد المشرفون على المخيم أن عدد طالبي العودة الطوعية يشهد ارتفاعا متواصلا، خصوصا بعد تناقل أخبار الخدمات المتوفرة داخله، حيث بادر عدد كبير من المهاجرين المقيمين خارج المخيم إلى تقديم طلبات العودة بعد اقتناعهم بجدية المبادرة وتوفر شروط الترحيل الإنساني الآمن.
ومن بين هؤلاء زكرياء، وهو مهاجر من الكوت ديفوار يقيم في تونس بشكل غير قانوني منذ ست سنوات، اختار التسجيل طوعا ضمن برنامج العودة. ويقول في تصريح له "أتطلع إلى العودة قريبا إلى بلدي… هناك عائلتي". كما عبر عن امتنانه للسلطات التونسية المشرفة على المخيم، مشيدا بما وصفه ب"كرم المعاملة وحسن الضيافة".
وأوضح زكرياء أن إجراءات تنظيم الرحلات تتم بسرعة وبتنسيق محكم بين السلطات التونسية وسفارات الدول المعنية، خاصة في الحالات التي لا تتوفر فيها جوازات سفر للمهاجرين. ووجه رسالة إلى كل من يفكر في الهجرة غير النظامية قائلا "لا تأتوا إذا كنتم تظنون أن الأمور سهلة. لا توجد إقامة سهلة ولا أوراق ولا شيء. الأفضل أن يحقق الإنسان أحلامه في بلده، وإذا أراد الهجرة فليكن ذلك عبر الطرق القانونية".
وتعد منطقتا العامرة وجبنيانة من أبرز المناطق التي شاهدت خلال سنوات ما بعد 2011 توافد المهاجرين غير النظاميين في ولاية صفاقس، وهو ما جعل السلطات التونسية والمنظمات الإنسانية أمام تحديات متواصلة تتعلق بالإحصاء والإيواء وتوفير الخدمات الأساسية، خاصة مع تزايد أعداد الوافدين من جنسيات مختلفة.
وبينما تفرض ظاهرة الهجرة غير النظامية نفسها كملف إنساني واجتماعي، يتطلب حلولا مستدامة لا تقتصر فقط على تنظيم العودة الطوعية، بل تشمل أيضا جهدا دوليا لمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع آلاف الشباب من افريقيا جنوب الصحراء إلى مغادرة بلدانهم بحثا عن مستقبل أفضل.
وبين الخيام وحقول الزيتون المحيطة به في معتمدية العامرة لولاية صفاقس ، تتقاطع قصص الانتظار مع أحلام العودة، في مشهد إنساني تختلط فيه مشاعر الأمل والحنين والرغبة في بداية جديدة.









Comments
0 de 0 commentaires pour l'article 329585